قد يظن بعض السياسيين وعامة الناس أن السياسة والعمل السياسي هي إلقاء الكلمات الرنانة والمصطلحات الخاصة بالعلوم السياسية، ونقول إن طبيعة العمل هو الذي يحدد نوع السياسة أو بعبارة أخرى إن العمل الميداني هو الواجهة للمضمون الكلي للفكر السياسي والفلسفة السياسية التي يتبناها أصحاب العمل.
فمقاومة العدو ومقارعته بالقوة لم يزل والى الآن الوجه الأول للسياسة الكلية لأي مشروع تحرري، وليس أن يكون العمل الميداني تبعا للمشروع السياسي، حيث تشير التجارب التاريخية والصور المسطرة في تاريخ التحرير والفتوحات أن المشروع السياسي هو من كان يتبع العمل الميداني، وهذا هو النجاح لأنه الأقدر على إخضاع المحتل لإرادة الشعب المقاوم وهو الأكفأ في صياغة المشروع السياسي في كل مرحلة حسب ما تكلله أيادي المقاومين في تحقيق النصر.
وإن قلنا كما يقول البعض من السياسيين بوجوب أن يتماشى المشروع العملي أو الميداني مع الفلسفة السياسية وأفكار السياسيين الذين يقرؤون الحدث من منظار الربح والخسارة لا على أساس المبدأ والتضحية؛ لكان المشروع المقاوم في كل أنحاء المعمورة قد انضوى تحت إرادة المحتل وأصبح رديفا له.
وقد رأينا ذلك في معركة الفلوجة الأولى حين حاول المحتل وبكل قوة أن يوجد أرضية للتفاوض مع المقاومة ليكسب وقتا يستعيد فيه أنفاسه ويستغله للملمة ما تفرق من قواته، لكن المقاومة في حينها كانت تدرك الأمر فرفضته وبقوة، لكن بسبب تدخل أصحاب المشروع السياسي في حينها وما مارسه من ضغوط استطاع أن يحقق هذه المفاوضات لأنه انطلق من حسابات الربح والخسارة لمشروعهم ليس إلا.
أما الحديث عن التراجع في عمل المقاومة فهو قراءة خاطئة للمشهد العراقي، ولو كان هذا حقيقة لتم تشخيصه بوضوح ورؤيته بالعين المجردة، أما الاعتقاد بأن انطلاقة المقاومة التي كانت عفوية دليل على فراغها من المشروع السياسي فهو خطأ آخر، فالواقع لم يقرأ فراغا في العمل الميداني للمقاومة لا من الناحية العسكرية ولا من الناحية السياسية، لكن لكل مرحلة ما يناسبها من فعل وردة فعل، وحين تصعد المقاومة من عملها في جانب أو تركز عليه أكثر من غيره فليس هذا دليل على تجاهلها أو إغفالها للجوانب الأخرى، ولابد أن ننبه هنا أن إشاعة استخدام (تراجع) عمل المقاومة؛ وقوع في فخ الاحتلال الذي طالما ردد وقال إن المقاومة باتت أضعف من قبل، والصحيح أن المقاومة انتهجت سياسة التركيز على النوع على حساب الكم نظرا لما تتطلبه المرحلة من انحسار العدو في أماكن محددة والمتغيرات الميدانية الأخرى، والأهم من ذلك هو استمرارية المقاومة التي يراهن المحتل على إيقافها.
لقد أوجدت المقاومة في هذا التغيير أو السياسة المتبعة لها أنموذجا فريدا يختلف عن باق الحركات التحررية من تناغم سياستها مع عملها، ولقد شهدت الآونة الأخيرة من مراحل تطور العمل الميداني للمقاومة تطورا سياسيا ظهر في تكوين الجبهات وتخويل الشخصيات في العمل السياسي، وليس هذا ضعفا منها أو فراغا وإنما تتويج للمراحل السابقة من عملها السياسي والعسكري، فهي تسعى ضمن إستراتيجيتها وأولوياتها إلى توحيد صف المقاومة وتوحيد رؤيتها والتقريب بين أهدافها رغم جذورها الفكرية المختلفة، وهي بذلك جواب لكل الأبواق التابعة للاحتلال والنفعية التي تسعى إلى تضخيم صورة الخلاف بين فصائل المقاومة والتمييز بينها بأوصاف مختلفة كالمتشددة والوسطية وغيرها.
بقي أن نقول أنه من الخطأ الذي يتكرر كل مرة المقارنة بين المقاومة العراقية وغيرها من حركات المقاومة الإسلامية أو حركات التحرر العالمية من حيث العمل والسياسة، فهو قياس مع الفارق وبينها وبينهم بون شاسع في الزمان والمكان؛ محلية وإقليمية.
لقد استطاعت المقاومة العراقية بصورها العسكرية والسياسية والإعلامية من فرض نفسها وبقوة، لكن أساس نجاحها هو الفعل العسكري وما حققته من أرقام مذهلة، فبرغم كل العواقب والمضايقات التي تحيط بها من الصديق قبل العدو تمكنت المقاومة العراقية بفعلها الميداني من كسر إرادة المحتل الأمريكي، وفعلها الميداني هو من أجبر المحتل على تأجيل مشروعه في الشرق الأوسط الجديد، وبفضل ما حققته ميدانيا تمكن العراقيون – بل وشرفاء الأمة – من رفع رؤوسهم ثانية، وحينها فقط بدأنا نسمع السياسيين الذين يقدمون نظرياتهم السياسية ونصائحهم للمقاومة، وسواء أكان ذلك بدوافع الحرص والنصيحة أم الارتقاء على أكتافها لصناعة أمجاد شخصية أم دس السم في العسل؛ فلا ريب أن السنين الماضية من عمر المقاومة العراقية أثبتت وعيا سياسيا وتطورا لا يقل عن وعي هذه المقاومة وتطورها الميداني.
الفلسفة السياسية والواقع العملي للمشروع المقاوم.. علي العبد الله...
