لم يكن الكشف عن سجن \"المثنى السري\" في بغداد بالأمر المفاجئ.. كما لم يكن ليشكل فضيحة من الوزن الثقيل لكل من يتابع الشأن العراقي..
فمنذ خروج تلك الصور الرهيبة من سراديب أبو غريب وأخواتها ، وما تلاها من فظائع سجن "الجادرية" عام "2005".. والسجون بأشكالها العلنية والسرية.. الثابتة والطائرة.. في تكاثر سرطاني غير منضبط.. حتى أصبح لدينا - في هذا الزمان العولمي - سجون عابرة للقارات،،.
ويبدو من تداعيات الأحداث أن أمتنا قد اعتادت لعبة "الصدمة والترويع" المفضلة لدى قوى الاحتلال "على تعددها واختلاف ألوانها" فتكسرت على أمتنا "النصال على النصال".. فقد وثقت عشرات التقارير الدولية والصحفية ، وعشرات التحذيرات والمناشدات لهذه الظاهرة الفظيعة من القهر والتنكيل الانساني السائدة في سجون ومؤسسات الدولة العراقية..،،.
فالتقارير الدولية تؤكد وجود ما يزيد عن 3500" معتقل" في أماكن سرية تابعة لوزارة الداخلية ، يمارس ضدهم التعذيب اليومي المبرمج ، حتى أصبحوا مستعدين للاعتراف بأية جريمة خلاصاً من تعذيب لا يطاق يمارسه عليهم جلادو تلك السجون المنتمين لتابعيات وولاءات متعددة،، فهذا تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش الأمريكية" "الصادر في "2010 يؤكد "تفشي ظاهرة تعذيب المحتجزين في مراكز الاحتجاز التي تديرها الحكومة الحالية والتي تضم نحو ثلاثين ألف محتجز..،، ومع تسليم الجيش الأمريكي للمحتجزين لديه للسلطة الحكومية في عام 2009 "بموجب الاتفاق الأمني الأميركي العراقي لعام "2008 تفاقمت أوضاع السجناء وازدادت سوءاً،،.
وقد حذرت بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق في تقريرها "عن النصف الأول من عام "2009 من الأوضاع الصعبة التي يمر بها المحتجزون ، في السجون التي تديرها الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان.. وأكد التقرير بأن العديد من السجناء حرموا من حريتهم لأشهر وسنوات دون توجيه أي تهمة ، أو محاكمة ، أو حتى توكيل محامين..،،. لقد وثقت عشرات التقارير الصحفية تلك الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان في العراق ومنها صحيفة الجارديان البريطانية.. اذ وثقت ووصفت في تقريرها المنشور في 2010 ـ 3 ـ 16 عشرات الانتهاكات التي يندى لها جبين الانسانية "ان بقي للانسان جبين يندى"،،. وأما صحيفة التايمز البريطانية.. فوصفت ما يجري في المعتقلات السرية العراقية بأنه "اغتيال سياسي مبرمج للأبرياء" لمجرد الاختلاف معهم مذهبيا وسياسيا.. أو لأنهم لم يكونوا مع الاحتلال"...،،. في حين نقلت مجلة "فانيتي فير" الأمريكية عن سجناء عراقيين وصفهم للانتهاكات "الجنسية" التي تعرضوا لها.. كان من بينهم صبي عمره "15" عاما،،.
أما على الجانب العراقي فقد أطلقت المنظمات والشخصيات العراقية عشرات المناشدات والتحذيرات.. فمن جانب البرلمان العراقي أدلى النائب "محمد الدايني" بتاريخ 30" ـ 10 ـ "2008 بشهادة في "جنيف ـ سويسرا" تؤكد بالاثباتات القطعية وجود سجون سرية في العراق ، تجري فيها انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان ، من قبل قوات الاحتلال أو من قبل السلطات العراقية بمختلف طوائفها.. كما أكد وجود "أكثر من "420 مركز اعتقال سريا فضلا عن السجون المعلنة التي تقدر بـ"37" سجنا.. في حين بلغت السجون التابعة لسلطة الحكومة العراقية ، سبعة وعشرين سجناً وتضم أكثر من أربعين ألف سجين.. وأكد بأن هذه السجون ليست سوى "ربع مراكز الاعتقال التي في حوزة الحكومة أم البقية فهي مراكز سرية".. وأكد بأن لديه وثائق واثباتات حول كيفي تتم "الاعدامات واغتصاب الرجال والنساء داخل هذه السجون.."،،.
أما من طرف السلطة الحاكمة في العراق فقد أكد "طارق الهاشمي" "نائب الرئيس العراقي" "بتاريخ 11 ـ 1 ـ "2010 بأن لديه معلومات رصينة تفيد بوجود عدد من السجون السرية وأن آلاف العراقيين ما زالوا يُقتادون الى أماكن غير معروفة ، استنادا الى الشبهات وبغية الابتزاز من دون تهم أو أوامر "القاء قبض"..،،.
أما من جانب "المقاومة" فقد أعلن الشيخ "حارث الضاري" "رئيس هيئة علماء المسلمين" في 17 نيسان 2009 عبر قناة الجزيرة.. عن وجود 36 سجنا رسميا في مختلف المحافظات العراقية بما فيها محافظات اقليم كردستان ، اضافة الى مئات السجون ومعتقلات سرية وعلنية تابعة لوزارات الداخلية والدفاع والأمن القومي وجهاز المخابرات ، بأن الحكومة العراقية تحتجز ثلاثين ألف شخص وتصر على عدم الافراج عنهم "رغم أنها أصدرت قانونا للعفو العام". وفي "كانون الثاني "2010 دعا رئيس منظمة الصداقة والسلم والتضامن في العراق "صلاح المختار" "لانقاذ حياة "خمسة عشر ألف" أسير عراقي سلمتهم قوات الاحتلال الأمريكي الى سلطات وقوات حكومة المنطقة الخضراء"،،. وفي "آذار2010" أكد المشرف السابق للقوات الخاصة العراقية اللواء "منتظر السامرائي" وجود آلاف السجناء "بعضهم مراهقون" يتعرضون لتعذيب مروع داخل السجون.. تسبب في موت عدد كبير منهم.. فضلاً عن وجود سجون للنساء "تتعرض فيها السجينات للتعذيب والاغتصاب"،،.
تلك هي لمحة خاطفة لذاك "المشهد التعذيبي العراقي".. مشهد مرتبك متناقض يكاد فيه "المريب يقول خذوني".. مشهد فيه نائب رئيس الجمهورية "طارق الهاشمي" يؤكد وجود سجون علنية وسرية متعددة.. ويناشد منظمة الصليب الأحمر الدولية لزيارتها ومراقبة مدى تقيدها بالمعايير الدولية الخاصة بحقوق الانسان.. في حين تنفي فيه حكومته وجود هذه السجون..،،.
مشهد تزعم فيه وزيرة حقوق الانسان "وجدان ميخائيل" بأن وزارتها لا تستطيع تأكيد أو نفي وجود سجون سرية.. ثم تستدرك على عقولنا بأن فرق الوزارة عثرت عام 2009 على "سجن سري واحد" تابع لوزارة الدفاع العراقية..،،. باختصار مخل.. هل يمكن أن يستمر الصمت على عذابات العراقيين يراوح بين الاعتراف والانكار.. بين الزيف والتزوير.. بين الاستكبار والاستخذاء.. على ألسنة وأيدي المحررين من الديمقراطيين الجدد..؟؟.
فأي دَرْك انحدرت اليه القيم والمعاني في عراق الأمة الجديد؟؟.
eidehqanah_(at)_yahoo.com
ديمقراطية العراق الجديد!... د. عيدة المطلق قناة
