مركز الأمة للدراسات والتطوير– قسم الدراسات
لعل من أبرز المظاهر التي سادت ما يسمى بـ\"العراق الجديد\" طيلة السنوات السبع الماضية من عمر الاحتلال الأنكلوأمريكي للبلاد،
هي حملات الدهم المتواصلة والاعتقالات المستمرة التي طالت في مجملها محافظاتٍ وأقضية تتميز بغالبية سكانية تتبنى مقاومة الاحتلال وتشكل منطلقاً لمناهضة مشاريعه وسياساته، ولا يخفى أن تلك الأعمال البربرية الهوجاء إنما تجري انتقاماً وتنكيلاً بتلك المناطق وأبنائها الأباة، وهي في أكثر الأحيان تعتمد على وشايات كاذبة، ودسائس مختلقة تنطلق من نزعات شخصية مريضة، أو حجج مفبركة تصدر عن نفس طائفي مقيت، تدفع بمليشيات الحكومة وعصاباتها المتلبسة بلبوس الجيش والشرطة للقيام بشن تلك الحملات العشواء، والمصحوبة برغبة جانحة إلى الثأر والانتقام وفق سلوك همجي منفلت لا يحكمه قانون، ولا يردعه دين، ولا يزعه وازع من خلق أو ضمير.
وبعد الاعتقال لمن هم "متهمون" على حد ما يزعمون؛ يجرى تغييبهم في سجون ومعتقلات وأقبية سرية لمدة تمتد إلى شهور وسنين، يعيشون فيها ظروفاً مروعة يمارس عليهم كل ما عرفته البشرية - بل وما لم تعرفه أيضاً - من صنوف التعذيب الجسدية والنفسية، وكيف لا؟ وهم "مجرمون" قبل ثبوت براءتهم!
و"مجرمون" دون الحاجة لأدلة تدينهم أو شهادات حق ضدهم!
و"مجرمون"! دون إجراء أي تحقيق قضائي معهم!!
هكذا هو "العراق الجديد" الذي صنعه المحتلون، وهكذا هي "الحرية" التي جاؤوا بها ليتلقفها منهم شرذمة من الأراذل الذين تسلطوا في البلاد، ومُكنوا من رقاب العباد.
وقبل أيام قلائل كشف تقرير صحافي أمريكي نشرته صحيفة "لوس انجلس تايمز" أن المكتب العسكري التابع لرئيس وزراء حكومة الاحتلال نوري المالكي يشرف على إدارة سجن سري يقع في مطار المثنى غرب بغداد يضم أكثر من431 معتقلاً - أكثرهم من منتسبي الجيش العراقي السابق – جيء بهم من محافظة نينوى بعد حملة اعتقالات كبيرة طالت المحافظة في شهر تشرين الأول من العام الماضي، وتمت دون استصدار أية أوامر قضائية، بناءاً على تقرير "مخبر سري" زعموا!، وذكر التقرير "الأمريكي" أن العديد من هؤلاء المعتقلين تعرضوا للتعذيب بشكل منتظم باستخدام الصدمات الكهربائية والخنق بأكياس البلاستيك، والضرب الشديد الذي بدت آثاره واضحة على أجسادهم، وإجبارهم على الوقوف لثلاث أو أربع ساعات في أوضاع مجهدة منهكة للجسم، إضافة إلى القيام بالاعتداءات الجنسية، وغير ذلك من الانتهاكات البشعة التي ارتكبها المشرفون في ذلك السجن، فيما ذكر التقرير ومصادر أخرى أيضاً أن أحد المعتقلين - وهو من كبار ضباط الجيش العراقي السابق – قُتِل من جراء التعذيب في شهر كانون الثاني الماضي.
أن ما قام به الإعلام الأمريكي من الكشف عن هذا المعتقل السري في هذا الوقت بالذات له أهدافه ودلالاته السياسية المعلومة والتي لا يتسع المقام ههنا لبسط الكلام عنها، ومن المعروف أن الأمريكان هم من أشرف على اختيار وتدريب تلكم الشراذم من الأوباش ليشاركوهم أو ينوبوا عنهم في بعض المهام، كما أنهم القدوة لهم في انتهاك الحقوق واستخدام أساليب التعذيب والاغتصاب والإيذاء النفسي في المعتقلات والسجون داخل العراق وخارجه، وما فضائح سجن أبي غريب عنا ببعيد.
ولا يمكن لإدارة الاحتلال الأمريكي أن تبرأ من المسؤولية عن كل ما يجري في العراق من جرائم بشعة وانتهاكات خطيرة في حق العراقيين النجباء من قبل المليشيات الطائفية، وتشكيلات الجيش والشرطة التابعة لحكومات الاحتلال المتعاقبة.
إن العراقيين جميعاً يعرفون وبما يفيده النقل المستفيض المتواتر أن هذا المعتقل هو واحد من عشرات المعتقلات والسجون التي يمارس فيها الابتزاز والاغتصاب والتعذيب الوحشي البشع وعلى درجات متفاوتة، فالأمر على الحقيقة لا يقتصر على ذلك المعتقل دون غيره، وبالتالي فإنه لم يضف الكشف عنه أو عن غيره للعراقيين جديداً سوى اطلاع العالم على ما يجري في بلدهم المحتل - أو "العراق الجديد" كما يُسمى - من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان لا يمكن التغافل عنها، وهي مستمرة ومتواصلة ليل نهار، الأمر الذي يستصرخ ضمائر الأحرار في كل مكان، ويدعو جميع منظمات حقوق الإنسان؛ المحلية منها والعالمية للتنديد بهذا الظلم السافر، ومقاضاة مرتكبيه في المحاكم والمحافل الدولية.
كما يدعو العالم العربي والإسلامي للتدخل من أجل الوقوف بوجه تلك الجرائم الطائفية، والمداهمات البربرية، والاعتقالات التعسفية للآلاف من الأبرياء، والضغط بشتى الوسائل لإطلاق سراح من لم ليثبت جرمه من العراقيين الذين تعج بهم سجون الاحتلال وحكومته الحالية وقد مضت عليهم فيها شهور وسنون.
وأخيراً نقول: ما على العراقيين إلا الثبات والمصابرة في مقاومة الاحتلال ومناهضته، والصبر على بطش الظالمين، وجرم الجهلة والمارقين، فدولة الباطل لا تدوم، والظلم مصيره الأفول، والحق لابد له من الظهور.
مآتـم الظلم تـتـلوهن أعيــاد إيـاك أن تجزعي إيـاك بـغداد
سدي ثغور العِدى واستجمعي همماً لنا مع الفجر يا بـغداد ميـعاد
العراق الجديد .. اعتقالات وانتهاكات فاضحة ..عبد الله العنزي
