هيئة علماء المسلمين في العراق

السجون السرية الأمريكية لمن؟
السجون السرية الأمريكية لمن؟ السجون السرية الأمريكية لمن؟

السجون السرية الأمريكية لمن؟

د. عيدة المطلق قناة وتتساقط الأقنعة واحدا تلو الآخر لتبدو الصورة الأمريكية أكثر بشاعة وقتامة واستبدادا. آخر الأقنعة المتساقطة حتى تاريخه فضيحة طائرات “السي آي إيه” وشبكة المعتقلات السرية التي أمرت إدارة بوش بتأسيسها. ملخص الفضيحة أن المخابرات الأمريكية أقامت وتقيم سجوناً سرية وتنظم رحلات “تعذيب سياحية” أو رحلات الارهاب الطائر ل “السي آي إيه” إلى دول من العالم الثالث لسجناء، يتم هناك التحقيق معهم كون مخابرات هذه الدول لديها خبرات طويلة في استخلاص الاعترافات تحت وطأة التعذيب.
 
  كشفت هذه الفضيحة منظمات إنسانية محلية امريكية ودولية، وفي مقدمتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” ثم جاء التقرير الصارخ الذي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2005 بعنوان “السي آي إيه تحتجز المشتبه فيهم في الإرهاب في سجون سرية”.
 
  كشف التقرير عن شبكة من السجون السرية تديرها المخابرات المركزية الأمريكية في ثمانية بلدان، من بينها تايلاند وأفغانستان وعدد من الدول الديمقراطية في أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى مركز صغير في خليج جوانتانامو في كوبا. كما كشف عن قيام طائرات خاصة تابعة للوكالة بنقلهم بهدف الحصول منهم على اعترافات فيما يعرف بعملية “تسليم العدو إلى دولة ثالثة لظروف استثنائية”. وفي إطار هذه العملية تم إرسال أكثر من 100 شخص إلى تلك المنشآت، التي إطلق عليها اسم “المواقع السوداء”، “ومنها منشآت تعود للعهد السوفييتي.
 
  فضيحة لم تردع الإدارة الأمريكية بل مضت في غيها، وذهب كل من نائب الرئيس ديك تشيني ومدير الاستخبارات الأمريكية، بورتر غوس، إلى مطالبة الكونجرس باستثناء العاملين في الجهاز من التشريع الذي يحظر استخدام القسوة وسوء معاملة أي سجناء رهن الاعتقال في الولايات المتحدة. ناهيك عن فرض اتفاقية مع الولايات المتحدة على العديد من الدول وفي مقدمتها الدول العربية، تلتزم بموجبها هذه الدول بعدم مساءلة الجنود ورجال المخابرات الأمريكية عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي تقع في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
 
  إن خطورة القضية تتأتى من جوانب متعددة منها أن لا أحد يعلم ما يتم في هذه السجون فضلاً عن أن وكالة المخابرات الأمريكية تحجب حتى عن الكونجرس أي تفاصيل تتعلق بأعداد المعتقلين، وطرق استجوابهم، ومدة اعتقالهم، بالإضافة إلى أنها ترفض تقديم التقارير للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بخصوص المعتقلين في هذه السجون سواء السرية أو العلنية. بل إن الولايات المتحدة بررت عدم تعاونها مع اللجنة الدولية بالقول إن “قانون معاملة هؤلاء الأشخاص تصوغه قوانين الحرب”.. وإن هذه المسائل ليست ضمن صلاحيات اللجنة.
 
  إلا أنه وبعد نشر تقرير “الواشنطن بوست”، بدت المواقف والتصريحات الأمريكية مرتبكة فسارع المتحدث باسم البيت الأبيض ( سكوت ماكليلان) إلى نفيها قائلاً: “إن الرئيس بوش يضع في أولوياته أمن وسلامة الشعب الأمريكي، وإنه ينظر إلى هذه الأمور بشكل جدي تماماً”.
 
  في الوقت نفسه، وبما يناقض نفي الناطق، هدد بوش بالفيتو ضد مشروع قانون يحظر التعذيب. أما كوندوليزا رايس فقد توعدت الأوروبيين بالقول إنه “يجب على الحكومات الأوروبية أن تقرر ما إذا كانت تريد أن تعمل مع الولايات المتحدة على منع وقوع أعمال إرهابية ضد بلدانها ودول أخرى”.
 
  في حين حاول مجلس الشيوخ الأمريكي الظهور بمظهر المندهش لهذه الأنباء! على اعتبار أنه بريء مما حدث ويحدث، فطالب جون نيجربونتي (رئيس الاستخبارات الأمريكية) بتقديم تقرير عن حقيقة وجود السجون السرية في دول أوروبا الشرقية.. علما بأن أغلب مراكز الاعتقال يتم تشكيلها وتسييرها بتمويل من الكونجرس الأمريكي.
 
  إن أكثر ما يثير القلق بل والسخط هو الإحساس بالدونية الذي يتعامل به النظام العربي مع الإدارة الأمريكية. فالسجون السرية التي أثارت الأوروبيين وانتقادات المفكرين ومنظمات حقوق الإنسان في العالم لم تستثر أياً من الأنظمة العربية. علماً بأن السجون السرية غالبيتها أنشئت في الدول العربية، وجل ضحاياها عرب ومسلمون. ومع ذلك نمضي مع المشروع الأمريكي حتى آخر نقطة دم وربما حتى آخر نفحة من كرامة.
 
  لقد بلغ الاحتقار الأمريكي لنا أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لكي تمهد لجولة الوزيرة رايس قامت بترحيل معتقلين عرب ومسلمين على عجل من سجون سرية في أوروبا الشرقية إلى مراكز اعتقال سرية في إحدى دول شمال إفريقيا العربية.
 
  إن الولايات المتحدة، التي ترفع راية الدفاع عن حقوق الإنسان والقيم الأخلاقية تطالبنا نحن بأن نقوم نيابة عنها ب “الأعمال القذرة” ضد أبنائنا وفي كثير من الأحيان زوراً وبهتاناً. فالرئيس بوش يعتبر أن الحرب على الإرهاب تبرر التنصل من الواجبات الأخلاقية للقانون الدولي.
 
  لقد أصبحنا عرباً ومسلمين - جزءاً من هذه الحرب القذرة التي تشنها الولايات المتحدة علينا وعلى أوطاننا، فإلى متى نمضي في لعبة الموت الذليل.
المصدر:الدار العراقية
17/12/2005

أضف تعليق