الولايات المتحدة تلعب بالمالكي على قاعدة أن \" العصفور لا يجفف البحر \" ، فمرة تصعد به عاليا من خلال الاعلان عن مقتل قادة القاعدة، وثانية تزل به من خلال الاعلان عن سجونه السرية.
هكذا يلعب المستعمر الاميركي في عقلية الانسان العراقي، وتحديدا العقلية الرسمية المرتبطة به والتي تستعين به عندما تعلن أفلاسها في كثير من جولات المراوغة ضمن مسيرة العملية السياسية الحالية للتشبث بالمنصب كأحد حلقات السيناريو الاميركي الذي يستهدف وحدة العراق وقوته الوطنية.
ففي الثامن عشر من ابريل / نيسان الجاري اعلن رئيس الحكومة نوري المالكي بنفسه مقتل زعيمي تنظيم القاعدة بالعراق كلا من ابو عمر البغدادي ومسؤول الجناح العسكري ابو ايوب المصري، وهو انجاز تحقق للمالكي، الذي يتسابق مع آخرين في ايجاد المقبولية الرسمية والشعبية داخل العراق لتزعم الحكومة مرة ثانية في ضوء اعلان نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في السابع من اذار عام 2010.
على مدى ساعات من اعلان هذا الحدث الذي ظهر في بدايته بانه انجاز للقوات العراقية المسلحة، انشغل خصوم المالكي والسياسيون والمتابعون للشأن العراقي بالحديث عن ان كفة ميزان المالكي رجحت وقفز نجمه عاليا واخذ الجميع يتكهن بان الاميركان ربما راضون عنه سيما بعد ان اعلن الجيش الاميركي صحة المعلومات التي اطلقها رئيس الحكومة بشأن مقتل زعيمي القاعدة بعملية عسكرية مسلحة في الثرثار شرقي صلاح الدين بمشاركة قواته العسكرية.
وأيا كانت المعلومات التي يتحدث بها الجانبان من حيث المصداقية، فالرأي العام سواء بالعراق او خارجه ربما لا يجد سبيلا للمصداقية لسبب بسيط هو ان ثلاث مرات سابقة اعلن فيها الجانبان العراقي والاميركي عن اعتقال ومقتل البغدادي والمصري.
ولم تمر سوى ساعات قلائل على ارتفاع اسهم المالكي في بورصة العملية السياسية بسعيها لتشكيل الحكومة حتى تفجرت قنبلة اعلامية من صنع اميركي من عيار متوسط الحجم مدوية بأجواء العراق مستهدفة رئيس الحكومة نفسه من خلال تقرير نشرته صحيفة لوس انجلوس تايمز الاميركية يتعلق بوجود سجون سرية في مطار المثنى ببغداد يقبع فيه 431 سجينا من سكان محافظة نينوى فضلا عن اشارات لاماكن اخرى فيها سجون سرية تتبع لمكتب نوري المالكي مورست فيها جرائم تعذيب وسوء تعامل لا انساني بما فيها اللواط وغير ذلك، فانقلب السحر على الساحر واصبح الرمز نفسه في قبضة الاتهام، وهبط ميزانه الى مرتبة تقل كثيرا عما كانت عليه قبل اعلان مقتل زعيمي القاعدة.
وفي هذا الاطار يصبح على المراقب السياسي ان يضع الثوابت امامه قانونا حين يشرع بالتحليل للقضية العراقية حيال أي موضوع سواء ما يتعلق بهذا الشخص او ذاك من المسؤولين العراقيين الذين يتسابقون الان لحكم العراق، وان لا ينساق وراء تلاعبات أميركية تحرك أدواتها كجنود شطرنج من موقع لاخر.
ربما يكون الغرض من ذلك محاولة اختلاق الضبابية والعشوائية وتغييب فهم الواقع لأصحاب وأعداء اميركا، وبمعنى أدق تشكيل الصورة الذهنية المتذبذبة حيال الواقع، لكي لا تحرج امام أي منهم اثناء الحوارات الجانبية، والهدف الاخر من ذلك زعزعة ثقة هذه الاطراف المرتبطة بها واشعارها بانها قوة تناور كيفما تشاء وبما يخدم مصالحها، عند ذاك سيكون الخيار الوحيد امام اصدقائها الاخلاص وتأكيد الولاء لها بما تخطط وتريد سبيلا للبقاء في الموقع الرسمي على حساب المصلحة الوطنية أو اللجوء الى صف المواجهة ضد شهيتها التخريبية وهذا على ما يبدو بعيد كل البعد عما نحن نراه.
ان العبرة من الدرس الاخير بالعراق يمثل رسالة شديدة اللهجة بان المستعمر الاميركي لديه الكثير من الوثائق السرية عن جميع المسؤولين العراقيين وتستخدمها في الوقت المناسب وهناك معلومات اخرى تشير الى ان قضية السجون السرية المرتبطة بمكتب رئيس الحكومة تعد ملفا بسيطا مقارنة مع ملفات سرية لكافة المسؤولين الاخرين يعرف عنها الاميركان الكثير – الكثير.
هذه هي سياستهم التي يظهرون الحقائق البسيطة حتى تبقى بأيديهم الملفات الاكثر سخونة، اسلحة قوية يلوحون باستخدامها لردع الطرف الذي يحاول التمرد عليهم بشكل نهائي.
وعموما فان الفلسفة البراغماتية الاميركية تجد من العيب ان تظهر أخطر ملفاتها السرية لطرف مرتبط بها عند محاولته التمرد عليها او لطرف لم يكن يسير بركبها وبحسب فلسفتها "العصفور لا يجفف البحر"، ومثل هكذا تصرفات لن تستخدم الا مع من يتعامل معهم انما الاطراف المعادية لهم فيلجأون الى الاعلام لاختلاق السيناريوهات المفبركة في جانب والى القضاء المسيس والجهات القضائية الدولية التي تمولها في جانب اخر لتشويه سمعته، بيد ان الاشكالية العراقية التي حصلت في يوم واحد بالعراق أي في 18/4 تمثل تعميما لسياسة المستعمر مع من يتعامل وسواء كان أميركيا أم أوروبيا فكلهم في المنهج سواء.
ونستخلص من هذا الدرس في بلادنا التي مزقها الغزو والاحتلال والسياسات المحلية الخاطئة بأن على أي طرف من ساسته ادراك دور المستعمر الخطير في التلاعب بالاوراق بما يريد وبما يسد شهيته الاستعمارية وانه مهما فعل لخدمته فلا مجال لان يكون قويا ومستقلا مطلقا، فالمستقل هو البعيد عن القوى الاستعمارية المعادية لمصالح بلاده وحتى لو انتهى دوره السياسي أو انتهى دوره بالحياة فانه على الاقل يبقى في ضمير الناس شريفا حرا لذا فالاميركي هو صديق مصالحه ليس ألا.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
قنبلة امريكية تعصف باجواء بغداد / الدكتور فاضل البدراني .. كاتب واعلامي عراقي
