هيئة علماء المسلمين في العراق

اميركا تخوض \"حرب أفكار وعقائد\" في العالم الاسلامي.
اميركا تخوض \"حرب أفكار وعقائد\" في العالم الاسلامي. اميركا تخوض  \

اميركا تخوض \"حرب أفكار وعقائد\" في العالم الاسلامي.

الرئيس الأميركى بوش لا يؤيد المتشائمين فى واشنطن الذين يؤكدون أنّه ليس بإمكان الولايات المتحدة الانتصار فى حربها داخل العراق. ويري، عكس مايراه الجميع، أنّ العام 2005 شكل منعطفاً فى تاريخ العراق \"...\" وتاريخ الشرق الأوسط وتاريخ الحرية ، متحدثاً عن تحول كبير فى بلد لم يكن يملك أيّ تجربة فى الديمقراطية .
لا يمكننا أمام هذا التفاؤل العجيب للسيد بوش إلاّ أن نتساءل عن زاوية الرؤية التى يرى من خلالها المشهد العراقي، وهل هو، حقيقة، يؤمن أنّ الديمقراطية تحققت فى العراق، وهل بلغ من السذاجة مبلغاً يظنّ معه أنّ إزاحة حاكم مستبد عن كرسى الحكم كافٍ لاحلال الديمقراطية؟!
الناخب العراقى يذهب إلى صناديق الاقتراع مدفوعاً بفتاوى الأئمة وأصحاب العمائم، ويصوت حسب طائفته؛ السنّى يصوت للسنّة، والشيعى للشيعة، والكردى للأكراد... الخ.
ولكن، يبدو أنّ تعريف بوش للديمقراطية مستمد من قاموس عجيب لا يشاركه به أحد من بنى البشر، فالديمقراطية التى يتحدث عنها هى ديمقراطية الفوضى والسجون، ديمقراطية التعذيب والاغتصاب، ديمقراطية القتل والتجويع، ديمقراطية يهرب من فردوسها مليون عراقي، بعد أن ساءت الأمور أكثر بكثير فى ظل الاحتلال الذى لم يف بأى من وعوده ازاء الديمقراطية والحرية والأمن والاستقرار، بل لجأت قوات الاحتلال الى القوة المفرطة والقتل العشوائى والعقاب الجماعى للسكان. وبينما الساسة العراقيون مازالوا يقطعون الوعود نفسها المتمثلة فى وضع أمنى أفضل وتحسين الخدمات وانعاش الاقتصاد، يقول العديد من الناخبين إنهم يتطلعون إلى قادة يتسمون بالنزاهة، بعد أن سئموا من الفاسدين، وباتوا بحاجة إلى وزارة داخلية تحترمهم لا تقتلهم .
الديمقراطية، التى يراها بوش فى العراق، لا تختلف فى شيء عن السراب الذى يراه تائه فى الصحراء، مستخدماً آلته الاعلامية القوية ليقنعنا أنّ ما يحدث فى العراق هو تتويج وانتصار للممارسة الديمقراطية لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ انهيار أثينا.
لقد وصل الأمر إلى طريق مسدود، وتنظيف العراق  بات مهمة مستحيلة وكابوساً يقض مضاجع البيت الأبيض، لذلك أصبحت الانتخابات التشريعية فرصة للخروج بقوات الاحتلال من الورطة العراقية، حيث بدأت كل من واشنطن ولندن الاستعداد لحزم الحقائب فور تشكيل حكومة دائمة فى هذا البلد واعتباراً من آذار 6002، تاركين الشعب العراقى " يتمتع"، وحيداً، بثمار الديمقراطية الأميركية.
يبدو أنّ بوش الذى كذب مرتين على العالم، فيما يخص المسألة العراقية، فانكشفت كذبته فى المرّة الأولي، قد حالفه النجاح أو كاد فى كذبته الثانية، فبعد أن انكشفت كذبة سلاح التدمير الشامل، انطلت على الجميع كذبة نشر الديمقراطية، لتتحول الديمقراطية نفسها إلى أول ضحاياه، فهى فى أحسن الأحوال، ستؤدي، فقط، إلى سيطرة رجال الدين وأصحاب العمائم، الذين سيعملون جاهدين على أن تكون أولى انجازاتهم، بعد تحقيق النصر، الاجهاز على الديمقراطية.
لا نظن أنّ أميركا، بمراكز بحوثها واستخباراتها، عاجزة عن القراءة بين السطور واستشراف المستقبل، فهى أول العارفين أنّ الديمقراطية مشروع: ثقافي، اجتماعي، اقتصادي، حضارى لا يمكن فرضه بالقوة أو إدخاله إلى بلد على ظهر دبابة.
مشروع الاحتلال الأميركى للعراق، كما هى جميع مشاريع الاحتلال، ليس مشروع سلام أو نشر ديمقراطية. وما الوثيقة التى نشرها البيت الأبيض يوم 03 تشرين الثانى الماضى إلاّ محاولة لذرّ الرماد فى العيون. فالعراق لا يمضى على الطريق الصحيح كما تدعى الوثيقة، والنجاح فى مكافحة الارهاب لم يتحقق، والديمقراطية فى العراق لا تتعدى ديمقراطية الفوضى والنصب والاحتيال، والاقتصاد العراقى فى وضع بائس، والخدمات الأساسية لا تتوفر، والبلد ليس آمناً، وليس موحداً.
إذن، لماذا الاصرار، بعد هذا كله، على القول أنّ المهمة فى العراق هى نشر الديمقراطية، ولماذا الاصرار على أنّ ما يجرى هناك اليوم هو تتويج لهذا الحلم؟
ما لم يقله بوش قاله كيري، المرشح الديمقراطى السابق: الولايات المتحدة تخوض حرب أفكار وعقائد ويجب أن تكسبها من داخل العالم الاسلامى ، معتبراً أنّ الولايات المتحدة انقادت إلى معركة تتعلق بقلب الاسلام وروحه وأن الادراة الأميركية فشلت فى تفهم طبيعة تلك المعركة. فالحرب على الارهاب، حسب كيري، لا يمكن كسبها دون اعادة تشكيل ناجحة للشرق الأوسط الكبير وخصوصاً قلبه العربى .
ولكن، أيّ اعادة تشكيل للشرق الأوسط الكبير نتوقع من محتل؟!
المصدر:العرب اونلاين
17/12/2005

أضف تعليق