انشغلت وسائل الإعلام في هذه الأيام بأسطول الحرية؛ الذي ضم ناشطين سياسيين وحقوقيين من مختلف دول العالم،
ويحمل مؤناً غذائية وطبية وموادا تعليمية لأبناء غزة، الذين يعانون حصاراً قاسيّاً تفرضه سلطات الاحتلال الصهيوني على القطاع منذ عام 2007م. وهو حصار خانق ومرير، فلا يصل الى قطاع غزة غذاء ولا دواء ولا تجهيزات ولا غيرها، والعرب والمسلمون يتفرجون!! والعالم يتفرج!! بل ويسهمون فيه!!
وكلامنا عن معاناة اهلنا في غزة، ولا علاقة له بـ (حكومة غزة) ولا غيرها.
ونحن في العراق ومع ان بلدنا يرزح تحت احتلال آخر، هو الاحتلال الامريكي، الا اننا نعرف سر العلاقة العضوية بين امريكا والكيان الصهيوني، فالكيان طفل امريكا المدلل، وهو ولاية امريكية بعيدة عنها جغرافيا، الا انها تهيمن على مصادر القرار فيها، الى حد انها تحكم امريكا، واننا نعلم ان امريكا احتلت بلدنا، وحلت جيشنا، وبطشت ونكلت بعلمائنا؛ من اجل اسرائيل، لضمان امنها، وازالة كل خطر يتهددها، وبالتالي بقاؤها واستمرارها.
فالكيان الصهيوني هو مصدر الشر والسوء والدمار لهذه الامة بمجموعها، وليس لفلسطين وحدها، ولا لفلسطين وللعراق فقط، وبزوال الكيان الصهيوني سيتغير حال الامة تغييرا جذريا وكليا وشاملا، وقد تعود لها وحدتها وقوتها وهيبتها وعزتها وكرامتها.
لكن كيف ينهار الكيان الصهيوني ؟! هل لدينا تحليل او تصور واضح لذلك؟! الجواب : نعم، فالقرآن الكريم يخبرنا ان اليهود اذلة وجبناء وضعفاء بذاتهم، فإذا صارت لهم قوة وغلبة وسيطرة فلعاملين خارجيين، هما نبوة نبي، او دولة كبرى.. يقول الله تعالى: { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] . والحبل كناية عن مد يد العون والمساعدة، نقول مد له حبل النجاة، فإذا اعانهم الله وساعدهم عبر نبي يبعثه فيهم، او دولة اخرى تساعدهم فسينهضون، والا فلا.. وقد حدثنا التاريخ انهم عندما كانوا مؤمنين بأنبياءهم – بحدود معينة- فإنهم قد انتصروا، وصارت لهم دولة، كما في عهود موسى، وداود، وسليمان، عليهم السلام، وهذا حبل الله أي مساعدته، وهي النبوة، والحبل الآخر، أي المساعدة الثانية هي مساعدة دولة كبرى، وهذا من عجائب القرآن، فلم تظهر لليهود دولة في هذا العصر الا بحبل من بريطانيا، ثم من وريثتها امريكا، فهذه الدولة اللقيطة ما قامت بذاتها، وانما قامت بغيرها، فسر وجودها اليوم العامل الخارجي لا الداخلي، وهي الآن مثل الميت سريريا، كانت بريطانيا توفر لها اجهزة الانعاش الصناعية التي تمدها بأسباب البقاء، ثم حلت محلها امريكا، ومتى ترفع عن هذا الميت سريريا الاجهزة الصناعية المثبتة عليه فإنه سيموت، وكذلك الكيان الصهيوني، فإنه بوفاة امريكا ومن على شاكلتها في زعامة العالم الغربي سيموت..
والآن حان الوقت للوقوف عند ألفاظ الآية؛ لمزيد من الفهم لها، وهي:
(الذلة) : على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلا . والمراد بها الصغار والهوان والحقارة . فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود ، وإحاطتها بهم ، كما تحيط الخيمة بمن تضرب عليه، فهو مأخوذ من ضرب الخيمة على من فيها.
و(ثقفوا) : أى وجدوا، أو ظفر بهم . يقال : ثقفه أى صادفه أو ظفر به أو أدركه . وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشىء ومن التصرف فيه بشدة؛ لأن الثقاف آلة تكسر بها أغماد الرماح، فكأنها قالت: جاءوا بهم بالرماح، أي بقوة السلاح.
و(بحبل) : الحبل: هو ما يربط بين شيئين. وان استعمال الحبل يجعل التعبير في منتهى الفصاحة؛ وذلك أن من أراد أن يصعد من الأسفل الى الاعلى يتمسك بحبل، ومن سقط في البئر فطريق تخليصه أن يرسل اليه حبل حتى يتعلق به ويصعد، وينجو من المهالك.
والمعنى : أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة فى جميع أحوالهم أينما وجدوا وحيثما حلوا إلا فى حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس .
و(المسكنة) : مفعلة من السكون وهو عكس الحركة، ومنها أخذ لفظ المسكين. لأن الهم قد أثقله فجعله قليل الحركة والنهوض لما به من الفاقة والفقر.
والمراد بها فى الآية الكريمة الضعف النفسي ، والفقر القلبي الذي يستولي على الشخص فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة .
والفرق بينها وبين الذلة: أن الذلة تجىء أسبابها من الخارج . كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو .
أما المسكنة فهى تنشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق، واستيلاء المطامع والشهوات وحب الدنيا عليها.
والمعنى : أن هؤلاء اليهود يجانب ضرب الذلة عليهم حيث حلوا ، قد صاروا فى غضب من الله، وأصبحوا أحقاء به ، وضربت عليهم كذلك المسكنة التى تجعلهم يحسون بالصغار مهما ملكوا من قوة ومال.
ثم ذكر - سبحانه - الأسباب التى جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات الالهية، فقال - تعالى - : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} .
فاسم الإشارة ذلك يعود إلى تلك العقوبات العادلة التى عاقبهم الله بها بسبب كفرهم وفسقهم .
والآيات: النصوص التى تشتمل عليها الكتب السماوية ، والمعجزات. وقد كفر اليهود بالاثنين معا.
والمعنى : ان ذلك الذى أصابهم من عقوبات رادعة، سببه أنهم كانوا يكفرون بآيات الله وأدلته الدالة على وحدانيته وعلى صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتلك هى جريمة بنى إسرائيل الأولى.
أما جريمتهم الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ } أى أنهم لم يكتفوا بالكفر، بل امتدت أيديهم الأثيمة إلى دعاة الحق وهم أنبياء الله - تعالى - الذين أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم.
ثم سجل الله - تعالى - جريمتهم الثالثة بقوله: {ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} .
العصيان : مخالفة الاوامر، والاعتداء: ارتكاب النواهي .
والمقصود ان هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان لخالقهم، والتعدي لحدوده بجرأة وعدم مبالاة ، فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه.
الخلاصة: هذا هو خبر القرآن عن خيبة وهزيمة وعجز اليهود الدائم، وان صعودهم وعلوهم مؤقت، وهو خير تعريف لعدونا، فلنعتمد عليه في ادارة الصراع سياسيا وعسكريا وفكريا.
علاقة الآية بما قبلها:
لقد توقفنا مليا عند الآية 112 من سورة آل عمران، التي قدمت تحليلا شافيا وافيا وكافيا لنفسية اليهود، وهي بشرى لنا، ونبوءة صادقة، والآية التي قبلها ايضا تضمنت تحليلا وبشرى ونبوءة، وهي قول الله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ}[آل عمران: 111] أى لن يضركم أهل الكتاب، وخاصة اليهود -يا معشر المؤمنين- إلا ضررا يسيرا قليلا خفيفا ، كأن يؤذوكم بألسنتهم، وتهريجهم، ودعايتهم الكاذبة، واعلامهم المضلل، ويلقوا الشبه بينكم ليصدوا من ضعف إيمانه عن الحق، والفرق بين الضرر والاذى، ان الضرر يكون باليد، أي انه عملي، والاذى يكون باللسان، أي انه قولي. وفى هذا تثبيت للمؤمنين، وطمأنينة لقلوبهم، إذ الضرر الذى يصيب الأمة الإسلامية من أعدائها على قسمين :
أولهما : ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة ، وإضعاف قوتها وإهدار كرامتها وجعل أمورها فى أيدى أعدائها تصرفها كيف تشاء .
وثانيهما : ضرر لا يؤثر فى كيان الأمة ، ولا يؤدى إلى اضمحلال قوتها كالأذى بالقول، أو محاولة التأثير فى ضعاف الإيمان .
وقد نفى - سبحانه - أن يلحق المؤمنين ضرر يأتى على كيانهم من جهة أهل الكتاب، وخاصة اليهود فقال: { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ببشارة أخرى فقال : { وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } .
وتولية الأدبار : كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذي هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر .
وقوله ( ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ) أى : لن يكون لهم مدد من انفسهم ولا من غيرهم ينصرهم بعد اندحارهم، ويثأر لذلك الاندحار.
فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين ببشارات ثلاث :
أولها : أنهم فى مأمن من الضرر البليغ الذى يؤثر فى كيانهم وعزتهم وكرامتهم من جهة أهل الكتاب، وخاصة اليهود.
ثانيها : أن أهل الكتاب لو قاتلوهم ، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم .
ثالثها : أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك.
ولكن هذا النفى لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على الأصلين الذين ذكرتهما الآية التي قبلها " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله " قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .
فإذا أرادت أمة الإسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب، وخاصة اليهود بما يأتي على كيانها، فعليها أن تلتزم بما ورد في الآية من (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والايمان بالله).
ضعف اليهود الذاتي، وعاملا القوة الخارجيان من منظور قرآني: ثامر براك
