يبدو ان ائتلاف دولة القانون ورئيسه (نوري المالكي) كان مطمئناً كل الاطمئنان الى ان نتيجة اية انتخابات ستكون لصالحه
وان هذا الاطمئنان لم يأت من فراغ وانما كان منطلقاً من قوة السلطة التي يمتلكها والتي يسخر كل امكاناتها وقدراتها المالية والعسكرية والاعلامية وكل مؤسسات الدولة لخدمة مشروعه في الاستحواذ على السلطة لولاية ثانية ومن هذا المنطلق اعلن جملته الشهيرة (هو اكو احد يكدر ياخذها حتى ننطيها) في وقتها لم تثر هذه الجملة الاهتمام المطلوب ولم تنتبه لها الكتل السياسية الاخرى بالشكل الكافي، وربما عدها البعض جملة عابرة ضمن هوس الحملة الانتخابية الا ان الحقيقة اثبتت ان المالكي كان يعني ما يقول وانه انما اطلق هذه العبارة ليحذر من تسوّل له نفسه من زعماء الكتل السياسية مجرد التفكير في البحث عن السلطة ومجرد التفكير في السعي للوصول الى منصب رئاسة الوزراء. كان المالكي مطمئناً الى درجة الغرور ان ما يمتلكه من مقومات السلطة والقوة العسكرية هي ضمانة كافية لوضع نتائج الانتخابات كما يريد، وبالفعل فقد عمل ازلام المالكي ما في وسعهم من تزوير وتحوير وتلاعب في النتائج خاصة في دوائر الوسط والجنوب، غير انهم لم يحسبوا بشكل جدي ما يمكن ان تتمخض عنه نتائج بغداد وما جاورها من محافظات الشرق والغرب صعوداً الى محافظة نينوى في الشمال ذات الكثافة السكانية العالية والتي تعادل اكثر من تعداد ثلاث من محافظات الجنوب، ورغم ان المالكي ابتدأ حملته الانتخابية متخوفاً من القائمة العراقية بزعامة (اياد علاوي) وقد عبر عن هذا التخوف من خلال اثارته قضية الاجتثاث الكبرى للمرشحين الذين كان معظمهم من القائمة العراقية، وكان (علي اللامي) خير من يدير هذه العملية، لكن هذه اللعبة لم تجد دولة القانون نفعاً فقد تم استبدال المبعدين بآخرين، ورغم التزوير خرجت نتائج الانتخابات بتقدم القائمة العراقية بمقعدين، ورغم ان التقدم كان طفيفاً الا انه كان كافياً ليؤشر ان تغييراً ما قد طرأ على مكونات اللعبة السياسية تحت الاحتلال وان هناك منافسة جدية لدولة القانون ليس من حلفائها السابقين في الائتلاف الموحد وانما من الرافضين للطائفية السياسية التي تتعكز على الدين. وفور ظهور النتائج شعرت دولة القانون وزعيمها الاوحد بخطورة الوضع وجدية التهديد فبدأت بالصراخ والعويل وبدأت بصرف اوراقها الورقة تلو الاخرى على عجل فبين ورقة التلميح بوجود تلاعب بعد ان فشل الذين ارسلهم المالكي الى المفوضية لتعديل النتائج وبين التلويح مرة اخرى بوجود مرشحين يشملهم الاجتثاث تحركت كتلة المالكي مع عدد من زعامات الائتلاف نحو مرجعيتها السياسية في طهران مؤملة حضانتها لمشروع وحدوي ينتج كتلة كبيرة في مجلس النواب يمكن ان يسحب البساط من قائمة علاوي الفائزة الاولى، مع استفسار للمحكمة الاتحادية سبقها توجيهها الى اصدار رأي قانوني يفسر الكتلة التي يحق لها التكليف بتشكيل الحكومة بانها الكتلة الاكبر التي تتشكل في مجلس النواب، هذا الرأي الذي لا يمكن ان يقنع ابسط الجهلاء فما بالك برجال القضاء مع وجود سابقةٍ ان الائتلاف الوطني الذي لم يكن يمتلك الاغلبية المطلقة في مجلس النواب السابق كلف تلقائياً بتشكيل الوزارة دونما اعتراض مما يؤكد ان التفسير الصحيح لهذه المادة هو احقية الكتلة الفائزة في الانتخابات.
ومع تعذر اتفاق التيار الصدري مع توجهات المالكي فشلت المساعي الايرانية في احتضان المشروع الطائفي مع ما رافقته من انتقادات لكتل سياسية كثيرة للتدخل الايراني السافر في الشأن العراقي وفي مساعي تشكيل الحكومة خاصة بعد تصريحات (احمدي نجاد) وسفيره في بغداد والمعروف بكونه المرجع الميداني لاحزاب السلطة في العراق. كل هذه التحركات دفعت علاوي واركان ائتلافه ليسعون الى تأييد المجتمع الدولي والقيادات العربية المؤثرة وكانت زياراتهم المعروفة لبعض العواصم العربية اضافة لتركيا. ورغم ان النتائج قد اعلنت ورغم ان الجهات القضائية وبضمنها مفوضية الانتخابات قد ردت معظم طعون دولة القانون اضافة لالغائها بعض الصناديق التي حامت حولها الشكوك الا انها لم تغير من النتائج شيئاً يذكر.. فوجئ الجميع خاصة بعد ان انتهت المدة المقررة للطعون والاعتراضات بسيل من الطعون يقدمها المالكي تارة باعتباره رئيساً لقائمة دولة القانون واخرى مستغلاً سلطته كرئيس للوزراء وحتى قائد عام للقوات المسلحة كما يحلو له ان يسمي نفسه دائماً ولا ندري كيف قبل القضاء هذه الطعون بعد انتهاء المدة وما هو مستوى الضغوط والتهديدات والاغراءات التي قدمت لهذا القضاء حتى يصدر قراره القاضي بإعادة العد والفرز في محطات بغداد الانتخابية بعد ان رفضت المفوضية قانونياً وفنياً اعادة العد والفرز وكان واضحاً هذه المرة ان هناك تصميماً على تغيير النتائج، غير ان المالكي مع كل هذه التدخلات لم يكن مطمئناً الى النتيجة في ضوء احتمال ان تخرج النتيجة عكس ما يرغب وان تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ومع تحرك العراقية على مصادر دعم خارجي وداخلي لافشال تخطيط المالكي استمر الاخير بطرح باقي اوراقه خاصة بعد ان سمع بتلميحات (بهاء الاعرجي) المطلع على بواطن الامور من ان اجراءات العد والفرز لو جرت بشكل صحيح ونزيه فان علاوي سيحصل على مقعدين اضافيين من مقاعد المالكي، وكان للاحباط الذي اصاب المالكي من تعنت التيار الصدري من ترشيحه لرئاسة الوزارة اثره الكبير في التخبط واستغلال موقعه الحكومي لاحداث التغيير في نتائج الانتخابات مهما كانت الوسيلة غير مقبولة وغير قانونية وهكذا عاد المالكي الى طرح ورقة الاجتثاث ضد مرشحي العراقية مرة اخرى فاجبرت الهيئة القضائية على الافتاء باجتثاث (52) من المرشحين لا يؤثر اجتثاث جميعهم على اية قائمة غير قائمة علاوي.
تحالف الاحزاب الكردية استمر في منهجه المتربص في عملية الصراع بين القوائم الكبيرة وهو يذكي عن بعد حطب هذا الصراع لانه يعلم انه بعدد مقاعده المحدود يبقى صفراً على الشمال في حالة توقف الصراع والتوصل الى اتفاق مهما كان نوعه بين الكتل الاخرى. تحالف الاحزاب الكردية غايته العليا ان يكون (الطالباني) رئيساً للجمهورية كي لا يزاحم مسعود البرزاني على زعامة الاقليم ثم ابتزاز الفرقاء المتصارعين حول موضوع كركوك والمناطق التي ابتدع تسميتها بالمتنازع عليها واخيراً موارد النفط، مع وضوح ميله الى اضعاف حظوظ قائمة علاوي في تشكيل الوزارة لعلمه ان مطالبه لا تلقى رواجاً لدى علاوي والكثير من الزعامات في قائمته والتي لا تسمح لها التزاماتها المناطقية تقديم المزيد من التنازلات تجاه المطالب الكردية.
القائمة العراقية بزعامة علاوي تشعر اليوم بضرورة تدخل الاطراف الخارجية ذات التأثير (الامم المتحدة، الولايات المتحدة، الجامعة العربية، تركيا، الاتحاد الاوربي) في منع دكتاتورية المالكي من الاستمرار، ولهذا فقد رفعت درجة تحركها وصعدت من لهجة انذاراتها.
وبينما تتمادى سلطة المالكي وقواته الامنية (النظيفة منها والقذرة) في قمع العراقيين وقتلهم واعتقالهم وتشريدهم، وينكشف يوماً بعد آخر السجل الاسود لهذه الحكومة الطائفية واجهزتها الامنية عبر ما ينشر بالصوت والصورة والوثيقة في وسائل الاعلام العالمية والعربية والمحلية من فضائح السجون السرية وما يجري فيها من تعذيب حتى الموت واغتصاب للمعتقلين من الرجال والنساء او من فضائح المداهمات الليلية التي يجري فيها قتل الرجال والنساء والاطفال بالجملة في المناطق السنية وحتى الشيعية المقاومة للاحتلال، واخيراً ما عرضته الفضائيات عن قتل احد المعتقلين في مركز شرطة وامام الكاميرات باسلوب الركل بالارجل حتى الموت، اسلوب حديث ومتطور للقتل ابتدعته دولة القانون، معتقل موثوق اليدين والرجلين ملقى على الارض والعشرات من شرطة المالكي الشجعان يركلونه باقدامهم وهو يلفظ انفاسه الاخيرة وقد سالت الدماء من رأسه ووجهه وتكسرت عظام وجهه واختفى انفه، اسلوب جديد للقتل يليق برجال دولة القانون الابطال الذين لا يجرؤون على رفع رؤوسهم من كبيرهم الى صغيرهم امام احقر جندي امريكي محتل يرقصون طرباً ويهزجون ويطلقون العيارات النارية بعد ان حققوا نصراً عظيماً (وفق القانون) على معتقل اعزل مقيد اليدين والقدمين لا يملك الا نفس الهواء يدخل ويخرج من فمه بعد تحطيم انفه، مشهد مأساوي يدل على عظمة دولة القانون وعظمة رجالها وبطولتهم، نحن نعلم انكم يا ازلام دولة القانون قادرون على قتل الابرياء والعزل من الرجال والنساء والاطفال، ونحن نعلم انكم يا جيش وشرطة دولة القانون قادرون على مداهمة بيوت الآمنين واعتقالهم او تصفيتهم على الفور بما تحملون من اسلحة وعتاد وهمرات.
ونحن نعلم والعالم كله يعلم انكم قادرون يا ابطال دولة القانون على انتهاك اعراض النساء والرجال المعتقلين في سجونكم السرية وغير السرية، ونحن نعلم والعالم كله يعلم ان بامكانكم ممارسة (الكبسلة) والرذيلة كسلوك يومي فيما بينكم، ولكن نحن نعلم ايضاً ويعلم العالم كله انكم لستم سوى شلة وعصابة من المجرمين الجبناء الذين لا يمتلكون ذرة من مقومات الشرف والرجولة ولا حتى الانسانية.
ان شغفكم بسفك دماء الشرفاء من ابناء العراق وحقدكم على كل وطني هو دافعكم الاكبر للقتل وانتهاك الاعراض.
فهل هكذا يطبق القانون (يا دولة القانون)؟!
وهل يجوز قتل الناس بهذا الاسلوب (يا دولة القانون)؟!
ونحن نعلم يا أزلام (دولة القانون) انكم لن تتوقفوا عن قتل العراقيين الشرفاء...
ولكن (يا دولة القانون) اذا قتلتم فاحسنوا القِتْلَة!!!
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها
يا دولة القانون.. إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة؟!!...كامل العبيدي
