أجرى الحوار : أسامة الهتيمي
14/12/2005
مفكرة الإسلام : ربما يكون الدكتور عبد الوهاب المسيري أستاذ الأدب الإنجليزي أحد أهم المتخصصين العرب في دراسة اليهود والصهيونية بما يجعله مرجعا هاما
لكل الباحثين في هذا الشأن .. غير أن المسيري الذي سخر أغلب حياته للبحث والتحصيل العلمي لا يتوقف قدره عند ذلك فحسب بل امتدت إسهاماته العلمية والفكرية إلى السياسة والفلسفة فضلا عن الأدب وهو ما أعطى للرجل تميزه في حقل الفكر الإسلامي حيث أنه من قلة جمعت بين الوعي بالتراث العربي والإسلامي وبين عمق الاطلاع على الثقافات الأخرى.
والحوار مع المسيري له مذاقه الخاص فعندما تحاوره حول اليهود واليهودية أو إسرائيل ومستقبلها تظن أن علمه كله منصب في هذه الزاوية وما أن تنتقل للحديث حول موضوع آخر لا يمكنك الاعتقاد بأنه من حدثك في البداية وعندها تخرج بقناعة واحدة وهي أن المسيري موسوعي كموسوعته .
كما لا يمكنك أن تكتفي في الحوار مع الرجل حول قضية واحدة حيث إنك أمام مصدر علمي تريد أن تأخذ منه قدر ما استطعت لولا تلك الانشغالات الدائمة وقلة الوقت خاصة وأنه يعد لإصدار ثمانية كتب في وقت واحد .
**الدكتور المسيري قامة فكرية عالية والجميع يعرف ذلك .. ومعروف أيضا عن المفكرين أنهم دائما خارج الإطار حتى يمكنهم أن يقولوا ما يريدون .. لماذا شارك الدكتور المسيري في تأسيس حزب الوسط ؟
*صحيح أنا خارج الأطر لكن الذي حدث أني وجدت فكر حزب الوسط فكر إسلامي واضح وحديث كما أن ما يطرحه يتفق مع كثير من أطروحاتي وأفكاري وحيث أنني أؤمن بأهمية أن يتم تحويل الفكر إلى عمل وفعل فلا مناص من الانضمام إلى حزب الوسط الذي يمكن أن يحقق هذه الأفكار .
وأنا هنا لست ظاهرة فريدة بين المفكرين فقد انضم الدكتور طه حسين والأستاذ محمود عباس العقاد والدكتور محمد حسين هيكل من قبل إلى أحزاب .
**لكن أليس من الممكن أن يحدث خلاف بينك وبين قيادات الحزب ؟
*لا أعتقد أن يكون الخلاف بالحجم الذي تتصوره وقد يحدث اختلاف في التفسير والإجراءات التفصيلية.. أما بخصوص الرؤية العامة والأفكار العامة فلا أظن أن ذلك سيحدث وقد اختاروني لتقديم مقدمة برنامج الحزب .
**هل من المتوقع في حال الموافقة على تأسيس حزب الوسط أن يكون الدكتور المسيري أول رئيس له ؟
*أنا عضو عادي في الحزب وأساهم مثلما يساهم الآخرون وربما أساهم بشكل أقل وفي الحزب يدركون ذلك فأنا لا أحضر جميع الاجتماعات الخاصة بالحزب وإنما أحضر الاجتماعات المهمة .. غير أنني أؤكد أنه لا يمكن الحديث عني إلا كعضو عادي فقط.
**شاركتم في الآونة الأخيرة في مظاهرات ومؤتمرات حركة 'كفاية ' .. ألم يكن في حساباتكم علاقتكم بالدولة ؟
*بالعكس قمت بهذه الحسابات فوجدت من الضروري مهاجمة الحكومة ووقوفها عند حدها فأنا لست من المؤمنين بالترف الفكري وأنه كما قلت من قبل إن الفكر عندي لابد أن يتحول إلى فعل وأن تتحول الحقيقة إلى عدل .
**كثيرا ما تتحدثون عن قرب نهاية الكيان الصهيوني ' إسرائيل ' في الوقت الذي يرى فيه البعض أن مثل هذا الفكر يبتعد عن الواقع المعاصر خاصة وأن أمريكا استطاعت أن تجعل من العراق – أقوى دولة عربية – رهينة لاحتلالها .. ما رأيكم في ذلك ؟
*أولا أود أن أشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في أن تجعل العراق رهينة للاحتلال .. بالعكس إن أمريكا هي التي أصبحت الرهينة للعراق وللمقاومة العراقية ولعل أكبر دليل على ذلك هي دعوتهم لجامعة الدول العربية إلى أن تتدخل في العراق ..وهي محاولة للخروج من المأزق العراقي.. فالولايات المتحدة كانت ضد تدخل الجامعة العربية منذ البداية .
أما بخصوص نهاية إسرائيل فعلينا أن نقرأ التاريخ جيدا . فإسرائيل دولة استيطانية احلالية قامت على أرض فلسطين وجميع الدول الاحلالية أو الاستيطانية قامت على نمطين: الأول هو إبادة السكان الأصليين .
والثاني هو الفشل في إبادة السكان الأصليين .. وكل الجيوب الاستيطانية التي لم تستطع إبادة هؤلاء السكان انتهت كما هو الحال في الممالك الصليبية وفي الجزائر وفي جنوب أفريقيا .
الجيب الوحيد الباقي هو إسرائيل فلماذا نرى أنه الاستثناء مع أنها غير قادرة على إبادة الفلسطينيين .
**لكن في النهاية إسرائيل تزداد تجبرا وقوة يوما بعد يوم ؟
*كلمة في النهاية كلمة خاطئة وأنا أرفضها .. نحن لسنا في النهاية بعد .. يوم القيامة هو النهاية .
فالحرب سجال بيننا وبينهم ربما ننكسر أحيانا لكننا ننتصر أحيانا أخرى ومظاهر النصر واضحة للعيان :
1- فها هو المستنقع العراقي الذي وقعت فيه أمريكا .
2- وها هو سجل إسرائيل العسكري بعد 1967 حيث بدأت حرب الاستنزاف التي كلفت إسرائيل خسائر كبيرة .
3- وها هي حرب أكتوبر التي كانت انكسارا لإسرائيل برغم ما تبعها من معاهدة كامب ديفيد .
4- وها هو الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان.
5- وها هي الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 والانتفاضة الفلسطينية الثانية والانسحاب من قطاع غزة .
46- وأخيرا المشهد الإسرائيلي في الوقت الحالي فانظر إلى ما يحدث داخل حزب الليكود وقرار شارون بتركه ومع أنه يعد 'أبو الاستيطان' فإنه يتحدث عن الانسحاب من غزة وهدم ما يسميه بالمستوطنات الغير شرعية كما أنك عندما تقرأ الصحف الإسرائيلية تدرك مقدار الأحداث .
**خصصتم ما يزيد عن ربع قرن من حياتكم العلمية في العمل الموسوعي الضخم ' اليهود واليهودية ' وقد تزامن ذلك مع تبنيكم للرؤية الإسلامية أو ما يسمى بالخطاب الإسلامي المعاصر. غير أن البعض يرى أنكم أغفلتم في موسوعتكم حديث القرآن عن بني إسرائيل ؟
*دائما ما أثير هذه المشكلة ..هل اليهود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم سواء بني إسرائيل أو غيرهم .. هل هؤلاء لهم علاقة بيهود القرن العشرين ؟
هذا هو السؤال وأيضا هل أنا كمسلم ملزم بالتعريف القرآني والإسلامي لليهود واليهودية والذي يعني أن اليهودي هو من يؤمن بالله وباليوم الآخر وكتابه المقدس ' التوراة ' ؟
أولا يهود العالم الحديث أكثر من 90 % منهم لا يؤمنون بالله أو أنهم يؤمنون بصيغ يهودية مخففة ..فمن المنظور الإسلامي لا يعتبر هؤلاء يهودا أما الـ 10 % الباقيين فهم جماعات هامشية ولا تلعب دورا يذكر .
لذلك ما ذهبت إليه في الموسوعة هو اجتهاد رجل دارس لليهود وليس قول مجتهد في الفقه وأطرح على الفقهاء أن يدرسوا ذلك .
كذلك فحينما يرد مصطلح فرعون فهو يشير إلى حكام مصر أو أي حاكم متجبر وظالم وطاغية ونفس الشيء بالنسبة لليهود فهم مجموعة من الصفات التي إذا توفرت في أي شخص فهو يهودي .
لكن يوجد مشكلة في الفقه الإسلامي وهي أن وضع اليهود والمسيحيين قد استقر في الدولة الإسلامية فاليهود لم يكونوا مشكلة لذلك لم ينصرف الإسلام لدراستهم أما الوضع الآن مختلف وعلى الفقه أن يفكر في كيف يتعامل معهم .
**تنكرون بشدة حقيقة ما يسمى ببرتوكولات حكماء صهيون مع أن الواقع كله يشهد بصدقها .. لماذا هذا الإصرار ؟
*إن كثيرا مما جاء في البرتوكولات غير صحيح ولا علاقة له بالواقع ففيها 'سنسيطر على جميع الصحف والجرائد في العالم ..وهذا لم يحدث ..نحن نخرف كثيرا .. كذلك يقولون ' نحن الذين قمنا بالثورة الفرنسية والبلشفية '.. كيف يحدث هذا فهذان شكلان ثوريان مختلفان تمام الاختلاف؟ .. يقولون أيضا 'نحن نحرك الذين يقفون ضدنا ' وعليه فإنهم يحركونني شخصيا .
إننا نعطي حاخامات اليهود مقدرات إلهية فيولد الرعب في قلوب الناس فلا يدخلون الحروب .
وأؤكد أن ول شيء يدل على كذب البروتوكولات هو كتابتها باللغة الروسية فيهود روسيا لم يكونوا يعرفون الروسية لذلك كانت هناك برامج ' الترويس ' لتعليمهم هذه اللغة ..فلو كانت البرتوكولات سرية فلماذا لم يكتبها اليهود باللغة الآرامية أو غيرها بدلا من الروسية المعروفة للجميع .
وافرض معي أننا عملنا وثيقة لغزو إسرائيل هل نكتبها بالعبرية أم بالعربية ؟.. إن الهدف من البرتوكولات كان تخويف الجماهير من عدو وهمي كما يفعل نظامنا السياسي في مصر مثلا عندما يخوف الناس من جماعة الإخوان المسلمين ويخوف الأقباط والطبقات الوسطى وينسب للإخوان مقدرات ضخمة جدا لا أساس لها في الواقع .
**نتفق معكم في أن هناك خطاباً إسلامياً جديد يتبناه عدد من الإسلاميين وأنت أحدهم إلا أن التيار الإسلامي التقليدي وهو الأغلب يرى أن كثيرا من أفكاركم ينقصها التأصيل وهي بالتالي بعيدة عن صحيح الإسلام ..ما رأيكم ؟
*أنا لا أتفق مع القول بأن التيار الأغلب هو التيار التقليدي فأنا كنت في دمنهور بمحافظة البحيرة ' شمال مصر ' للمشاركة في الدعاية الانتخابية البرلمانية لتأييد مرشح جماعة الإخوان المسلمين الدكتور جمال حشمت والذي رفع شعار 'الإسلام هو الحل ' كبقية مرشحي الجماعة .. وعندما جاء جمال حشمت للتحدث في المؤتمر كان كلامه في السياسة والإصلاح السياسي ولم يكن مجرد شعارات .
أنا أعتبر حالة هؤلاء الذين تسميهم تقليديون من حالات التشرنق بمعنى أن معظم هؤلاء وجدوا أنفسهم في عالم ليس من صنعهم.. عالم الحداثة وهو عالم قبيح هدم تراثهم وبيئتهم الاجتماعية والثقافية وانتهى به الأمر إلى أن خلف عالماً قبيحاً وحيث إنهم غير فاهمين لآلياته تشرنقوا وعادوا إلى ما يسمونه بصحيح الإسلام .
وهذا فعل مقاوم جيد ولست ضده لكنه فعل مقاومة يدل على مقدرة المسلمين على الدفاع عن أنفسهم لكن بشكل سلبي وغير قادر على التحرك في المستقبل وهذه هي مهمة الخطاب الإسلامي الجديد ومعه الكثير من المسلمين والذي يتمثل في جماهير الإخوان المسلمين وحزب العمل وحزب الوسط وغيرهم .
فالفكر الإسلامي متغلغل حتى بين العلمانيين ولم يعد من يتحدث عن الإسلام بشراسة كما كان في الماضي فليس هنا من يطالب بالتخلي عن الإسلام تماما .
**تقسمون العلمانية إلى شاملة وجزئية وترفضون الأولى في حين لا ترون غضاضة من قبول الثانية من منطلق عدم قبولكم أن تروا مشايخ في وزارة الدفاع أو وزارة الخارجية ؟
*علينا أن ننظر في القضية في إطار المرجعية النهائية وليس في إطار الإجراءات التفصيلية ..فإذا كان المقصود بالدولة العلمانية الدولة التي تفصل الدين عن الإجراءات الفنية .. يعني يوجد لجنة متخصصة تناقش حجم الاتجار مع سنغافورة وليس لجنة دينية فأنا مع ذلك .
**ولماذا تصرون على استخدام مصطلح العلمانية ؟
*لأن المصطلح موجود بالفعل ولهذا نستخدمه وإذا كانت الأمور متروكة لي كنت سأسميها 'نزع القداسة عن العالم ' ..لكن لا يمكنني أن أفعل ذلك وما أفعله في دراساتي إعادة تعريف المصطلح من خلال دراستي له كما فعلت مع 'الحداثة ' .
فالكثير من المصطلحات تم تعريفها بشكل خاطئ ولا يتفق مع الواقع ..فأنا أستاذ شعر رومانتيكي والرومانتيكية كلمة لها 10 آلاف تعريف وما أفعله أن أقول أعني بها كذا وكذا .
وسميت هذه العلمانية الجزئية بهذا الاسم لأنها تقتصر على فصل الدين عن الدولة وتلتزم الصمت بخصوص القيم الأخلاقية بخصوص الحياة الخاصة .. فلا يقولون شيئا عن الزواج أو العلاقات بين الذكور والإناث ولذلك سميتها الجزئية وأحيانا العلمانية الأخلاقية .
**ربما جاء استخدامكم للمصطلح نتيجة الإرهاب الفكري الذي يمارسه العلمانيون؟
*لا لا يوجد إرهاب فكري من قبل أحد بل هذه هي مشكلة العلوم الإنسانية ..وهذا شيء جيد لأنه يفتح لنا بقوة الحق في أن نقوم بالتعريف كما فعلنا مع الحداثة والاستنارة وغيرها .
**نعتقد أن ما تمر به الأمة العربية والإسلامية هو أسوأ مرحلة تاريخية في حياتها .. ما تعليقكم ؟
*أتفق معك نحن وصلنا إلى الحضيض لكن هناك أيضا مؤشرات على الحياة داخل الأمة حيث أنها ما تزال أمة مقاومة لا تنسى ما تقوم به الأمة سواء في فلسطين أو في العراق أو في أماكن أخرى .
ولا يقتصر الأمر على العراق أو فلسطين فقط .. لكن انظر أيضا إلى رياح الديمقراطية التي تهب علينا في العديد من البلدان العربية ومنها مصر .. أليس هذا دليل على أننا أمة حية ؟
**ترون أن من تداعيات العلمانية الشاملة هو غياب المعايير الأخلاقية والدينية .. فكيف يكون الحوار مع الغرب في ظل ذلك ؟
*أرى أن الحوار بين أي طرفين يأخذ أشكال مختلفة .
فهناك الحوار العادي والديمقراطي والذي يكون بين أنداد أي يكون بين طرفين يتسمان بالندية .. لكنهما يختلفان بخصوص التفاصيل .. أما إذا كان الطرف الآخر يرى أنه صاحب حقوق مطلقة وأن الطرف المقابل ليس له أية حقوق أو أنها حقوق هامشية ففي هذه الحالة هناك شكلان من الحوار :
1- الحوار النقدي أي أنك تعطي للآخر رؤيتك والخلل في منطقه .. وفي هذه الحالة إما أنه يرى وجهة نظرك أو أن يستمر في بطشه وعدوانه وهو ما يؤدي إلى النوع الثاني من الحوار وهو:
2- الحوار المسلح وهو أن نرسل برسائل ملحة للآخر كما فعل الفيتناميون مع الأمريكيين .. هم حاوروهم بكفاءة عالية .
**ما توقعاتكم المستقبلية بالنسبة للأمة ؟
*كما قلت الوضع مظلم لكن هناك مؤشرات على أن الحياة لا تزال تسير في عروقنا وأن المقاومة في فلسطين والعراق والمقاومة الآن في الشارع العربي ضد الحكومات الفاشية .. وهو ما يبشر بمستقبل أفضل .
**هل تجدون من الوقت والقدرة على الكتابة للأطفال ؟
*إنني بكتاباتي للأطفال أشعر بالمتعة كما أن هذه الكتابات تخرجني من الضوضاء وتدخلني في عالم جميل للغاية فيه قدر كبير من البراءة فعالم الأطفال مركب إنساني أذهب إليه وخاصة أنني أرى الأطفال ليسوا بشرا ناقصين ولكن أراهم كاملين غير أن لهم لغتهم الخاصة .
الملخص:
- إيماني أن الفكر لابد أن يتحول إلى فعل وعمل.
- المؤشرات كلها تؤكد قرب نهاية إسرائيل .
- أدعو فقهاء الإسلام لإعادة دراسة اليهود في العصر الحديث.
- ما جاء في البرتوكولات تخريف ولا علاقة له بالواقع.
د . المسيري: المقاومة أكبر دليل على أن أمتنا ما زالت حية
