من يتأمل نصوص القرآن الكريم يجده يوجه التحية الى فرد كـ نوح: ( سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) وابراهيم: ( سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ويحيى: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) وعيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) مركزا على ايام الولادة والوفاة والبعث،
ويوجه التحية الى مثنى: ( سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) والى اسرة: ( سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) والى جماعة هم الأنبياء والمرسلون: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) والمراد ان كل فرد او مثنى او جمع منهم كانت له ايادي بيضاء، وتاريخا شخصيا، وبقي حيا في ضمائر الامم، وهي ما تسمى بـ حياة الذكر، ويراد بها ذكر من بعدهم لهم بخير، وحسن الثناء عليهم بعد وفياتهم، كما قال إبراهيم : { واجعل لي لسانَ صدْقٍ في الآخرين }[ الشعراء : 84 ] فهو يدعو ربه ان يخلد ذكره، وان تنوه الأجيال التالية بإسمه، وعلى هذه النصوص وغيرها يمكن ان تبنى الاحتفالات التأبينية، كما ان اذن الرسول الكريم للشعراء في عصره ان ينظموا الشعر في رثاء موتى المسلمين وقتلاهم يمنحنا الحق في رثاء من مات منا او قتل بشعر او نثر.
ومن هذا المنطلق فإنني ادعو الشخصيات العلمية والادبية والدعوية والتربوية والتعليمية، والمثقفين والمتعلمين، وفعاليات الشعب العراقي الى تأبين من مات او قتل من حركة الجهاد في العراق، والناشطين ضد الاحتلال، فَلَهِو أسرعُ في العدو من نَضْحِ النَّبْل.
كما ان تاريخنا الادبي مليئ بشعر ونثر تأبيني، فمن المعيب ان تكون هذه المرحلة حلقة منفصلة عما سبقها من حلقات، وآخرها حقبة الكفاح ضد الاستعمار الحديث، التي حفلت بشعر ونثر تأبيني في منتهى الفصاحة، وغاية البلاغة، كـ قصيدة الاخطل الصغير، بشارة الخوري في رثاء المناضل والثائر والزعيم المصري سعد زغلول، والتي يقول في مطلعها:
قالوا: دهت مصر دهياء، فقلت لهم: هل غيض النيل، أم زلزل الهرم ؟
قالوا: أشد وأدهى، قلت: ويحكم إذن لقد مات سعد وانطوى العلم !
لم لا تقولون: ان العرب قاطبة تيتموا، كان زغلول أبا لهم
لم لا تقولون: ان الغرب مضطرب لم لا تقولون: ان الشرق مضطرم
لطف المسيح مذاب في حناجره وعزم أحمد في جنبيه يحتدم
صلى عليه النصارى في كنائسهم والمسلمون سعوا للقبر واستلموا
وهي بحق قصيدة عصماء- بغض النظر عن معتقد قائلها- ونومئ الى ان رحم الامة ولود، يلد الابطال، كما يلد الفصحاء والبلغاء الذين يتغنون بالبطولات ويخلدونها، وتجود قرائحهم بملاحم ادبية جديدة، تضاف الى سجل الملاحم الادبية الخالدة لهذه الامة، امة الضاد.
التأصيل الشرعي للاحتفالات التأبينية: د. ثامر براك
