إنعكس الفراغ الدستوري الذي أعقب إعلان نتائج الانتخابات العراقية في آذار الماضي على تدهور الوضع الأمني المتعثر أصلا ،
فعدا عن التفجيرات والعنف المزمن فقد تكررت هذه الأيام الاغتيالات والتصفيات لتطال النواب الجدد الفائزين ، كما إن البلاد تمر حاليا بأزمة سياسية حادة وعميقة جراء تمسك كل طرف بالتفسير الخاص به للمادة الدستورية (76 ) المتعلقة بآليات تشكيل الحكومة , الكتلة الفائزة التي حازت على أعلى مجموع من أصوات العراقيين تؤكد أحقيتها بتشكيل الحكومة ، في حين تحاول الكتلة التي جاءت بالمرتبة الثانية برئاسة رئيس الوزراء المنتهية ولايته التمسك بالسلطة بأي ثمن معتمدا أيضا على نفس النص الدستوري في إن الكتلة التي تشكل الحكومة هي ليست الفائزة بالانتخابات بل الكتلة الأكبر التي تتحالف وتدخل إلى البرلمان الجديد في أول جلسة ، ولعل هذا يفسر سر المماطلة والتسويف التي يمارسها حزب السلطة فتارة يطعن بنتائج الانتخابات ويطالب بإعادة الفرز الكامل الذي أستغرق أكثر من شهر ، ثم يثير ملفات اجتثاث البعث ضد عدد من النواب الفائزين ، وكل ذلك يجري بقصد كسب الوقت وقطع الطريق أمام كتلة " العراقية " الفائزة بالموقع الأول من خلال التحالف مع كتلة الائتلاف الوطني التي لا يرغب أحد أهم أركانها وهو التيار الصدري الفائز فيها بأكبر عدد من المقاعد في أن يتولي نوري المالكي ولاية ثانية متهمين إياه بالفشل وعدم الإيفاء بالوعود .
تمثل المادة (76) نموذجا لعدد كبير من الألغام التي وضعت ووزعت عن قصد في مفاصل وبنود الدستور العراقي الذي أشار احد مصمميه الأمريكيين على إن كل مادة فيه قد تم صياغتها لتقبل العديد من التفسيرات وذلك كي تخدم في نهاية المطاف مصالح الاحتلال وتسوغ بقاءه والحاجة له وكذلك تضمن المصالح الضيقة للأحزاب التي تحالفت مع الاحتلال .
تنص هذه المادة كما وردت في الدستور ( أولا – يكلف رئيس الجمهورية ، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا ، بتشكيل مجلس الوزراء ، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية) ، ومن يعيد قراءة النص كما هو شأن بقية جميع النصوص في الدستور يلاحظ مدى الضبابية التي يمكن من خلالها وضع عدة تفسيرات ، فالمعركة الانتخابية والتنافس بين الكتل وذهاب ملايين العراقيين تصبح في النهاية لا قيمة لها وتخضع لمبدأ المساومة والصفقات ، وإلا فما قيمة الفوز في الانتخابات إذا كان بالإمكان تحالف مجموعة من القوائم الخاسرة في سباق الانتخابات لتسارع بإعلان الكتلة الأكبر وتطالب بأحقيتها بتشكيل الحكومة .
إن الفراغ الدستوري والسياسي والأمني نتيجة الصراع الحاد على السلطة والثروة في العراق جاء ليؤكد على حجم المأزق الذي وصلت إليه العملية السياسية وغنها تلفظ أنفاسها الأخيرة والتي يحاول الاحتلال إنعاشها ليس حبا بالشعب العراقي وإنما خدمة لمصالحه .
الدستور العراقي وأزمة تشكيل الحكومة...د. خالد المعيني
