نسمع بين الحين والآخر تنظيرا وفلسفة تطالب المقاومة العراقية بأمور وتحملها ما لا تحتمل وتصفها بأوصاف من منظار ضيق ومدفوعة بدوافع حزبية - فيما يبدو-، والمنصفون - يؤيدهم أهل الميدان - يدركون أن الكثير من هذا التنظير يكاد يكون ألغاما في طريق المقاومة تحاول صدها عن وجهتها وعرقلة مسيرتها،
والحذار أن تهمل فيقال عنها (أشواك لا تعيق مسيرة الأسود)؛ بل لا بد من مناقشتها وبيان خطرها وبكل صراحة، فمعظم النار من مستصغر الشرر.
لغم الاستئثار: ليست المقاومة العراقية وحدها التي يحاول المتصيدون أن يستأثروا بنصرها ويجيرونه لجهة دون أخرى، فجميع الشعوب الحرة التي قاومت ما تعرضت له من احتلال تجد من بينها فئة تحاول أن تدعي لنفسها الوصاية على تلك المقاومة وتنسب لنفسها نتائج النصر الذي تحققه حركات التحرر الشعبية تلك.
ونجد أن صوت هذه الدعاوى يتزامن ارتفاع وتيرتها مع تصاعد الخط البياني لما تحققه فصائل المقاومة من انتصار ميداني، فجميعنا يستذكر أن السنين الأولى لانطلاقة المقاومة كيف كانت الساحة السياسية والإعلامية الداعمة للمقاومة - أو المدعية ذلك - خالية من دعوى الوصاية عليها، بل نستذكر جميعا - والزمن ليس ببعيد - خشية العديد من الجهات أن ترفع صوتها لتقول كلمة (مقاومة) إلا ثلة قليلة لا تزال على خط واحد من دعمها للمقاومة دون مبالغة في ادعاء ولا تذبذب في الدفاع عن فصائلها أو مفاضلة بينهم على أسس حزبية ونحوها.
لكن بعد ما حققته المقاومة العراقية من انتصارات واعتراف الاحتلال الأمريكي بذلك وتحديدا بعد انتصارها في معركة الفلوجة الأولى ثم نتائج المعركة الثانية فيها؛ بدأنا نسمع هذه الأقاويل، ورأينا كيف نسب بعضهم أنفسهم للمقاومة ثم تدرجوا بعد ذلك ليعلنوا أنهم الأعلى والأكثر فاعلية في ميادين المواجهة لينتقلوا أخيرا إلى القول انهم وحدهم في الميدان وأنهم ليسوا بحاجة للآخرين، فالنصر قادم على أيديهم فقط فمن شاء أن يلتحق بركبهم ويعلن الولاء لهم فسينعمون عليه ببعض المكاسب وإلا فمصيرهم إلى الزوال إذا أصروا على البغي وعدم الخضوع لهؤلاء الأدعياء.
ولأن زمن انطلاقة المقاومة العراقية ليس بالبعيد فمن الغريب أن نجد هذه الادعاءات تستند إلى الأوهام والتمنيات؛ أو تلجا إلى التركيب الخاطئ لبعض المقدمات ثم استنتاج ما تهوى النفوس بعيدا عن النتائج المنطقية القائمة على اعتماد مقدمات صحيحة. إن قرب زمان انطلاق المقاومة العراقية يجعل الجميع على دراية بحقائق الأمور ويجبرهم ليس على تفنيد كلام من يطلق هذه الأوهام فحسب؛ بل وضع علامات الاستفهام الكبيرة على طبيعة عمل وحراك الأحزاب والجماعات التي يتحدث باسمها هذا أو ذاك.
ولمن يسأل: هل غاب عن هؤلاء أنهم يعاندون الحقيقة؟ وهل ينسون أن مآل منهجهم هذا هو صناعة أعداء لهم بلا مبرر معقول؟ نقول: سياسة بعض هؤلاء هي في ما يبدو- (ادعي ثم ادعي حتى يصدقك الناس) عليها ساروا في عملهم السياسي منذ سنين، وبهذه السياسة حققوا بعض المكاسب الدنيوية، أما الحديث عن الأخلاق والخشية من العقاب الأخروي فهي لغة لا يفقهها هؤلاء.
وعلى فصائل المقاومة وهي تتجاهل هؤلاء - وهي تفعل ذلك بالتأكيد - أن لا يثنيها ما يقولون عما تريد هي ولا تتوقف للرد عليهم؛ ليس وفاء لدماء الشهداء وحفاظا على ما قدموه من تضحيات فحسب، بل احتياطا من الكيد والطعن بالظهر، فالتاريخ يخبرنا أن من يسلك هذه الطريق المعوجة مستعد لبيع كل شيء مقابل ثمن زهيد، ولا يؤمن موقفها النهائي ولا يستبعد أن يضعوا يدهم بيد العدو بعد أن تتم المساومة بينهم فيقع الاتفاق، ورسائل الغزل من بعضهم للاحتلال ليست بخافية، واستجداء التوسط بالاحتلال لم يعد سرا يكتم أو ينكر.. فكيف بنا إذا كنا نعلم ما لا يعلمه الآخرون!
المقاومة العراقية وألغام التنظير...د.عبد الحميد الكاتب
