قد يظن بعض البسطاء والسطحيين أن ما يجري على الساحة العراقية مما يسمى جزافا حراكا سياسيا يجب التعامل معه على انه تعامل مع واقع الحال وان الحل الأسلم لهم أن يسكتوا ليتجنبوا دوامة العنف المصاحبة لفرض هذا الواقع المؤلم.
وقد يروج من يسيل لعابه لهذا المشروع ويتحرك تحت عناوين فضفاضة واسعة لا تنطبق عليها الحقيقة فتراه يقول بالواجب مرة او يتكلم بتفلسف مقيت عن التوازن بغض النظر عن محددات الدخول بالعملية السياسية أو ترى آخر يسفه الأمر بتصويره كلعبة أطفال يريدون بناء بيت او رسم خارطة من دون الولوج الى التدخلات الإقليمية ومحو الفرض الأمريكي الاحتلالي عليهم جميعا.
ولكن... ليست المشكلة بحد ذاتها تكمن في هؤلاء فقط بل ان المشكلة الأساس في السكوت عن قول الحق ومناصرة أهله فهذا الموقف السلبي الداعي إلى المزيد من كوارث هؤلاء سيجعل من سكت عن حقه في واجهة المدفع .
إن الاحتلال الأمريكي ومن جاء معه أو تعاون معه في الداخل العراقي يرفع شعارا لا يستثني أحدا من العراقيين الأصلاء سواء ممن تصدوا له أو ناهضوه أو حتى الذين سكتوا عن جرائمه خوفا أو رأوا في ذلك مسلكا ليتقوا شره بل إن الحوادث والجرائم التي ارتكبها المحتل وأعوانه كانت موجهة للساكتين أكثر من أي طرف آخر لما يمثلوه من منطقة رخوة لا تستطيع الدفاع عن نفسها ولن تكون هناك مبالغة في الحديث إذا قلنا أنهم غالبا ما يستخدمون استهداف الساكتين للضغط والتفاوض وتمرير الأجندات والمعاهدات والاتفاقيات المكبلة للعراق وأهله لعقود من الزمن.
فهل نسي العراقيون جرائم المحتل في أبي غريب أم هل نسوا ما فعل جنوده في الفلوجة وقتلهم الرجل الكبير الأعزل وهو محتم في المسجد وهل يمكن للذاكرة أن تنسى ما تعرضت له عبير الجنابي وعائلتها في المحمودية وهل نسي ذوو الضحايا في بغداد الجديدة حين فجر المحتل على مجموعة أطفال سيارة مفخخة ام إن ما تعرض له الزائرون في حادثة جسر الأئمة في الأعظمية يمكن أن يطويها النسيان ماذا فعل المجرمون في ملجأ الجادرية وكيف أعادوه في السجون السرية القائمة تطول ولكن الجواب واحد وهو لا يمكن نسيان ذلك مهما تقادم الزمن.
إن السكوت عن الجريمة ليس مناجاة من استهداف الاحتلال وأعوانه وان الشعوب الحية لا تسكت على ضيم ولا ظلم بل إنها تواجه ذلك بقوة واصرار وهي وحدها مفتاح التغيير لحياتها فإذا كان هناك من تكفل بالفعل الميداني المجبر للاحتلال على سلوك طرق ملتوية للبقاء بركوب موجة الجدولة والتفافا على تكاليف الحرب التي أرهقته جنودا واليات ، وإذا كان هناك من نذر نفسه ليواجه المشروع الاحتلالي سياسيا واخذ على عاتقه كشف عوار المحتل وفضح مخططاته ، وإذا تكفل بمساندة الاتجاهين السابقين إعلام منطلق من ثوابت الشعب وطموحاته ، صار لابد أن يقف الشعب الموقف المطلوب منه في مواجهة المخططات التي تريد النيل من وحدته وأمنه واستقراره بل ونهب ثرواته.
لقد خاضت شعوب الأرض معارك التغيير بأسلوبها المدني وصار لديها ثقافة عامة وفهم جمعي ورفض فطري لكل مشاريع القوى التي استهدفتها بل إن الفكرة التي تجمعت عليها هذه الشعوب من البساطة والسلاسة أن يتحدث بها المثقف والعامي ويفهمها الرجل الكبير ويحملها الطفل الصغير ويتجمهر لها النسوة ويخرج من اجلها الطلاب والعراق هذا الاسم الكبير العصي على كل قوى الاستعمار اقدر على مواجهة أي مشروع احتلالي او إقليمي بمشروع وطني جامع يجمع أطيافه كلها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب فالمبدأ واحد هو رفض الاحتلال ومشاريعه مهما تقادمت ومهما دفع من اجل ديمومتها فديمومة مشروع المحتل مرتبطة باستباحة الدم العراقي واسترخاصه.
بقي أن نقول إن الموقف الشعبي لا يراد منه أن يحمل سلاحا ولا أن يقذف بنفسه نحو معركة خاسرة غير مكتملة الأركان والأسباب بل أن يتعامل مع الحدث على انه تهديد له يستهدفه في الوقت الحاضر ويستهدف الأجيال القادمة من أبنائه.
السكوت المفضي للكارثة... كلمة البصائر
