على امتداد شوارع العاصمة بغداد وفي إحيائها ومداخلها ، حيث تتراكم القمامة والنفايات في الأسواق والإحياء والشوارع، ينتشر العديد من الاشخاص رجالا ونساء واطفالا ممن
يمارسون مهنة جمع وبيع النفايات تسبقهم عرباتهم اليدوية أو تنحني ظهورهم تحت ثقل ألاكياس التي يجمعون فيها كا ما يمكن ان يُباع .
يخرج هؤلاء من بيوتهم الفقيرة في الساعات الاولى من الفجر ، ليسبقوا سيارات جمع القمامة التابعة لأمانة بغداد، ولوريات المقاولين المتعاقدين معها، كما يسابقون بعضهم البعض للفوز بكمية أو نوعية أفضل مما تحتويه النفايات، يذرعون الشوارع ويتجولون بالقرب من الأسواق والإحياء ، يجمعون علب المشروبات الغازية الفارغة وعلب الأغذية والحليب والمواد المعلبة الأخرى، والأحذية المستهلكة، وربما بعض الملابس التي يمكن أن ارتدائها ثانية، وهم يستمرون في تجوالهم هذا حتى غروب الشمس.
ومن بين هؤلاء من يشتري نفايات الأحياء البغدادية الراقية من سواق سيارات أمانة بغداد المكلفين بجمع هذه النفايات ونقلها إلى مكبات خاصة لجمع القمامة خارج العاصمة ، وآخرون شيدوا لهم بيوتاً من الصفيح وسط المكبات في ضواحي بغداد وعند مداخلها والتي تحولت إلى بحيرات مترامية الإطراف، تموج بالنفايات التي تزداد يوماً بعد يوم دون أن تجد أي مسؤول في جميع الحكومات المتعاقبة خلال السنوات السبع الماضية حاول ان يوقف تمدد هذه النفايات التي يبدو إنها وجدت من يروج لتجارتها وبيعها وشرائها في محال خاصة.
في هذه التجارة التي لم يألفها العراقيون قبل الاحتلال الغاشم ، هناك آلية واعراف للعمل، حيث يبدأ الصغار العمل برفقة احد الرجال أو النساء الكبار، وبعد اتقان الأسلوب الأمثل في اختيار الأماكن والتعود عليها، يتم تقسيم المناطق بين جامعي النفايات المتواجدين في المكان نفسه ، ولا يجوز لأي شخص التجاوز على حق الآخرين ومناطقهم بعد التقسيم، وعند فجر كل يوم تخرج مجاميع متعددة، تضم ما يطلق عليهم اسم " دوارة المناطق المتجاورة " الذين يحدد لهم موعداً للاجتماع لغرض تصريف ما عثروا عليه من اشياء وبيعها إلى المتعهد، الذي يشتريها بأسعار منخفضة جداً، فبعض ما يحصلون عليه يُباع بالعدد والآخر يقاس بالوزن وفي كلا الحالتين هم معرضون للغبن من قبل المتعهدين.
وهناك فئة من اصحاب النفوس المريضة اتخذت من هذه المهنة ستاراً لممارسة إجرامها، وباتت عملية البحث في النفايات الطريق الأمثل لتشخيص أماكن السرقة وخاصة أولئك الأحداث والأطفال، الذين لم تترك لهم الظروف التي يمر بها العراق حاليا، خيارات مناسبة أخرى ، فإما الانحراف الذي يبدأ بالتسول والسرقة ولا ينتهي عند حد، وإما الموت جوعا .
وتعد منطقة المعامل شرق العاصمة بغداد المركز الرئيسي لليد العاملة في هذه المهنة إذ إن اغلب سكانها يرزحون تحت خط الفقر المدقع ومازالت بيوتهم مشيدة من الطين والصفيح، إضافة إلى انعدام الخدمات الصحية والتربوية بسبب اهمال الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال وعدم توفيرها فرض العمل لشريحة كبيرة من العراقيين، وتغاضيها عن توفير الخدمات الاساسية للعوائل التي تسكن اليوم بالقرب من جبال النفايات التي كانت وما تزال مصدرا لانتشار الأوبئة والامراض المختلفة.
ونسبت المصادر الصحفية التي رصدت هذه الظاهرة الى المواطنة (صبرية جبر ) قولها : "لا يمكن أن يوصف ما أقوم به على انه عمل فأنا أقوم بجمع النفايات مع زوجي الذي يتولى قيادة سيارته (الادركتول ) إذ أقوم بجمع النفايات ثم ننقلها إلى الأماكن المخصصة لتصفيتها وفرز ما يمكن أن يُباع منها مثل علب البيبسي والبلاستك وغيرها ، وإذ مرضت أو تعبت ـ وهذا نادر الحدوث ـ ، فزوجي لا يخرج من البيت لأنه يرفض أن يجمع النفايات بيده لكنه يقبل أن تجمعها زوجته وأم أطفاله" !!!.
كما نقلت عن مواطنة اخرى تدعى (صبيحة راضي) القول : " بعد أن قتل زوجي في احد الانفجارات وترك لي خمسة أطفال اصبح جمع النفايات مهنتي الاساسية، وقد تعودت عليها ولم أجد صعوبة في ممارستها ، لكن الصعوبة في التعامل مع الناس الذين لم يعتادوا على مشاهدة امرأة في الشارع دفعتها الظروف القاهرة وشظف العيش الى هذا العمل رغماً عن إرادتها.
وتؤكد (حميدية فرحان) بانها هي وابنتها التي لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها تعملان في جمع النفايات منذ أكثر من ثلاث سنوات وانهما مارسا هذه المهنة بعد أن هجرها زوجها ولم تجد من يعيلها أو يمد يد العون للعائلة .. مشيرة الى ان الكثير من الصعوبات والمشكلات تواجهها في هذه المهنة التي اعتادت عليها في الوقت الذي اعربت فيه عن امنيتها ان تجد فرصة عمل افضل من جمع النفايات تساعدها على مواصلة العيش في حياة تحفظ لها ولبناتها الكرامة.
وازاء ما تقدم فان هذه الظاهرة التي تعد واحدة من عشرات الظواهر السلبية المؤلمة التي لم يشهدها العراق قبل عام 2003 ناجمة عن استمرار الاحتلال البغيض واهمال المسؤولين في الحكومات التي نشأت في ظله لما يعانيه ابناء هذا البلد الجريح من أزمات ومعضلات وويلات وفشلهم في ايجاد فرص العمل لملايين العراقيين العاطلين وعجزهم عن وضع حد لمشكلة الفقر الذي وصلت نسبته الى 60% من مجموع السكان في الوقت الذي يمتلك فيه العراق ثاني اكبر احتياطي من النفط في العالم، ليصبح بذلك كـ( العيس في البيداء يقتلها الظمأ .. والماء فوق ظهورها محمول ) .
وكالات + الهيئة نت
ح
بسبب السياسات الحكومية الفاشلة..العراقيون يبحثون عن لقمة العيش وسط مكبات القمامة والنفايات
