بحت الأصوات ونفد مداد الأقلام وهي تقول أن العملية السياسية العراقية باطلة لأنها صنيعة الاحتلال،
حقيقة يؤكدها المنطق السليم ويؤيدها القانون الدولي، ولكن رغم ذلك بقي العناد الأمريكي مستمسكا بهذه العملية التي جلبت على العراق الويل والثبور، واستمسك بها أكثر الذي جاء مع الاحتلال أو تلطخ بدرنه حين انخدع بمغريات الاحتلال، ومع كل مفصل من مفاصل العملية الشوهاء يزداد الوضع في العراق سوءا، ومهما غيروا من مكياجها أو أثقلوها بالحلل المبهرجة إلا أنهم عجزوا أن يستروا قبح وجهها أو نتن ريحها، وقد قال المنصفون أن الأساس الباطل لن ينجح فوقه أي بنيان، بل كلما علا البنيان فوق هذا الأساس كان أدعى إلى الإسراع بسقوطه وشدة تهاويه.
ومنذ الأيام الأولى كان الحل للمأزق العراقي – من وجهة نظر القوى المخلصة – هو زوال الاحتلال وآثاره، وقدموا للاحتلال مبادرات تجدول خروجه وتبرمج لبناء دولة عراقية في تدرج معقول وعناية دولية مقبولة، فطرحوا (جدولة الانسحاب) واقترحوا (حكومة الوحدة الوطنية) وطالبوا بـ(إلغاء الدستور) وقرروا (رفض الانتخابات) وأعلنوا عن الاستعداد للقبول بـ(انتخابات بإشراف دولي) ونحو ذلك من الحلول التي قابلها الاحتلال ومن معه بالسخرية والرفض المطلق.
وكما أن للحق رجاله فللباطل أهله يحثهم إبليس على السير ضد الخير ويمنيهم بالأماني ويغريهم بالشهوات، وكما أن التيارات والقوى المناهضة للاحتلال تزداد قناعة بصحة مواقفها وصواب مبادئها؛ فإن أهل الذين تلوثوا بالعملية السياسية ازدادوا طمعا بما وعدوا من مناصب وأموال، وكدأب إبليس في التلبيس قام الاحتلال بإيهام الكثير أنه راحل عما قريب وسد الفراغ يكون بالانتخاب، من هنا استطاع المتلوثون بالعملية السياسية أن يخدعوا الكثير بأن الخلاص مما حصل من المآسي في المشاركة بهذه العملية، فرفعوا (التغيير) شعارا و(الموازنة) هدفا و(الوطنية) ستارا ونحو ذلك من بهرج القول الذي يخدع عيون البسطاء، وسار من سار مطبلا ومروجا للمفصل الأخير من مفاصل (العملية السياسية) وتمت الانتخابات وفق ذات القانون الذي رسمه الاحتلال وفرضه.
وجاءت النتائج مخيبة للآمال، ورغم التفاوت في حجم خيبة الأمل هذه إلا أن الجميع يشتركون فيها وبدون استثناء، وبدأت صفحة أخرى من صفحات صراع المشاركين فيها وصراع من يقف وراءهم من الدول، ورغم أن المشاركين في هذه اللعبة يجمعهم الاعتراف بهذه اللعبة والاحتلال الذي فرض قوانينها إلا أن الخلاف بينهم أكبر، فقد بات واضحا أن مصالحهم أكبر من أي شيء – الدين والوطن والمذهب والقومية والحزب- بل أكبر حتى من ولائهم لأسيادهم، وشهرا بعد آخر والهوة تزداد بينهم؛ وكلما اتفقوا على تقريب بعضهم من بعض تظهر خلافات أخرى لم تكن محسوبة أو كان يعتقد أنها مؤجلة.
واليوم وقد باتت الطرق شبه مسدودة والجمع بين كتلتين منهم شبه مستحيلة بسبب تقديم مصالح أفراد منهم على مصالح الكتل - فضلا عن مصالح الوطن -؛ فأصبحنا نسمع – ضمن التهديد والوعيد – الدعوة إلى (تعطيل الدستور) أو (إعادة الانتخابات) أو (حكومة الإنقاذ الوطني)، وكذلك بدأ يتردد على أسمعانا (الإشراف الأممي) و(ضرورة التدخل الدولي) والمطالبة بحضور قوي (للجامعة العربية) ونحو هذا.
نحن على يقين أن كل ذلك يأتي في سياق التهديد والوعيد لإجبار أطراف على التنازل لأخرى؛ لأننا ندرك أن الحرص الأمريكي يأتي بالدرجة الأولى للحفاظ على وليدها (العملية السياسية) حتى ولو كان مشوها، فالاحتلال لا يهمه شكل الحكومة القادمة بقدر اهتمامه باستمرار ما أسماه (العملية السياسية في العراق)، ولذلك نجده دائما يعلن عن فرحه بمجرد حصول الانتخابات بغض النظر عن نتائجها وما يرافقها من تزوير وتدخل إقليمي.
من هنا فإننا لا نتوهم تغييرا جذريا قد حصل في تفكير الاحتلال، أو صحوة ضمير جعلته يتراجع عن جريمته، لكنه بالتأكيد يدلل على خلل منهجي عند السائرين في ركاب الاحتلال، الذين يعلنون اليوم ما كانوا يعيبونه على غيرهم؛ فنتساءل أمام هذا الطرح الجديد اليوم : لماذا انتفضتم من مطالب القوى العراقية واليوم تطالبون بمثلها ؟ أليس في هذا شهادة على أنها كانت مطالب منطقية ؟ بل ألا يعد هذا اعتراف لهم بالسبق في مطالبهم تلك ؟ فضلا عن الاعتراف أن مطالبتهم بإلغاء العملية السياسية مطلبا وطنيا واختياريا في حين أن مطالبتكم به اضطرار لتعثركم في تقاسم الغنيمة، وشتان بين الاختيار والاضطرار.
إلغاء العملية السياسية في العراق بين الاختيار والاضطرار... د.عبد الحميد الكاتب
