برغم مفصلية الحرب الكبرى على العراق ونحن ندخل عامها السابع ومنذ مقدماتها الأولى في مطلع التسعينيات والسجل الضخم لحجم المشاركة العربية والإقليمية لعهد الإرهاب الدولي الذي قاده مشروع النظام العالمي الجديد لواشنطن وصولا إلى إسقاط العراق كقاعدة تاريخية وجودية للمشرق العربي حين كان ارتكازه (مدماك) أمان استراتيجي للمنطقة العربية،
إلا أن ضبط حركة تاريخ الاحتلال وتداعيات مشهده وتقاطعاته مع قطب الشركة الآخر في طهران لم يتجسد في عمق الحراك الفكري العربي كقوى ثقافية أو نضالية بعمقها الإسلامي والقومي فضلا عن هزالة الموقف الرسمي العربي ما بعد الاحتلال.
فمع إدراك هذا النظام لحجم ما استيقظ عليه توهمه من حقائق، وإيمانه بأن فقدان العراق من شاهد المسبحة الإقليمي العربي كان مزلزلا لخرائط ديموغرافية وسياسية وتعدد مضطرب لا يؤمن بنسيج موحد ولكن باستقلال انعزالي داخل العمق الكياني للدولة وتأثيرات هذه الجوانب المهمة في الحياة السياسية العربية للمشرق، إلا أن هذا النظام استمر في التردد بين مسارين، الأول هلع من تقدم الشريك الثاني للاحتلال والهتاف ضده إعلاميا، والثاني في الاتجاه المعاكس لنفس النظام العربي الرسمي وهو الخضوع للتعامل مع عملية الاحتلال السياسية بأدوارها المختلفة منذ مشروع بريمر حتى حكومة المالكي باعتبار أنها ظل لواشنطن في النهاية، وأن إغضابها إغضاب للراعي الاحتلالي الأصلي، أي بمعنى آخر أنّ صراخهم من المارد الإيراني الزاحف على حدودهم وداخل كيانهم الديموغرافي ليس سوى هذر إعلامي لم يتعامل مع القوى الفعلية التي أعاقت بالفعل تقدم هذا المشروع بل وصنعت تعثره في ثلاثة مشاريع رئيسية تنقلت منها واشنطن بكل كبَد وعسر ومع دعم إيراني داخل العملية وخارجها لتثبيت حالة من استقرار العراق الجديد، المبارك من الأجنبي بعد نزع هويته ومصادرة قدرات استقلال هذه الدولة القومية المركزية للتاريخ.
هذا من طرف حلفاء المشروع الأميركي، أما الطرف الآخر الحليف العربي لطهران فقد تحول قلقه إلى قبول ودعم لنتائج المسار الاحتلالي للعراق لبعدين رئيسيين، الأول أنّ قواعد اللعبة مع واشنطن تغيّرت من المواجهة إلى الصفقة، وبالتالي هناك حالة طمأنينة لسلامة النظام السياسي الحاكم، أمّا البعد الثاني فهو أن المركزية المتصدرة لإدارة المشهد العراقي الجديد هي إيران الحليف الوجودي بالنسبة لعرب الطرف الإقليمي، وعليه فإن امتداد هذا النفوذ وإطلاقه لمصلحة الحليف سوف يعزز القسمة لمصلحته من الحالة العراقية.
المثقف العربي الشريك
ولو تأملنا بعمق في تداعيات التعاطي العربي الثقافي للجهات والشخصيات الشعبية لوجدنا أن شريحة كبيرة منهم تورطت خطأً أو قصدا في هذا السياق وتم ربط حراكهم بواسطة هذين الخطين، صراخ حلفاء واشنطن أو تأطيرات حلفاء إيران واستيعابهم المتدرج لهذه الحالة العربية المنددة بالاحتلال، ولكن من خلال المسار المُعدّ والمُرتب لهذا المحور أو ذاك، ولستُ هنا أعني أن لا يستثمر المثقف العربي المناهض للمشروع الأجنبي تقاطعاته مع الهامش الإعلامي والسياسي لأجل قضية تحرير العراق ووحدته وهويته، لكنني أقصد فشل هذا التضامن المعبر عنه موسميا وخفوته كثيرا مع متطلبات إسناد مشروع المقاومة العراقي، وإنما يُستدعى المشهد العراقي لحاجة أطراف هذا المحور أو ذاك كترميز محدود سرعان ما يختفي لصالح المشروع الإقليمي أو الدولي، فيخضع المثقفون العرب لهذه المعيارية التي انتهت إلى حالة مزرية من تدني التضامن مع العراق في بعده المقاوم المنظم لمصلحة قطبي اللعبة الرئيسيين.
سقوط مؤسسات وشخصيات في الفخ
ولذا أعتقد أن الموقف الأميركي الاحتلالي ذاته قد استفاد من إدارة طهران لبعض الفعاليات المقربة منها، كما جرى ذلك مع المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي وسحب تأييد مشروع المقاومة العراقية كمشروع مركزي للأمة ورديف رئيسي للمقاومة الفلسطينية من الواجهة بناءً على تقدير هذا الطرف العربي ذي الحالة الاندماجية مع إيران، وبالتالي ينعكس هذا البعد على أدائه وليس على الموقف المبدئي من قضايا الأمة، وفي مقدمتها بُعد فلسطين المقاومة العراقية، وهذا التورط كما أسلفنا ليس مقصودا للعديد من الشخصيات ولكنه إطباق إعلامي، ورعاية ضمنتها لهم المؤسسة الإيرانية كما انعكس ذلك في عقد الدورة الأخيرة من المؤتمر القومي الإسلامي في الضاحية الجنوبية من بيروت، وسلخ البرنامج إلى هذا العمق الذي زحزح الانتماء لبيروت كارتداد عربي طليعي ووجهه إلى البعد الإقليمي المحيط بل المهيمن على الضاحية وقد كان بالإمكان دعم منهجية ومشروعية المقاومة في لبنان بعيدا عن التزكية المطلقة لمشروعها الطائفي وتأثيراته الانفصالية على المجتمع العربي.
الطرف الإسلامي
ونحن نؤكد عند حديثنا عن كلا التيارين أننا لسنا ننكر مواقف عديدة وشخصيات مبادرة وشجاعة احتضنت المشروع العراقي المقاوم وبعده الوطني والعربي والإسلامي الوحدوي، سوى أننا نرصد حقائق لابد من تجليتها للمشهد العربي لتصحيح وتدعيم موقف التضامن مع العراق المقاوم.
ففي الساحة الإسلامية حوّل المحور الآخر القضية العراقية إلى مواسم إعلام أمني للتسعير الطائفي لقضايا داخلية تبعا لقلقه واضطرابه دون السماح بالولوج في القضية المركزية لدعم المشروع المقاوم وتسميته تحديدا مع التوضيح الجلي الممكن شرحه للخلط بين عمليات العنف الوحشي المُتورطة فيها جهات عدة غامضة ومفضوحة وفرزها عن المهمة التاريخية النضالية العظمى التي تنفذها المقاومة العراقية بفصائلها الإسلامية في الغالب وبعض المشاركة القومية، خاصة بأن بعض الرموز الدينية في المجتمع إنما يدفع بها لتفجير الخطاب الطائفي لمبادلة المقابل الطائفي الإيراني ويُشعل دون ضابط ثم ينطفئ أو يُطفأ فجأة دون
توجيه هذا الجهد الإعلامي إلا نادرا لدعم المشروع المركزي للمقاومة ووحدة العراق، إذ إن الخطاب الطائفي يطغى على فكرة دعم مشروع المقاومة كواجب أممي لازم إسلاميا وعروبيا وإنسانيا.
التصحيح الفوري الواجب
ولذا فعلى التيار الإسلامي والعروبي وكل التوجهات الأصيلة أن تُعيد وتشحذ خطابها التضامني مع المشروع العراقي المقاوم والتغطية الإعلامية للمنجزات الضخمة والتضحيات التاريخية لهذا الشعب العظيم والقضية الصانعة لسجل ضخم من الأدبيات ومواقف العزة والكرامة العربية الإسلامية ومبدئيتها الإنسانية المتقدمة، وهي برامج تحتاج إلى مشاركات من أوساط إعلامية وفكرية وسياسية تختلف مساراتها ويتحد هدفها، لكي يعالج هذا الجانب المؤلم من تقصير البعد العربي الشعبي الذي يعوّل عليه لرفع المعنويات وشحذ الهمم وليس التساؤل وندب الحظ على العراق ومستقبله.
المسؤولية الكبرى على المقاومة
منذ فترة قصيرة بدأت فصائل المقاومة الإسلامية العراقية الدخول إلى دائرة أوسع للتعبير السياسي المباشر عن المشروع وهوية المقاومة وبرنامجها وهي خطوة مهمة، غير أنها ليست كافية مع دوران سرعة الزمن وآثار الصفقة الأميركية الإيرانية على المشهد، ولذا فإن من الواجب أن تبادر هذه الفصائل قبل فوات الزمن وتَعقُّد المشهد إلى إعلان برنامج سياسي موحد يسبق المعارك المركزية الكبرى على قوات الاحتلال ومنطقته المركزية، ومن الضرورة بمكان أن تفطن المقاومة إلى أنّ التنازل للمشترك الإسلامي المؤصّل شرعا ووطنية واجب في هذه المرحلة لم يعد لتأخيره مندوحة، وأن تؤمن كل الفصائل بأن الاتفاق الكامل بينهم ليس مطلبا مقبولا فالاختلاف في التقدير والموقف من تفاصيل المشهد السياسي العراقي أمرٌ معتاد في الحالات المشابهة لكن الأصل يكون في تفويض مرجعية لهذا المشروع تتفق على الأصول الشرعية وتقدّر الحساسيات وحجم الخلل والصراع الذي سببه شركاء الاحتلال ويبادرون لطريقة معالجته.
المقاومة وخطورة المرحلة
إن من المهم أن تُدرك المقاومة العراقية تجارب حركات إسلامية أخرى انتهى بها التفرق إلى فقدان كامل لبوصلة التحرير والمشروع الوطني، ولو كان العذر لدى بعضهم خطاب متشدد لا يُلزمه الشارع وفقا لوضع المعركة وتقديراتها السياسية وإنما أصر عليه، وهذا لا يبرر الانخراط في مشاريع متقاطعة مع الاحتلال لتمييع القضية، إنما يوسع دائرة القبول الداخلي للأطراف الإسلامية والوطنية مع ضمانات حماية الموقف الشرعي والقرار الوطني.
هيئة علماء المسلمين الخيار الفاصل
ومع تعقد الحالة العراقية إثر الاختراقات المتعددة لجهات ومجاميع من خارجه وداخله وقوة هيمنة العنصر الإقليمي وتقاطعاته مع الاحتلال، وبالذات في ملف المحاصصة الطائفية ومن خلال استعراض موضوعي وتحليل منطقي فإن هيئة علماء المسلمين بقيادة الشيخ حارث الضاري هي القوى الإسلامية الوطنية ذات الوعي الشرعي والمعرفي الدقيق بضرورات المرحلة، ومن صالح القضية المركزية للعراق أن تكون الهيئة رحى المشروع الوطني الذي تعتمده المقاومة وتُدعم من قبل فصائلها، وعندئذٍ وحين تتوحد الجبهة الداخلية ويرى العمق العربي والدولي المضطرب قوى صعود قادرة على الإرادة السياسية كما هي منتصرة على الميدان العسكري فهي عندئذ بداية حصاد النصر وعهد الوفاء للشهداء وعراق الأمة العظيم فلا تُفوتوا الفرصة يا أبطال العراق وقد قربت مرحلة الحسم فلا بد إذا من العزم.
العرب القطرية
العراق والاحتلال.. مسؤولية العرب وقرار المقاومة ..مهنا الحبيل
