تدور على ألسنة العراقيين هذه الأيام نكتة سياسية تقول: (إن السياسيين أرادوا الرجوع إلى المربع الأول لكنهم لم يجدوه)،
وهذه النكتة أو "الحكمة" إن شئتم، تعكس الواقع السياسي في العراق بدقةٍ إلى حدٍ بعيد، وتصوّر الفوضى التي ضربت أطنابها في عموم البلاد، وأكثر ما تتجسد هذه الفوضى في مسرحية ما يسمى بالعملية السياسية والصراع القائم بين كتلها السياسية، ويمتد ذلك أيضًا إلى طرفي الصراع الرئيسين، أمريكا وإيران، فالمشهد السياسي المعقد يعيش حالةً من "التيه السياسي" ويحكم أدواته الخوف من المجهول.
فعلى مستوى اللاعبين الكبار من الواضح أن هناك نوعًا من التداخل في ساحات الصراع، والوقوع في اضطراب المواقف وتناقض المشاريع، فكل طرف يسعى إلى تسقيط أدوات هذا الصراع من أيدي الخصم، فبعد أن سعت إيران مثلاً إلى استخدام قضية ما يسمى بـ(هيئة المساءلة والعدالة)، والدفع باتجاه اجتثاث بعض المناوئين أو المزاحمين لأدواتها في العراق، وهي ما تزال ماضية بالضغط بقوة في هذا الاتجاه، تسعى بذلك إلى الضغط على المنافس الأمريكي من أجل الحصول على أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب وتحسين شروط التفاوض مع هذا الخصم وخاصة في القضايا الدولية العالقة بين الطرفين، هذا فضلاً عن محاولات طهران الحثيثة في التدخل في رسم شكل التحالفات السياسية ما قبل الانتخابات وبعدها والتأثير على مساراتها بغير ما تشتهيه السفن الأمريكية.
إن إبقاء الوضع على ما هو عليه من خلال إيقاف عجلة التحالفات يلبي المصالح الإيرانية بالدرجة الأساس إذ أنه يحرج الإدارة الأمريكية ويظهر فشلها في تحقيق ما تسميه "العملية الديمقراطية" الذي طالما تبجحت بها واشنطن كلما جرت عملية انتخابية في العراق، ويزداد حرج هذه الإدارة كلما اقترب موعد انسحاب معظم قواتها من العراق حسبما تنص عليه ما تسمى بـ(الاتفاقية الأمنية) والتي تقضي بإبقاء 50 ألف جندي أمريكي في قواعد عسكرية منتشرة في طول البلاد وعرضها، فالمنافس الإيراني يراهن فيما يبدو على عنصر الوقت ويرى فيه أحد نقاط ضعف موقف واشنطن، فقد صار من الواضح أن طهران التي استقبلت كل الأطراف السياسية الفائزة في الانتخابات، لم تأبه ولم تدفع باتجاه أي تحالفٍ ما لحد الآن مراعاةً فيما يبدو لهذا التكتيك في قواعد الصراع واستغلال عنصر الزمن في استنزاف الخصم.
بالمقابل فإن الجانب الأمريكي الذي يحرص على إنجاح عمليته السياسية في العراق بأي شكل من الأشكال يرى أن التأخر في تشكيل الحكومة ليس من صالحه، هذا في الوقت الذي يعلن أنه ليست لديه مشكلة فيمن يفوز بتشكيل الحكومة، وهذا ما أعلنه السفير الأمريكي (كريستوفر هيل) في مؤتمره الصحفي بتأريخ 30 آذار 2010 إذ قال: (نحن مستعدون للعمل مع من يتم انتخابه بصورة ديمقراطية؛ مع كل من يلتزم بالقواعد الديمقراطية ويكون قادراً على البروز من هذه العملية، .. نحن مستعدون للعمل مع أي واحد يبرز).
لذلك نرى الجانب الأمريكي يسعى باتجاه الإسراع بتشكيل الحكومة، وبدأ مؤخرًا بكشف بعض أوراق اللعب من أجل الضغط على من تراه العقبة الرئيسة في تشكيل الحكومة وهذا ما يفسر الإعلان المفاجئ عن أحد السجون السرية التابعة لمكتب المالكي، وكشف الانتهاكات التي ترتكب داخل هذه السجون.
تناقضات المشهد واضطراب المواقف ستعمل بالتأكيد على توسيع دائرة الصراع وإبقاء كل الخيارات والاحتمالات مفتوحة، ويبقى السؤال الأهم قائمًا.. إلى أين ستأخذ البلد متاهات العملية السياسية وعناوينها اللاهثة وراء السلطة والمال على حساب الشعب العراقي الخاسر الأكبر من كل ما يجري؟!
كتبه مدير مركز الأمة
ummacenter_(at)_gmail.com
العملية السياسية في العراق وتوهان البوصلة...رأي مركز الأمة للدراسات والتطوير
