هيئة علماء المسلمين في العراق

من هيو الى قندهار مرورا بالفلوجة... جمال محمد تقي
من هيو الى قندهار مرورا بالفلوجة... جمال محمد تقي من هيو الى قندهار مرورا بالفلوجة... جمال محمد تقي

من هيو الى قندهار مرورا بالفلوجة... جمال محمد تقي

عام 1968 قامت قوات المارنيز بمحاصرة واقتحام مدينة \"هيو \" الفيتنامية الجنوبية التي حررها ثوار الفيتكونغ ، ووقتها حشدت قيادة المارنيز خيرة فرقها القتالية باضخم هجوم عسكري عرفته حرب المدن. وقامت بتصعيد عمليات القصف والاستطلاع الجوي قبل اقتحام المدينة ، واخذت تتزايد وتيرة قصفها المدفعي والجوي الذي ضرب وعلى مدار الساعة دفاعات الثوار وتحصيناتهم البدائية ، ولم يكتفي الامريكان بذلك وانما تعمدوا الافراط باستخدام الاسلحة المحرمة دوليا ، كالنابالم والقنابل العنقودية ، لغرض تعجيز الثوار ، وجعلهم يرتدعون عن اي محاولة جديدة لتحرير المدن من قبضة المارنيز وقوات حكومة سايغون العميلة ، وكانهم يريدون بمسح المدن المحررة من وجه الارض اثباتا لقدرتهم على مسح الذاكرة القائلة بان النتيجة ستكون في النهاية تكرار مأساوي لحقيقة ان ارادة الشعوب عندما تتفجر فانها لن تهزم او تكسر مهما كانت القوى الغاشمة عاتية القدرة ، وهذا مالم يثبتوه بالرغم من كل الدمار الذي مازالت تعاني منه مدن وارياف واجيال الشعب الفيتنامي المقاوم ، ان الصمود البطولي للثوار الفيتناميين وهم يستبسلون في دفاعهم عن المدينة المحررة قد الحق اكبر الاذى بمعنويات قوات المارنيز وكشف للعالم اجمع مدى بشاعة الالة الحربية الغاشمة ازاء ارادة المقاتلين الفولاذية المسبوكة بعدالة قضيتهم ، فعلى الرغم من فقدان عامل التكافوء في العدة والعدد بين الطرفين ، لان اغلب اسلحة الثوار تقليدية وخفيفة ، واما اسلحة المارنيز فهي اسلحة نوعية وحديثة ، الى جانب كثافة اعداد القوات المقتحمة المعززة بالدبابات والمدرعات ، هذه العملية التي كانت نتيجتها نجاح قوات المارنيز في اقتحام المدينة المحررة قد سجلت البداية القوية للانكسار الامريكي في كل الجولات اللاحقة من الحرب الفيتنامية ، التي انتهت بانتصار الفيتكونغ واندحار القوات الامريكية المحتلة وهروب المتعاونين معها من الفيتناميين ، هروب الفئران المذعورة ، وما زال العالم يتذكر كيف اضطر كيسنجر للتوقيع على اتفاقية للسلام مع فيتنام المحررة بنفس الوقت الذي كانت فيه قوات الفيتكونغ تتقدم باتجاه سايغون.
منذ تلك المعركة لم تدخل قوات المارنيز بحرب مدن بهذه السعة حتى حصول معارك الفلوجة التي استطالت مساجلاتها حتى اخذت شكل جولتين كبيرتين استغرق زمنها اكثر من عام وبضعة اشهر ـ من 28 ابريل نيسان2003 وحتى 13 نوفمبر تشرين الثاني2004 ـ وكما حصل في "هيو" حيث استطاعت قوات المارنيز في النتيجة دخول المدينة وملاحقة المقاومين بين بيوتاتها ، لكنها هزمت من الناحية الاستراتيجية وعلى يد كتائب من المقاومين المحترفين من ذوي العقيدة القتالية التي لا يهزمها الموت ، وجلها كان من عناصر الجيش العراقي الوطني الذي حله المحتل الامريكي بعد احتلاله لبغداد ، ومن المتطوعين من اهالي الفلوجة ، هذه المدينة المعروفة باصالتها وبسالتها ، كانت اعدادهم بالمئات ولكن كان مددهم لا ينقطع فنصف مليون روح هم سكان المدينة الذين اختاروا ان يكونوا ظهرا للمقاومين ، يحتضنوهم ويساعدونهم ويدعون لهم ، وهنا ليس حماسة مني عندما اقول ان ملايين العراقيين كانوا معهم يتظاهرون لنجدتهم ويرسلون الدعم لهم ، فالفلوجة لم تقاتل الا للعراق كله ، وهكذا فعلت النجف ، وقبلهما فعلتها ام قصر ـ التي اختزلت بصمودها البطولي الارادة العراقية الوطنية كلها.
معارك الفلوجة جعلت الامريكان يفكرون ولاول مرة ميدانيا بالورطة الحقيقية في قرار احتلالهم للعراق ، جعلتهم يعيدون النظر بما كانوا قادمين من اجله ، ومنذ ذلك الحين وهم يعملون على تسريع انسحابهم بترتيبات حذرة تقلل من حجم الخسائر المتوقعة جراء اي تماهل في تنفيذه ، وحتى لا تكون الخسارة تاريخية بالمعنى الاستراتيجي فهم يعملون الان من اجل ارضاء الجميع بما فيهم من قاتلوهم وقتلوا منهم ، وذلك للحفاظ على ماء الوجه لا غير ، ولضمان بعض التوازن الذي لا يفقدهم كامل النفوذ السياسي والدبلوماسي والاقتصادي في عراق ما بعد الانسحاب ، خاصة وان النفوذ الايراني وتزايده في العراق يجعلهم عرضة للمزيد من الانكسارات ، رغم ان امكانية اللعب على الورقة الايرانية لكسب ود العراقيين اخذ يتسلل في الخطاب الامريكي الموجه للداخل العراقي ، لكن الحس الوطني العراقي متنبه لمكر الفريقين الطامعين وهو يرفض استبدال احدهم بالاخر ، انه خيار لا حياد عنه ، ليخرج المحتلون الامريكان وشعب العراق قادر على حماية نفسه من تطاولات الطامعين به .
اثناء زيارة حامد كرزاي الاخيرة لواشنطن ، اجابت هيلاري كلنتون على سؤال لاحد الصحفيين حول طبيعة الهجوم القادم على مدينة قندهار قائلة : سوف نعمل من اجل ان لاتكون هناك فلوجة ثانية في قندهار ، وهي تعني بذلك معنيين الاول ان المارنيز قد اخذ درسا من معارك مدينة الفلوجة ، اي لا اقتحامات باعداد واليات كبيرة قد تتعرض لخسائر جسيمة كما حصل في الفلوجة التي ادت الى حصول 2220 اصابة ـ بين قتيل وجريح ـ في صفوف القوات الامريكية المهاجمة اضافة لخسارة العشرات من الدبابات والاليات ، وسقوط عدد من الطائرات السمتية لتحليقها القريب من مواقع المواجهات ، وانما عملية انهاك واستنزاف لمقاتلي طالبان داخل المدينة وخارجها ، مع قصف محدد ومحدود وذكي للمواقع المعادية بعد استطلاعها جيدا ، والثاني تلميحها الى ان المارنيز سوف لن يستخدم الاسلحة المحرمة التي استخدمت في معارك الفلوجة ، كالفسفور الابيض وقنابل م.ك 77 ومشتقات قنابل النابالم ، التي تسبب اثارا على الاجسام يصعب محوها ، وتشوهات خلقية للاجنة وخاصة للذين يستنشقون الهواء الملوث بغازات هذه القنابل ، اضافة لعدم استخدام القوة المبالغ بها كي لا يسقط ضحايا ابرياء كما حصل في الفلوجة ، حيث كانت النتيجة مخزية للعسكرية الامريكية اكثر من 20 الف اصابة بين المدنيين بين قتيل وجريح .
المارنيز وقوات حلف الناتو يعدون العدة لهجوم مدينة قندهار المرتقب ، وطالبان تثبت مرة بعد الاخرى وبالميدان ، بان لا حل عسكري للصراع ، وذلك لاستحالة اجتثاثها او اضعافها كما يخططون ، حتى لو استخدم الامريكان القنابل النووية ، لانهم ان اخرجوا طالبان من هنا ستعود لتدخل من هناك ، الحل الوحيد المؤهل للنجاح هو التفاوض مع طالبان على انسحاب القوات الاجنبية من افغانستان ، ودخول الامم المتحدة كوسيط لوضع ترتيبات تنظم هذه العملية وترك افغانستان لاهلها يقررون مصيرها مستفيدين من اخطاء الماضي ، والا فان الهزيمة الامريكية ستكون فضيحة وبجلاجل ، لان طالبان تمارس حقا شرعيا بالمقاومة كما مارسته هيو والفلوجة ، وهذا النوع من المقاومة الشرعية يمنح اصحابها قوى خارقة لا يفمها رعاة البقر.
اليوم تنظر الفلوجة لبشاعة ما فعله الامريكان باهلها وبمواليدها المشوهين وهي تزداد ايمانا بانها لم تكن مخطئة عندما حزمت امرها على كسر شوكت القبح البربري للغزاة الامريكان ، الذين كانوا يريدون السمع والطاعة من الواقعين تحت تهديدهم ، وهي اليوم ترفع صوتها لفضح نتائج جرائمهم كما فضحت في مقاومتها هشاشة قوتهم .
الفلوجة ، عنوان الهزيمة الامريكية في العراق ، دخلوها دخول المنتصرين وخرجوا منها خروج المنهزمين ، هنا اهين جيش الامبراطورية المكين ، هنا مر المارنيز مرورا ليس كأي مرور ، هنا قصفوا ، هنا حاصروا ، هنا اقتحموا ، هنا كسرت ارادتهم ، هنا علقت اشلاء مستطلعيهم ، هنا توسلوا سحب جثث قتلاهم ، هنا انسحبوا ، هنا عادوا الكرة مرة بعد مرة ، هنا حاربوا حرب الجبناء ، هنا قتلوا انتقاما لهزيمتهم النساء ، هنا خربوا المساجد ، هنا قطعوا الكهرباء والماء ، هنا دمروا المستشفيات ، هنا قتلوا الجرحى ، هنا عقدوا صلحا واستجابوا لشروط المقاومين ، هنا استمرت الفلوجة في مقاومتها ، هنا قصفوا المدينة باسلحة الدمار الشامل ، هنا هدموا بقصفهم الجوي نصف احياء المدينة ، هنا استبدل الامريكان بشرطة محليين.

أضف تعليق