بعد القرارات الجائرة التي اتخذها بول بريمر الذي نصبته الادارة الامريكية حاكما مدنيا للعراق عقب الاحتلال الغاشم، والتي حل بموجبها عددا من الوزارات السابقة ومنها وزارة الإعلام والصحف اليومية والأسبوعية التابعة لها،
لم يبق أمام الصحفيين العراقيين سوى خيارين لا ثالث لهما، فاما العمل في « صحف المهجر » التي كانت تسمى صحف المعارضة او الصحف المحلية التي انقسمت بين تابعة للأحزاب المشاركة في العملية السياسية الحالية وأخرى مستقلة، اضافة الى الفضائيات التي انتشرت مؤخرا بشكل واسع في العراق .
وعلى الرغم من ما يسمى بالانفتاح الاعلامي الذي شهده العراق خلال السنوات السبع الماضية ، إلا أن ظاهرة استهداف وسائل الإعلام عموماً، والصحفيين خصوصاً، تسببت في هجرة المئات منهم خارج هذا البلد الجريح ولجوئهم الى دول أكثر أمناً، حيث اكدت المنظمات المعنية بحرية الصحافة حصول اكثر من 350 صحفياً عراقيا على اللجوء في دول اوروبا وأمريكا خلال السنوات الأربع الاخيرة.
ان المرحلة الحرجة التي مرت بها الصحافة في العراق خلال سني الاحتلال السافر لم تمنع آلاف الصحفيين العراقيين لاسيما الشباب منهم من الانتساب إلى الصحف الجديدة ، الا ان العديد منهم وخاصة من يعمل في الصحف الحزبية لم يلمسوا تغييراً جذرياً في سياسة هذه الصحف مقارنة بسياسة الصحف العراقية السابقة (الجمهورية والثورة والقادسية والعراق وبابل)، على عكس زملائهم الذين يعملون في الصحف المستقلة التي يشرف عليها أصحاب رؤوس الأموال والصحفيين المستقلين.
لقد دفعت الظروف الصعبة التي مر بها العراق نتيجة استمرار الاحتلال المقيت وتصاعد اعمال العنف وعمليات الاغتيال والاختطاف والاعتقال، العشرات من الصحفيين، الى مغادرة البلاد الى دول الجوار وإدارة أعمالهم من هناك عن طريق عدد من الصحفيين المتدربين، مقابل منحهم مبالغ محددة تصل الى نصف الراتب الذي يتقاضاه الصحفي غالباً.
وفي هذا الاطار نقلت الانباء عن الصحفية ( هدى ياسين ) التي كانت تعمل في إحدى الصحف العراقية السابقة وانتقلت إلى صحيفة دولية مستقلة، قولها " إن أسلوب العمل في صحيفتها الجديدة يختلف تماماً عن أسلوب عملها السابق" .. موضحة أنه بالرغم من انها اصبحت تملك حرية اكبر في التعبير عن رأيها، لكنها باتت تشعر بأنها مطاردة من قبل العديد من الجهات التي لا تروق لها سياسة الصحيفة التي تعمل فيها، فضلاً عن مخاوفها من التعرض للاغتيال.
واشارت هدى الى انها تقضي معظم وقتها بممارسة عملها الصحفي من داخل المنزل، وهي سمة عامة لغالبية الصحفيين العراقيين الذين يخشون التعرض للتصفية أو الذين تعرضوا إلى تهديدات بالقتل.
واكد الصحفي ( ياسين الياسري ) في تصريح مماثل ان الصحافة في العراق الان باتت بلا ضمانات، لان الجميع معرضون للقتل والتصفية والاختطاف، كما ان صاحب المؤسسة الصحفية يعتمد على مزاجيته في تحريك دفة العمل وفصل الصحفيين العاملين في جريدته متى شاء ودون أدنى شعور بالمسؤولية.
وقال الياسري « لقد كانت الصحف العراقية قبل الاحتلال الذي قادته الادارة الأمريكية ضد العراق عام 2003 تضمن للصحفي وظيفة مستقرة وراتباً تقاعدياً وامتيازات حسب طبيعة المجال الذي يتخصص فيه الصحفي وطبقاً لعمره ووضعه في الصحيفة ، أما صحف اليوم، فانها شبيهة بالأسواق، إذ يخضع الصحفي فيها لنظام العرض والطلب وبلا ضمانات حقيقية» .. مؤكداً ان غالبية الصحف الحزبية التي أغلقت أبوابها لم تقدم لكوادرها التعويضات القانونية المطلوبة بعد الاستغناء عن خدماتهم ، ما يكشف مدى الاستهانة بالصحفي العراقي لاسيما المخضرمين منهم.
كما عانى الصحفيون العراقيون طوال السنوات السبع الماضية من مشكلات عدة وعلى رأسها استهدافهم من قبل الميليشيات الطائفة المسلحة التابعة للاحزاب والكتل التي تشارك في العملية السياسية الحالية ، والتي راح ضحيتها المئات منهم بين قتيل وجريح ، حيث اكدت ( جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق ) في آخر احصائية لها مقتل ( 287 ) صحفياً في العراق منذ نيسان عام 2003، بينهم نقيب الصحفيين العراقيين السابق ( شهاب التميمي ) والعشرات من الصحفيين اللامعين في المجال الاعلامي .
واوضحت الجمعية في الإحصائية ان (50) صحفياً من بين العدد المذكور قتلوا نتيجة الاستهداف المباشر من قبل المليشيات المسلحة، كما قتلت قوات الاحتلال الامريكية وبدم بارد 23 صحفياً وصحفية ، فيما قتلت القوات الحكومية من الجيش والشرطة ثمانية صحفيين تحت ذرائع واهية وحجج زائفة .
ونتيجة لما تقدم فان المشكلات والمعوقات التي مازالت تواجه الصحفيين العراقيين،ـ بالرغم من تشدق المسؤولين في الحكومات المتعاقبة التي نشأت وترعرعرت في ظل الاحتلال البغيض وادعاءاتهم زورا وبهتانا ـ بحرصهم على توفير الحماية للعاملين في وسائل الاعلام، وفشلهم الذريع في وضع حلول للاوضاع الامنية المتدهورة والتي تسير من سيء الى اسوأ، اضطر العديد من الصحفيين وخاصة القدامى منهم الى تفضيل الانزواء في عالم الذكريات، مبتعداً عن الساحة خوفاً من عواقب الأمور الوخيمة .
وكالات + الهيئة نت
ح
نتيجة استمرار الاوضاع المتدهورة .. الصحفي العراقي أمام خيارين: الهجرة او التصفية
