هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق والأطماع الإقليمية المتزايدة ...عبد الله العنزي
العراق والأطماع الإقليمية المتزايدة ...عبد الله العنزي العراق والأطماع الإقليمية المتزايدة ...عبد الله العنزي

العراق والأطماع الإقليمية المتزايدة ...عبد الله العنزي

مركز الأمة للدراسات والتطوير – قسم الدراسات لا يخفى على من عرف تأريخ بلاد الرافدين؛ القديم والحديث؛ أن جذور الأطماع الإقليمية "الإيرانية" في هذا الجزء الحيوي المهم من العالم تمتد إلى آلاف السنين، فقد كان للفرس على هذه البلاد صولات وجولات متكررة تنتهي بالاندحار والانكسار حيناً، وبالهيمنة والظهور حيناً آخر، حتى أن جاء الفتح الإسلامي وتحرر العراق من هيمنة الدولة الفارسية الكسروية، وتأسست فيه قاعدة متينة للحكم والقيادة؛ انطلقت من نواحيها إلى بلاد المشرق والعالم تباشير الحق والعدل والدين، وشعت من نواصيها أنوار العلم والفكر والحضارة، ولم يبق أما الفرس إلا التقهقر والاختباء وراء أقنعة المكر والنفاق والخداع ليسترجعوا قوامهم ويجمعوا كيدهم ثم لا يُنصرون. 
واليوم وفي ظل حالة الضعف التي أصابت بلاد الرافدين بعد سلسلة الحروب والحصار والغزو والاحتلال، وما تبع ذلك من سياسة الخبث والدهاء التي انتهجها المحتل في حل المؤسسات المهنية الكفيلة بحماية أمن البلاد والدفاع عنه؛ تنهض الأحقاد والمطامع الإقليمية "الإيرانية" لتبلغ ذروة القبح والوقاحة، ولتستعيد صولات الاغتصاب للأرض والبغي والعدوان، فبعد توغل إيران واحتلالها لآبار حقل الفكة النفطي في ميسان جنوبي العراق نهاية العام المنصرم تتقدم القوات العسكرية الإيرانية هذه الأيام داخل الأرضي العراقية في الشمال ضمن محافظتي أربيل والسليمانية وتعزز وجودها هناك وسط قصف مدفعي ثقيل للقرى والمناطق الحدودية الآمنة، تماما مثلما فعلت ذلك إيران عام 1980م حيث تقدمت باتجاه الفكة واحتلت مناطق زين القوس وسيف سعد وما جاورها، وفتحت نيران المدفعية الثقيلة ومدافع الهاون على مخافر العراق الحدودية ومدن خانقين ومندلي وزرباطية، وعلى مصفى الوند ومنشآت نفط خانة، إضافة إلى جملة من الاعتداءات والانتهاكات الأخرى، والتي تسببت في رد عسكري عراقي حاسم، واندلاع ما يعرف بالحرب العراقية الإيرانية، هذه الحرب الضروس التي طال أمدها ثمان سنين دفع العراق فيها تضحيات بشرية عظام، وخسائر باهظة جسام، في آلته العسكرية وموارده المادية والاقتصادية، فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية، وما خلفته من دمار هائل، وأضرار كبيرة عمت البلاد بل وحتى الدول العربية المجاورة، وكل ذلك بسبب حنق الفرس وحقدهم، وتعنتهم وإصرارهم على إطالة أمد الحرب رغم كل النداءات والدعوات الدولية الصادرة من مجلس الأمن والأمم المتحدة آنذاك بوقفها، والتي وافق العراق عليها فور صدورها، والتزم العمل بموجبها من طرف واحد.
والغريب أن يطالب اليوم رئيس البرلمان الإيراني المدعو "علي لاريجاني" بدفع العراق التعويضات لإيران عن تلك الحرب، وهو ما صرح به أيضاً أحد أعضاء البرلمان المذكور والعضو في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية حيث قال "أن على العراق أن يسلم إيران على مدى 50 عاماَ مليون برميل من النفط يومياً، كتعويضات للحرب"!! ولا يخفى ما في ذلك من الاستهتار والمجاهرة بالسخف وما لا يُعقَل من القول وسط حالة التكبيل التي يمر بها العراق نتيجة احتلاله وانتزاع سيادته والهيمنة على قراره.
فإذا كانت قضية المسؤولية عن بدأ الحرب "العراقية الإيرانية" مثار جدل وخلاف بين الدولتين رغم كل الحقائق والوقائع التاريخية التي أشرنا إليها آنفاً؛ فإن مسؤولية إيران عن إدامة أمد الحرب؛ واستمرارها في العدوان؛ هي قضية لا خلاف فيها بعد إصرارها على رفض جميع القرارات الملزمة الصادرة من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، والتي بادر العراق بالموافقة عليها جميعها، وأولها القرار المرقم (479) والصادر في 28 أيلول 1980م، والذي دعا كل من إيران والعراق إلى الوقف الفوري لاستخدام القوة، وحل خلافاتهما بالطرق السلمية طبقاً للعدل ومبادئ القانون الدولي. وهو ما يعني أن إيران وحدها هي من تتحمل – قانونياً – المسؤولية في استمرار الحرب لثماني سنوات، وبالتالي هي من يجب أن يقوم بدفع التعويضات للعراق عن كل الخسائر المادية والاقتصادية التي تكبدها طيلة تلك المدة ، لا كما يطالب به اليوم رئيس البرلمان الإيراني وأعضائه.
إن هذه المواقف والتصريحات الخطيرة، وما يصطحبها من اعتداءات وتجاوزات وانتهاكات إيرانية مستمرة إنما تنطلق من نوازع الحقد المختزن والكراهية الدفينة تجاه العراق وتجاه هذه الأمة، وهي تعبر بالضرورة عن الأطماع التاريخية المعروفة لإيران بأرض الرافدين وما حباها الله به من ثروات وموارد. ولكن ليتذكر هؤلاء أن العراق غصة في حلوقهم، وأن حدوده تلتهب ناراً في وجوههم وسينكون بحرّها ويتجرعون آلامها كما تجرعوا السم الزكام من قبل. ] وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ[ [آل عمران : 140].

أضف تعليق