اصدر قسم حقوق الانسان في هيئة علماء المسلمين اليوم تقريره السنوي عن الأوضاع الإنسانية التي عاشها العراق خلال السنة السابعة للاحتلال الغاشم والوقعة بين شهر نيسان عام 2009 ونيسان عام 2010 .
واستعرض القسم في تقريره الجديد بعض ما وقع على الانسان العراقي من تجاوزات وانتهاكات صارخة لحقوقه في نفسه وماله وبيئته ، حيث تضمن التقرير نفس المحاور التي اعتمدها القسم في تقريره السابق وهي ( القتل والإصابات خارج القانون والاعتقال والخطف والاحتجاز التعسفي والتهجير القسري وأوضاع المرأة والطفل والحريات الصحفية وأوضاع الأقليات والوضع الصحي وأوضاع التربية والتعليم والوضع البيئي اضافة الى الخدمات والبنى التحتية ) .
وفي ما يأتي نص التقرير :ـ
* المقدمة :
يتناول هذا التقرير الأوضاع الإنسانية في العراق في السنة السابعة للاحتلال بإبعادها المختلفة، ويعرض لتفاصيل كل بعد منها بحسب المتوفر من معلومات والمتاح من أرقام وإحصاءات يقوم بها قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين، أو يرصدها منتسبوه من خلال وسائل الإعلام. وتتوزع مصادر هذه المعلومات بين مصادر الجمعيات والمؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية: الرسمي منها والشعبي، والجهات الحكومية في العراق.. فضلا عن التقارير والمتابعات التي تقوم بها وسائل الإعلام الغربية.
وينبغي التنبيه في فاتحة هذا التقرير على أن الأرقام المعلنة فيه والمأخوذة من المصادر التي تقدم ذكرها؛ ليست دقيقة بالضرورة وإنما هو ما تسمح بالإعلان عنه قوات الاحتلال والقوات الحكومية. ويذكر التقرير بعض الأرقام حسب تقديرات قسم حقوق الإنسان في الهيئة المعتمدة على قاعدة معلوماته ومصادره الخاصة.. وينبغي هنا التأكيد على أن الأرقام الحقيقة أكبر من ذلك بكثير وخاصة فيما يتعلق بإحصاءات الجانب الحكومي.
وفي موجز سريع لأوضاع حقوق الإنسان في العراق تشير تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى أن أوضاع حقوق الإنسان في العراق قد ساءت للغاية في عام 2009. وأوضحت منظمة (هيومن رايتس ووتش) _على سبيل المثال _ في تقرير لها أن ((اهتمام العالم بالعراق قد قل، لكن الكثير من مشكلات حقوق الإنسان الجسيمة التي ابتلت العراق ما زالت بلا حل... فالنساء والأقليات، بالإضافة إلى المحتجزين، يتعرضون لانتهاكات حقوقية جسيمة)).
ويأتي هذا الحديث مترافقا مع صدور تقارير بعض لجان التحقيق الخاصة المشكلة في بعض الدول الغربية بشأن غزو العراق حيث أكدت لجنة تحقيق هولندية مستقلة في تقرير لها صدر مؤخرا، أن الغزو الأميركي للعراق في مارس (آذار) 2003 افتقد الشرعية بحسب القانون الدولي وأن اجتياح العراق ((لم تكن مقومات شرعيته كافية)). كما وجّه انتقادات حادة للدعم السياسي الذي قدمته الحكومة الهولندية للعمليات العسكرية التي جرت في العراق.
وفي استعراض لبعض ما وقع من تجاوز وانتهاك على الإنسان العراقي في نفسه وماله وبيئته، وعلى ذات السياق الذي اتبعناه في تقريرنا السابق عن السنة السادسة للاحتلال؛ نقدم تقريرنا أدناه عن السنة السابعة للاحتلال البغيض وفق المحاور الآتية:
_ القتل والإصابات خارج القانون
_ الاعتقال والخطف والاحتجاز التعسفي
_ التهجير القسري
_ أوضاع المرأة والطفل
_ الحريات الصحفية
_ أوضاع الأقليات
_ الوضع الصحي
_ أوضاع التربية والتعليم
_ الوضع البيئي
_ الخدمات والبنى التحتية
* القتل والإصابات خارج القانون :
في تصريح للمتحدث باسم (جماعة حقوق الإنسان) أشار إلى أنه ((على الرغم من الاعتقاد السائد بأن النزاع المسلح في العراق قد انتهى على نحوٍ كبير, لا يزال العنف المستشري وعدم احترام حياة الإنسان يطالان حياة العراقيين, والمدنيون هم الضحايا بالدرجة الأولى)) وان ((من الواضح إن العراق يعاني أكثر من أي بلد آخر من العنف اليومي بسبب الإرهاب وعدم الاستقرار من عنف أكثر كثيرا حتى من أفغانستان وباكستان)).
وتؤدي التفجيرات والاعتداءات العشوائية بحياة المئات وتترك آلافاً آخرين من الجرحى كل شهر، وفي هذا الصدد يشرح: (خوان بيدرو شيرير) رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق حالة الخوف الملازمة للعراقيين بسبب ذلك قائلا: ((يعيش العديد من العراقيين في خوفٍ دائم كلّما تركوا منازلهم, فأي واحدٍ منهم قد يتعرض للإصابة إذا ما تواجد ببساطة في المكان والزمان الخاطئين. إن مستوى انعدام الأمن يبقى عالياً ولا يمكن القبول به على أنه مستوى اعتيادي نوعاً ما أو وضعٌ لا يمكن تجنبه)).
وظهرت اتجاهات جديدة في هذا العام تبعث على القلق مثل زيادة حصيلة القتلى من التفجيرات الكبيرة التي يتسبب كل منها في مقتل أكثر من 50 مدنيا خلال عام 2009، وذلك في إطار ما اصطلح عليه بالأيام السوداء أو الدامية.. وكان عام 2008 قد شهد قتل 534 شخصا في تسعة هجمات كبيرة؛ مقارنة مع 750 شخصا قتلوا في ثمانية هجمات في عام 2009. فيما أعلنت وزارة الصحة الحكومية أن عدد القتلى في صفوف المدنيين بسبب العنف عام 2009 هو (2773) .
وفي تقرير إحصائي لمرصد الحقوق والحريات الدستورية عن العام 2009، وفق قاعدة بياناته الخاصة توصل إلى وقوع ما يقارب ( 34,313 ) ضحية خلال الفترة 01/01/2009 لغاية 31/12 /2009. وتصنف هذه الضحايا إلى: [ ضحايا أعمال القتل بمختلف أشكاله, ضحايا الجثث مجهولة الهوية, ضحايا عمليات الاغتيال, ضحايا الإصابات بفعل التفجيرات, ضحايا الخطف, ضحايا عمليات الاعتقال العشوائية وغير العشوائية ]. ووصلت أعداد الضحايا القتلى من الحصيلة السابقة خلال عام 2009 إلى ( 4,754 ) ضحية، فضلا عن وقوع (13538) ضحية كمصابين.
* الاعتقال والخطف والاحتجاز التعسفي :
أولا: الاعتقال:
تحتجز قوات الاحتلال والسلطات الحكومية عشرات الآلاف من المعتقلين، معظمهم بدون تهمة أو محاكمة، ومضى على بعضهم زهاء خمس سنوات وهم رهن الاحتجاز. كما ارتكبت تلك القوات انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء وقتل غير مشروع لمدنيين، واعتقالات تعسفية .
وحسب الأرقام المعلنة من هذه القوات فإنها تحتجز ما يقرب من (15500) معتقل، في معسكر بوكا بالقرب من البصرة، ومعسكر كروبر بالقرب من مطار بغداد الدولي وفي مواقع أخرى.. منها معتقل التاجي الذي ينقل إليه معتقلو سجن بوكا في البصرة.
وحسب تقرير منظمة العفو الدولية عن حقوق الإنسان في العالم عام 2009 فإن السلطات الحكومية كانت ((تحتجز ما لا يقل عن 26 ألف معتقل، ومعظمهم بدون تهمة أو محاكمة. ويُعتقد أن بعضهم محتجزون بمعزل عن العالم الخارجي في مراكز احتجاز سرية)). وهذا رقم صغير مقارنة مع أعداد السجون الكثيرة في العراق التي يقرب عددها من مئات كما إن التقرير لم يبين أماكن اعتقال هؤلاء حتى نطمئن إلى استيعابه جميع السجون الحكومية أم لا.
ورصد قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين حملات الاعتقال واسعة المدى التي تجري في أنحاء مختلفة من البلاد، واستطاع تسجيل (123) حملة دهم واعتقال وتفتيش خلال شهر كانون الأول من عام 2009 فقط؛ نتج عنها اعتقال (1377) مواطناً، ليعقبه شهر كانون الثاني بـ (170) حملة دهم نتج عنها اعتقال نحو (1612) معتقل، ثم تلاه شهر شباط بـ (166) حملة و(1117) معتقلا، وشهر آذار بـ (16) و ( ) معتقلا.
وشملت حملات الاعتقال هذه فئات مختلفة العراقيين من (شيوخ عشائر، وعلماء الدين، وأساتذة جامعيين، وضباط في الجيش العراقي السابق، وطلبة جامعات، ونساء وأطفال، وكبار السن). واعتمد هذا الرصد ء عدد الحملات وأعداد المعتقلين على البيانات التي تعلنها وزارتا الداخلية والدفاع الحاليتين فقط، في حين أن هنالك اعتقالات أخرى تنفذها جهات أخرى نحو: وزارة الأمن الوطني ومكتب (مكافحة الإرهاب) والقوات التابعة لمكتب رئيس الحكومة الحالية، فضلا عن الاعتقالات التي تقوم بها عناصر (قوات الصحوة)، كما استثنت الإحصائية حملات الاعتقالات التي تنفذها الميليشيات والأجهزة الأمنية الكردية بمسمياتها المختلفة .
أما وفق إحصائية مرصد الحقوق والحريات الدستورية لعام 2009 فقد بلغ عدد المعتقلين 15,813 ) شخص. وقد وصلت أعداد المعتقلين خلال شهر كانون الثاني 2010 حسب إحصاء المرصد إلى (974) معتقل شملت عموم محافظات العراق.
التعذيب في السجون :
حُوكم عدد من الجنود الأمريكيين أمام محاكم عسكرية أمريكية بتهم تتعلق بارتكاب جرائم في العراق، وصدرت على معظم من أُدينوا أحكام مخففة لا تتناسب مع فداحة تلك الجرائم.. وفيما يتعلق بالسجون الحكومية فقد تم استخدام مختلف أساليب التعذيب ضد المعتقلين ومن بينها؛ الضرب بالأسلاك الكهربائية وخراطيم المياه، والتعليق لفترات طويلة من الأطراف، والصعق بالصدمات الكهربائية، وكسر الأطراف، ونزع أظافر القدمين بكماشات، وثقب الجسم بمثقاب، وقد كان المحتجزون لدى وزارة الداخلية أكثر عرضةً للتعذيب من غيرهم _ بحسب الشهادات المتوفرة_.
وقد اعترفت لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب الحالي بأن حالات التعذيب ضد المعتقلين العراقيين في السجون الحكومية ما زالت مستمرة، و(( أن هناك حالات تعذيب نفسي وجسدي في المعتقلات)). وحسب مشاهدات اللجنة في المعتقلات يقول أحد أعضائها: ((من خلال زياراتنا للمعتقلات رأينا أن هناك من يتعرض لأبشع أنواع التعذيب من اجل انتزاع الاعترافات منهم بالقوة وان القوات الحكومية التي تشرف على هذه المعتقلات تستخدم شتى أنواع التعذيب من بينها الرجات الكهربائية والتعليق من الخلف، إضافة إلى الممارسات اللاانسانية الأخرى)) .
وأكد عضو اللجنة (حنين القدو) في تصريح مماثل حصول هذه الأمور ومضيفا: ((إن السجون الحكومية تكتظ الآن بالمعتقلين نتيجة استمرار الاعتقالات العشوائية التي تنفذها القوات الحكومية يوميا، ما يؤثر هذا الأمر بشكل سلبي على الأوضاع الصحية العامة للمعتقلين .. مشيرا إلى أن هناك فسادا إداريا وماليا كبيرا في تجهيز المواد الغذائية والصحية لهؤلاء المعتقلين، كما نقلت مصادر إعلامية مختلفة عن رئيس اللجنة ( محمد الحيدري) قوله: ((إن إحصائيات وزارة حقوق الإنسان تشير إلى أن عدد المعتقلين في السجون الحكومية يبلغ 18 ألفا و162 شخصا ، بينهم 368 امرأة، وهذا العدد كبير جدا ومخيف))، مؤكدا وجود عمليات تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان ضد المعتقلين في هذه السجون.
إلى ذلك طالبت الأحزاب العربية في كركوك بكشف مصير المعتقلين في المدينة و ودعت المسئولين ومنظمات حقوق الإنسان ((إلى ضرورة التحقق من عدد المعتقلين لدى القوات الأميركية في المدينة)). حيث أن هذه ((لا تملك إحصاءات مؤكدة عن عدد المعتقلين في السجون الأميركية والكردية شمال البلاد)).
وأكد مسئول في المركز الثقافي والاجتماعي في كركوك أن ((القوات الحكومية والكردية والأميركية تشن بانتظام حملات اعتقال في عدد من والأقضية والنواحي ذات الغالبية العربية، ولا يمكن إحصاء أعداد المعتقلين، نظراً إلى تعدد الجهات المنفذة لهذه الحملات التي تكون غالبيتها وفقاً لمعلومات غير دقيقة أو كيدية)). وأن ((العشائر العربية في القضاء بصدد الدعوة إلى عقد مؤتمر يدعو إلى ترسيخ حقوق المعتقلين وكشف مصير 235 مغيباً في معتقلات مجهولة)).. وكان مدير سجن شرطة كركوك العقيد خورشيد حميد أشار إلى أن ((عدد الموقوفين والمحتجزين في المديرية يبلغ 354 بينهم 24 امرأة اعتقلوا على خلفية تهم وجرائم)).
هذا وقد أثار تسليم ملف المعتقلين ونقلهم من السجون الأمريكية إلى الحكومية الكثير من المخاوف حول تعرضهم لانتهاكات، بعد أن كشف معتقلون تعرضهم لانتهاكات صارخة، متهمين رجال شرطة بتعذيبهم وإساءة معاملتهم واحتجاز أشخاص بدون مذكرات توقيف إضافة إلى البطء في إجراءات حسم قضايا المعتقلين، حيث شهد سجن الرصافة في بغداد إضراب عدد من المعتقلين فيه، وسجن آخر في الكوت. في حين أكد آخرون وجود انتهاكات مشابهة حدثت في محافظات أخرى .
أما الحالة الصحية للمعتقلين فمزرية إلى درجة كبيرة، فقد توفي ثلاثة وأصيب 15 عشر آخرين نتيجة إصابتهم بمرض التدرن الرئوي في سجن العدالة المركزي بمنطقة الكاظمية شمال غربي بغداد . و((إن من الأسباب الرئيسية لوفاة المساجين وانتشار المرض هو ضعف إدارة السجن وعدم توفيرها للمواد الصحية والغذائية المناسبة للمسجونين)). كما إن إدارة السجن تتعامل بشكل ((لا أخلاقي مع المسجونين من كلام بذيء وعبارات طائفية وعدم الاهتمام بشكل عام بالسجناء)).
ظاهرة انتحار المعتقلين :
دفعت أساليب التعذيب وانتهاك حقوق المعتقلين في السجون الحكومية وعدم حسم قضاياهم إلى بروز ظاهرة انتحار أعداد منهم، حيث شهدت هذه السجون أكثر من حالة انتحار، منها انتحار ((سجينين في سجن بادوش (30 كلم) غرب الموصل ، وذالك بواسطة حرق نفسيهما))، كما شهدت مدينة تكريت (شمال بغداد) انتحار أحد المعتقلين في إحدى غرف السجن الانفرادي في ناحية العلم (25 كلم) شمال مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين. وهذه الحالات هي ما تم الإعلان عنها فقط.
وكانت تقارير منظمات حقوق الإنسان المختلفة؛ قد رصدت وفي أكثر من تقرير الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون العراقيون، وأكدت أن بقاء أعداد كبيرة منهم في السجون وهم أبرياء دون أن يقدموا إلى المحاكم والقضاء ودون أن يحسم وضعهم أو محاكمتهم هي من الأسباب التي تدفع بالمعتقل إلى الانتحار.
من جهة أخرى أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات الحكومية نفذت حكم الإعدام بما لا يقل عن 120 عراقيا خلال الفترة الماضية من العام 2009 فيما ينتظر 900 آخرون المصير ذاته. وطالبت المنظمة هذه السلطات ((بوقف تنفيذ الإعدام بحق الآخرين، ومن بينهم 17 امرأة، استنفذت الإجراءات القانونية بحقهم)).. باعتبار((أن العديد من المحكومين بالإعدام أدينوا خلال محاكمات غير عادلة بناء على اعترافات انتزعت بالقوة أو ممارسة التعذيب)).
ثانيا: الخطف:
كما وقع عدد من المواطنين ضحية لعمليات الخطف التي غالبا ما تؤدي إلى قتل الضحية المخطوفة، وكانت أكثر الفئات استهدافا للخطف خلال هذا عام هي ( أطفال – نساء – طلاب وموظفو دولة من كلا الجنسين – صحفيون – عناصر من الصحوة – مدرسون – منتسبو أمن -قضاة – أطباء – مواطنون مسيحيون – عدد من المزارعين) ووصلت إحصائية الضحايا إلى وقوع (122) ضحية خطف، فيما شهد شهر كانون الثاني من هذا العام خطف 12 ضحية.. وفق إحصائية المرصد.
ثالثا: التهجير القسري:
تفاعلت قضية المهجرين بشكل كبير خلال هذا العام ولاسيما وان هناك أعدادا كبيرة من العائلات لم تتمكن من العودة إلى مناطق سكناها بالرغم من تأكيدات جهات مختلفة - حكومية وغير حكومية- تنفيذها مشاريع عدة لتشجيع تلك العائلات على العودة.
وكان تردي الوضع الأمني وقلة الدعم والمساعدة من بين الأسباب التي منعت المهجرين والنازحين من العودة، حيث ما زالت تواجه العوائل العراقية في دول الجوار مشاكل عديدة أبرزها نفاد مدخراتها المالية وضعف المساعدات التي تقدم لها أو انعدامها.
وتشير الإحصاءات التي تناقلتها وسائل الإعلام إلى وجود أربعة ملايين وخمسمائة ألف مهجر خارج العراق (حسب إحصاءات المتقدمين إلى جوازات فئة ج لدى مديرية الجوازات العراقية حتى نهاية كانون الأول 2008) ومليـــونين وخمسمائة ألف مهجر في الداخل (حسب إحصاءات وزارة الهجرة والمهجرين الحكومية)، ويعاني أولئك المهجرون من أوضاع شاقة وصعبة.
وشهد شهر تشرين الأول / أكتوبر الماضي، فرار نحو 13 ألف مسيحي من مدينة الموصل إثر أعمال عنف ضد الأقلية المسيحية في المدينة، ونزح معظمهم إلى القرى القريبة أو إلى مدن دهوك وأربيل وكركوك، بينما فر نحو 400 إلى سوريا. وذكرت الأنباء أن حوالي ثلث النازحين قد عادوا إلى الموصل بحلول نهاية العام.
من جهة أخرى وفي حملة تهجير كبيرة، أعطى مجلس محافظة النجف الضوء الأخضر للميليشيات التابعة للأحزاب الحاكمة والشرطة وأجهزة الأمن بتهجير آلاف العوائل من النجف تحت لائحة الانتماء إلى حزب البعث المحظور، مقابل صمت الحكومة في بغداد مما يوحي بتورطها فيما يجري.. ومن المعلوم أن في النجف قبل الاحتلال الأمريكي ما يزيد علي مائة وثلاثين ألفاً من البعثيين على ما تذكر بعض المصادر، وعلى الرغم من أن الميليشيات قد قامت باغتيال أعداد كبيرة منهم واختفى بعضهم؛ فقد بقيت الأغلبية منهم داخل النجف حيث لم تثبت ضدهم أية اتهامات قضائية.
* أوضاع المرأة والطفل :
أولا: أوضاع المرأة:
يحتفل العالم كل عام و خاصة النساء باليوم العالمي للمرأة الذي يوافق الثامن من آذار/مارس من كل سنة؛ والمرأة العراقية في داخل بلاد الرافدين وخارجه تعاني من شتى ألوان الحرمان والتجاوز على حقوقها الأساسية في مسلسل بدأ مع الاحتلال وهو مستمر حتى الساعة، ولكنها وعلى الرغم من ذلك فإنها لازالت تتمتع بقدر لا بأس به من التحمل لهذه الظروف المأسوية.
وكان تقرير رسمي سري كشف النقاب عنه مؤخرا قد أشار إلى أن هناك مليون أرملة بحسب (وزارة المرأة الحالية 2008) وأربعة ملايين طفل يتيم (بحسب تقديرات وزارة التخطيط)، كما أشار إلى استفحال ظاهرة الطلاق في المجتمع العراقي ليصل المعدل إلى ثلاث حالات طلاق من أصل أربع حالات زواج بعد الاحتلال، (بحسب إحصاءات وزارة العدل).
كما أشار تقرير لمنظمة العفو الدولية إلى ((تعرض نساء لتهديدات واعتداءات بسبب عدم الالتزام بقواعد السلوك الصارمة، بما في ذلك القواعد المتعلقة بالزي، ولم توفر السلطات للنساء الحماية الكافية من العنف، بما في ذلك العنف على أيدي أفراد من الأسرة. وقُتلت بعض النساء على أيدي أقارب ذكور لهن، فيما يبدو، وتقاعست السلطات عن تقديم الجناة إلى ساحة العدالة)).
وكشف مسؤولون في محافظات شمال العراق الثلاث عن تصاعد أعمال العنف ضد النساء وتؤكد إحصائيات مديرية متابعة العنف ضد النساء التابعة لوزارة الداخلية هناك أن مؤشر العنف ضد المرأة في تصاعد مضطرد، وعزا المقدم سركوت عمر المسؤول عن مديرية متابعة العنف ضد النساء في محافظة السليمانية سبب تعرض النساء للعنف إلى ((الحالة الاقتصادية التي تعاني منها المرأة الكردية)).
وتكشف إحصائيات مديريات الشرطة في المحافظات الثلاث إلى أن ((العنف ضد المرأة في تصاعد بحيث بلغ عدد الحالات التي سجلتها مراكز الشرطة 1079 حالة، مقارنة مع 715 حالة عام 2008)). وتشير الأرقام إلى تراجع أعداد النساء اللواتي يتعرضن للقتل ((فبعد أن قتلت عشرون امرأة عام 2008 بتهمة غسل العار؛ انخفض العدد إلى 17 حالة قتل عام 2009)). لكن ((حالات الانتحار حرقا ارتفعت من 119 حالة عام 2008 إلى 245 العام الماضي)).
هذا وفي حالة مأساوية ظهرت واستفحلت مع الاحتلال وحكوماته المتعاقبة، كشفت منظمات الدفاع عن المرأة العراقية ومراقبة حقوق الإنسان؛ أن هناك آلاف من النساء العراقيات تحوّلن إلى ((ضحايا القهر الاجتماعي والسياسي)) من خلال بيعهن سنوياً في أسواق (عبودية الجنس) التي تنشط داخل العراق وخارجه. وأكدت ممثلات هذه المنظمات أن تجارة العصابات الإجرامية في ذروتها الآن لتهريب نساء وبنات لا يتجاوزن أحياناً عمر الـ12 سنة.
وكشفت وكالة (ذي ميديا لاين نيوز) في تقرير نشرته صحيفة هافغنتون ستريت، أنّ العدد المتزايد - سنوياً- للنساء العراقيات اللواتي يُتاجر بهن في السوق الدولية السرّية لـ(عبودية الجنس)، سببه تضاؤل الإمكانات الاقتصادية، والحالة الأمنية المريعة التي يعيشها المجتمع العراقي منذ سنوات، وبالتحديد لمرحلة ما بعد الغزو الأميركي سنة 2003. و((إن عمليات المتاجرة بالنساء اللواتي يُهرّبن إلى الخارج في ذروتها الآن)). وبينت الوكالة أن: الحكومة العراقية مسؤولة عن حياة أولاء النساء وكرامتهن، وأطفالهن، خاصة أولئك اللواتي يتعرضن للتهريب أو يُجبرن على ممارسة الدعارة... فضلا عن الحكومتين الأميركية والبريطانية، لأن احتلالهما للعراق خلق الحالة المزرية التي يعيشها السكان.
وتقدر منظمة (نساء بغداد) أن هناك في الأقل 200 امرأة عراقية تُباع في (سوق عبودية الجنس) كل سنة، برغم أن منظمة مراقبة حقوق الإنسان - ومقرها في الولايات المتحدة- حذرت من أنّ الأعداد قد تكون أعلى، إذا ما جرى إحصاء عمليات المتاجرة بالنساء اللاجئات إلى كل من سوريا ولبنان.
ثانيا: أوضاع الطفل:
أشارت العديد من البحوث والتقارير إلى زيادة عالية جداً في التشوهات الخلقية للولادات في عموم مدن وقرى العراق، وكشفت الدراسة المشتركة التي أجرتها أجهزة مختصة تابعة لوزارات التعليم العالي والبحث العلمي والصحة والبيئة: أن أكثر من أربعين منطقة مختلفة وخاصة النجف والبصرة والفلوجة، تعاني من مستويات تلوث عالية، مما أدى إلى ارتفاع نسب الإصابة بالسرطان والتسبب بالإعاقات الخلقية لدى حديثي الولادة.
ففي مدينة الفلوجة التي كانت مسرحاً لمعركتين عنيفتين بعد الاحتلال (2004)، يتعامل الأطباء مع حالات تشوه مزمنة chronic deformities)) تصاعدت إلى حدود 15 مرّة بين الأطفال الرضّع وارتفاع حالات السرطان في وقت مبكر من الحياة.. هذه التشوهات مرتبطة بالمواد السامّة التي خلّفتها تلك المعارك. وناتجة عن استخدام القوات الأمريكية لأسلحة كيماوية أو فوق تقليدية عند اجتياحها للمدينة قبل خمس سنوات .
وكانت صحيفة (الجارديان) البريطانية قد أشارت إلى أن أطباء عراقيين حذروا في نوفمبر الماضي من تزايد نسبة المواليد بإعاقات مختلفة بالفلوجة، في ظل تأثر الجهاز العصبي وأدمغة الأمهات والأجنة بالتلوث الناتج عن طبيعة الأسلحة والقذائف التي استخدمتها القوات الأميركية في قصف المدينة بشكل مكثف عام 2004.
من جهة أخرى فإن ((الأسر استنفذت مدخراتها وأصبحت تعاني من الفقر بشكل متزايد. وهناك دلائل على أن المزيد من الأطفال ينقطعون عن المدرسة ويدخلون سوق العمل لمساعدة أسرهم)) أكدت ذلك مسئولة الإعلام بمكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بدمشق، وأضافت ((كما أن التزويج المبكر للفتيات بدأ يشهد بدوره تزايداً مستمراً نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة)). وأنه ((وفقاً لتقديرات الحكومة، هناك عدد أقل من الأطفال العراقيين المسجلين في المدارس خلال العام الدراسي 2008 -2009 مقارنة بالعدد المسجل في السنة التي قبلها. نحن نعتقد أن هذا مرتبط بشكل أساسي بالصعوبات الاقتصادية وإعادة التوطين والعودة)) .
من جهتها، أفادت وزارة التعليم الحالية أن هناك 32,425 طالباً عراقياً مسجلاً بشكل رسمي في المدارس خلال العام الدراسي 2008-2009 مقارنة بحوالي 49,132 خلال العام الدراسي 2007-2008.
* الخدمات والبنى التحتية :
يعاني الاقتصاد في العراق من فوضى حقيقية بسبب قيامه على أسلوب العمل العفوي غير المعتمد على خطط تنموية أو إطار علمي يضمن نتائج ايجابية لتحقيق النهوض والنمو. فقد انهارت تماما ركائز الاقتصاد الصناعية والزراعية والتجارية حتى أصبح البلد يستورد كل شيء بدءا من المنتجات والسلع الصناعية وحتى السلع الزراعية كاللحوم والخضار والفواكه.
وكان (جيمس كوغان) الخبير المالي المتابع للاقتصاد العراقي، قد أشار إلى أن كل التوقعات للأوضاع الاقتصادية في العراق كانت غير دقيقة، ففائض العام الفائت الذي بلغ 22 مليار دولار، صُرف على ميزانية إضافية خصصت منها مبلغ 14,3 مليار دولار لأعمال قدمها الاحتلال الأميركي، والباقي صُرف على الأقرباء وجهاز الدولة الفاسد. وفي مسودة تقرير وضعته لجنة في الكونغرس الأميركي جاء فيه ((أن مبلغ 117 مليار دولار صرفته المؤسسة العسكرية الأميركية والحكومة الحالية منذ عام 2003، تم تبذيره في مشاريع غير منتجة، أو اختفى بسبب الفساد وسوء الإدارة)).
ومع اقتراب الغزو من نهاية سنته السابعة، فان البطالة في العراق وصلت إلى 38,1%، وتصر الحكومة على إعطاء نسبة رسمية لا تتجاوز 17,6%. هذه البطالة موجودة في الاقتصاد العراقي، على الرغم من امتصاص جزء كبير منها عن طريق الوظائف الأمنيّة والعقود الوقتية وشبكة الحماية الاجتماعية، لكن المشكلة لا تزال قائمة لعدم استغلال الموارد البشرية بشكل كفوء .كما إن أكثر من 70% من العائلات تعيش على اقل من 210 دولارات في الشهر، وإذا عرفنا أن كل عائلة تتكون من معدل يتراوح ما بين 6 و10 أفراد، نصل إلى أن أكثر من 17 مليون عراقي يعيش على دولار واحد يومياً.
وتناولت إحصاءات رسمية كشف- عنها أخيرا - الحالات الصحية والاجتماعية والمعيشية والتربية والتعليم في البلاد، فسجلت الآتي :
•67000 حالة (ايدز)، بعدما كان العدد الإجمالي للمصابين بهذا المرض قبل الاحتلال 114 (وفقاً للإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة الحكومية (.
• 40% من الشعب العراقي هو تحت خط الفقر.. حسب (وزارة حقوق الإنسان الحكومية).
• أربع شبكات للاتصالات اللاسلكية قيمة كل شبكة 12 مليار دولار يملكها مسؤولون وقادة أحزاب وهي شركات (كورك) ، و (آسيا) و (زين) و (أثير).
• انحدار التعليم الجامعي والأساسي.. حسب (منظمة اليونسكو).
• عشرات آلاف الشهادات المزورة لمسؤولين وضباط ومديرين عامين وكوادر حزبية تشغل مناصب قيادية في الدولة.. حسب (إحصاءات موثقة في هيئة النزاهة الحكومية ) .
• سيطرة التخلف على المجتمع العراقي بعدما كان العراق الدولة الأولى في العالم التي محت الأمية بالكامل (1977).. بحسب منظمة اليونسكو .
وفي قطاع النفط دأبت الحكومة الحالية على اتخاذ خطوات متسرعة وغير مدروسة لتوقيع عقود نفطية طويلة الأمد، سترهن الاقتصاد العراقي، وتبدد ثروات الشعب، وتتجاهل دور الحكومات المقبلة، والنصائح المخلصة التي قدمها معظم خبراء النفط العراقيين، بما في ذلك غالبية المدراء العامين في المؤسسة النفطية العراقية ووزراء نفط سابقين .
وقد حذر عدد من السياسيين من استغلال شركات النفط العالمية لضعف الحكومة الحالية في جني مكاسب غير شرعية على حساب ثروات الشعب العراقي، معتبرين أن العقود النفطية التي يوقّعها العراق حالياً تسييس مريب لعملية اقتصادية كبيرة، خدمة لأهداف انتخابية مفضوحة، بدون أدنى مراعاة لمصالح العراقيين المشروعة.
الفساد المالي والإداري :
أصبح الفساد الإداري والمالي فضلا عن الأخلاقي هو الصفة البارزة والملازمة للحكومات الأربع التي قامت في العراق بعد الاحتلال. وإذا كان هذا المرض قد استشرى في الهرم الحكومي من أعلاه إلى أسفله فما عساه ينفع معه فصل هذا الموظف أو محاكمة ذاك المسؤول أو رفع حصانة مزعومة عن آخر .
وفي هذا الصدد ذكرت تقارير من بغداد، أن السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، قد طلبت رسمياً من رئيس الوزراء الحالي في 14-12-2009، إعادة التفكير في بناء هيكلية مكتبه، لأنه يتضمن بعض المستشارين المتورّطين في الفساد المالي، وفي قضايا أمنية، وفي علاقات مشبوهة مع شركات نفط عالمية. وأعلنت (هيئة النزاهة الحكومية) أن ((الهيئة أحالت خلال شهري /كانون الثاني/ يناير و شباط/ فبراير/ من العام الحالي 356 متهما إلى محكمة الجنايات بتهم فساد بلغت قيمتها 46 مليار دينار" وأن : ((أوامر القبض الصادرة خلال الشهرين الماضيين بلغت 433 مذكرة بينها أربعة بحق موظفين كبار بدرجة وزير، و18 بدرجة مدير عام)) .
وفي مثال بارز على ما تقدم ذكره من فساد إداري ومالي؛ شاب عمل قوى الأمن الحكومية التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع الكثير من الفساد المالي والإداري خلال الفترة الماضية، ومن ذلك ما كشفت عنه صحيفة (التايمز) البريطانية في تقرير لها، من إن تلك القوات قد أنفقت خلال السنتين الماضيتين عشرات الملايين من الدولارات على أجهزة كاشفة للمتفجرات، كان أخرها صفقة أبرمتها الحكومة الحالية مع شركة (أي تي أس سي ليمتد) البريطانية بقيمة 85 مليون دولار للحصول على أجهزة كاشفة للألغام والمتفجرات تصنعها الشركة، تقتصر على هوائي راديو تلسكوبي مثبت على مقبض بلاستيكي أسود، أثبتت أنها عديمة الفعالية على الرغم من ثمنها الباهظ.. ويعادل سعر الجهاز الواحد منها سعر سيارة ويستخدم في نقاط التفتيش التابعة للجيش وقوات الأمن الحكومية في جميع أنحاء العراق؛ علما أن ((الكثير من الأشخاص قتلوا نتيجة الانفجارات في العراق بعد أن فشلت هذه الأجهزة التي باعتها الشركة البريطانية في الكشف عن وجود القنابل)).
وعلى الرغم من أن الشركة المصنعة للجهاز تدعي أنه يستطيع كشف أي شيء من متفجرات ومخدرات من مسافة (1كلم) فإن الحكومة الأميركية ذكرت أنها أجرت تجربة على جهاز مماثل للجهاز المذكور؛ ففشل في اكتشاف شاحنة محملة بطن من المتفجرات رغم مرورها خلف عامل أمن يحمل ذلك الجهاز.
ولازالت مصادر حكومية في وزارة الداخلية الحالية تصر على أن الأجهزة «صالحة تماما بنسبة 100%»في الوقت الذي كشفت فيه السلطات البريطانية النقاب عن فضيحة الأجهزة - التي بيعت بملايين الدولارات إلى العراق- بأنها غير صالحة للعمل.
* الوضع التربوي والتعليمي :
اعترف مسؤول حكومي بأن ((العراق الآن يعاني من ازدياد نسبة الأميين بنسبة مقلقة جداً ويجب التسريع بتشريع قانون محو الأمية الذي قدم منذ عام ونصف العام على طاولة مجلس النواب ولم يصادق عليه، فضلاً عن عدم تخصيص دولار واحد من موازنة الدولة لعام 2010 لمشاريع إقامة دورات محو الأمية، وأن البيئة العراقية الآن أصبحت ممتازة جداً لانتشار الأمية. ولا غرابة إن قلنا إن أعداد الأميين في العراق بلغت 5 ملايين عام 2008 و2009 بينما عام 1991 انتهت ولم يبق أي أمي في العراق)) .
أما حالة معظم المدارس في العراق فهي أصبحت غير خافية على أحد بعد أن تناولتها وسائل الإعلام بكثرة، حيث قلت الأبنية المدرسية الأمر الذي جعل الطلاب يحشرون مع بعضهم بطريقة غير سليمة وقد تصل أعدادهم إلى أكثر من خمسين طالبا في الصف الواحد ويتشاركون في المقاعد، كما أنها قادت إلى دمج عدة مدارس في بناية واحدة، فلا يستغرب الآن وجود (المدارس الثلاثية) حيث تتقاسم ثلاث مدارس ابتدائية ساعات النهار (القصير) ويؤدي تعدد المدارس في بناية واحدة إلى قلة ساعات التعليم المخصصة لها؛ وهنا نستطيع أن نستخلص النتائج التعليمية السيئة (لهذه الظاهرة المؤسفة).
* الوضع البيئي :
كشفت دراسة أجرتها أجهزة مختصة تابعة لوزارات التعليم العالي والبحث العلمي والصحة والبيئة؛ أن الأراضي العراقية واقعة تحت تأثير مستويات عالية من التلوث الكيماوي والنووي والمواد السُمية الخطرة، وخاصة تلك المناطق التي تعرضت لقذائف اليورانيوم المنضب، في الحروب التي شهدتها البلاد.
وأدى استخدام الأسلحة والذخائر والتفجيرات بمختلف أنواعها بالحرب وتلك التي استهدفت خطوط أنابيب النفط على مدار ثلاثة عقود لتلوث أجواء البلاد بمواد خطرة، كان من شأنها التسبب بكوارث صحية وإنسانية بأنحاء متفرقة، حيث أن ساحات الخردة المعدنية (السكراب) في العاصمة بغداد وفي البصرة جنوب البلاد تحتوي على معدلات عالية من الإشعاعات، والتي نتجت عن اليورانيوم المنضب الذي استخدم بالأسلحة والقذائف أثناء غزو العراق عام 2003 .
واعترفت وزيرة البيئة في الحكومة الحالية بأن الأراضي الزراعية واقعة تحت تأثير المواد الملوثة ذات السُمية العالية خاصة البصرة تعود لكونها كانت مسرحا لحروب استخدمت فيها أنواع متعددة ومختلفة من الأسلحة؛ مما ترك آثاراً سلبية على نطاق واسع على البيئة والصحة العامة على حد سواء».
هذا وقد كشف تقرير للبنتاغون بصدد "مخلفات الحرب" في العراق، أن كل جندي أميركي يترك وراءه من 9 إلى 12 باوندا من (النفايات المحرمة) يومياً استنادا إلى أرقام وزارة الدفاع الأميركية. ثم إن هناك الأسلحة غير المتفجرة، حيث يقدر المسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية بأن هناك 3_5 % من القنابل والصواريخ يتم الفشل في تفجيرها. وفي مناطق تكثر فيها الرمال فان المعدل قد يرتفع إلى 15 % ، استنادا إلى معلومات برنامج الأمم المتحدة.
ويمكن من هذه الأرقام وحدها تقدير حجم الكارثة البيئية التي يواجهها العراق والناجمة عن عمليات قوات الاحتلال العسكرية وقواعدها، ومدى الخطورة على البيئة والإنسان، والطبيعة عموماً في العراق، حيث يلاحظ عموم المواطنين العراقيين وكل من عمل في البلد خلال السنوات السبع التي أعقبت الغزو الكيفية التي تغيّر فيها مناخ العراق، لاسيما تلك العواصف الرملية التي تتكرر يومياً تقريباً في فصل الصيف على نحو التحديد، فيما كانت مثل هذه الظاهرة المناخية نادرة الحدوث!.
هنا ينبغي التنبيه على وجوب أن تتحمّل دول الاحتلال وخاصة أمريكا، مسؤولية تنظيف مناطق القواعد التي تركتها أو مواقع العمليات العسكرية. وأن واشنطن مجبرة على إتمام ذلك، وينبغي أن تولي الأمم المتحدة هذا الموضوع اهتماما حقيقيا، أو تدفع تعويضات ضخمة، بأضعاف ما دفعه العراق بعد غزوه للكويت حيث فرضت الأمم المتحدة تعويضات خاصة بالإضرار بالبيئة.
وفي موضوع ذي صلة تتعرض مناطق شاسعة من الأهوار في الناصرية للجفاف الشديد، وقد حذرت من ذلك منظمة (طبيعة العراق) المعنية بشؤون البيئة وعدته الموجة الأشد قسوة التي تضرب المنطقة في تاريخها الحديث. حيث أن سكان بعض تلك المناطق هاجروا نتيجة ذلك من أجزاء الأهوار الوسطى وخصوصا المنطقة الممتدة بين الجبايش والمدينة وهور أبوزرك الجنوبي و هور الحويزة، إلى مناطق أخرى أكثر وفرة بالمياه، فيما أعلنت دوائر رسمية تعليق أعمالها نتيجة لذلك.
* المجال الصحي :
أكدت دائرة صحة محافظة ديالى، وفاة شخصين بأنفلونزا الخنازير، فيما وصل إجمالي حالات الإصابة بالمرض في عموم المحافظة إلى ثمان وثلاثين حالة، وفي وقت سابق أعلن مصدر طبي مسئول في دائرة صحة ديالى عن تسجيل حالتي وفاة جديدتين بمرض أنفلونزا الخنازير الوبائية في محافظة ديالى وبذلك زاد عدد الوفيات بهذا المرض إلى 4 أشخاص خلال أسبوع واحد .
فيما أعلنت وزارة الصحة في (كردستان العراق) أن آخر حصيلة للمصابين بمرض H1N1 والمسمى بمرض أنفلونزا الخنازير وصل إلى 76 حالة منها 6 حالات وفاة حيث من المتوقع أن تتكرر هذه الموجة من المرض ووصولها إلى إقليم كردستان .
إلى ذلك، أعلنت لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة البصرة عن تسجيل عشر إصابات جديدة بالأنفلونزا وتشخيص عدد من الحالات المشتبه بها، فيما افتتحت الجهات الصحية ردهة ثانية لمعالجة المصابين في مستشفى البصرة العام. وكشفت عضو اللجنة الدكتورة (سكنة فلك المالكي) عن تلقي مديرية صحة المحافظة أخيرا كمية كبيرة من العلاجات الخاصة بالأنفلونزا الوبائية من شأنها تامين العلاج لأكثر من احد عشر ألف مريض، بحسب قولها.
وفي موضوع ذي صلة وفي تقرير يكشف حجم الهدر في أموال إعادة الأعمار في العراق في المجال الصحي هذه المرة، وصف مشروع مستشفى الأمراض السرطانية في البصرة بأنه من أكثر مشاريع إعادة الأعمار العراقية سوءاً في سمعته، حيث كلف 168 مليون دولار، فيما تأخر استكمال بنائه لأكثر من أربع سنوات وأضيف مبلغ 115 مليون دولار على الميزانية المخصصة له.
* الحريات الصحفية :
شهد العام الفائت الكثير من الأحداث والظواهر التي تتعلق بمجال العمل الصحفي وترتبط بالحريات الصحفية وحق الوصول إلى المعلومة، حيث رصدت الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين العراقيين عددا كبيرا من حالات الاعتداء والتجاوز التي رسمت معالم ومشاهد مسلسل انتهاكات الحريات الصحفية وحق الصحفيين في ممارسة المهنة وتغطية النشاطات والأحداث.
فقد شهدت الساحة العراقية خلال عام 2009 وبحسب هذه الجمعية ( 94 ) انتهاكا للحريات الصحفية شملت بتداعياتها ونتائجها ( 127 ) صحفيا وإعلاميا، وتنوعت بين حوادث الاغتيال والاعتداء الجسدي ورفع الدعاوى القضائية والاعتقال والاحتجاز المؤقت والمنع القسري تحت تهديد السلاح من تغطية الأحداث والنشاطات فظلا عن بعض الإجراءات الحكومية الخاصة بتقييد بعض مسارات وأشكال العمل الصحفي والإعلامي مثل محاولة فرض الرقابة على المواقع الالكترونية والصحف والمطبوعات.
فكانت هناك 9 محاولات اغتيال قتل من جرائها 7 صحفيين وفشلت محاولتين اثنتين، كما شهد هذا العام عدد كبير من حوادث الاعتداء الجسدي المباشر والاستخدام غير المبرر للقوة ضد الصحفيين لأسباب غير مبررة أدت هذه الانتهاكات في بعض الحالات إلى تعرض المعتدى عليهم إلى إصابات وأضرار جسدية ومادية تتعلق بمستلزمات العمل الصحفي مثل الكاميرات وأضرار نفسية ومعنوية. ورصدت (27) حالة اعتداء جسدي ومنع قسري من التغطية الإعلامية شملت أكثر من (78) صحفيا فضلا عن عدد غير محدد جرى منعهم بالقوة والتهديد من التغطية. واحتلت بغداد المرتبة الأولى في عدد هذه الانتهاكات وتليها محافظات كردستان في المرتبة الثانية.
وقد أدان الاتحاد الدولي للصحفيين محاولة اغتيال الصحفي عماد العبادي، مدير قناة الديار، واتهم الحكومة الحالية (بالإهمال الفضائحي) بسبب فشلها في مواجهة ظاهرة ((إفلات قتلة الصحفيين من العقاب)) والقيام بعمليات تحقيق ملائمة في الهجمات التي استهدفت الإعلاميين العراقيين، حيث أظهر هذا الهجوم حجم الخطر على حياة الصحفيين المستقلين في العراق.
وكان العبادي إضافة لانتقاده الاحتلال الأمريكي في العراق، قد كتب عن الفساد المالي في مكتب الرئيس الحالي، هذا بالإضافة إلى نقده للأجهزة الأمنية الحكومية، واصفا بعضها إنه يعمل بشكل غير شرعي وخارج عن إطار الدستور.
وفي (كردستان العراق) وحدها، تعرض الصحفيون خلال الفترة من بداية 2009 إلى 25 كانون الأول/ديسمبر منه إلى 132 انتهاكا مختلف الأنواع، و((كانت سنة 2009 كسابقاتها سيئة وخطيرة لصحفيي العراق ويمكن أن نسميها سنة مليئة بالبؤس للصحفيين")) حيث ((التهديد وإعاقة العمل الصحفي والقتل وخطف الأبناء والأقارب وتسجيل الدعاوى القانونية ضدهم، كانت من أبرز المشاكل التي عانى منها الصحفيون في العراق)) .
فقد قامت قوات الاحتلال الأمريكية وبتاريخ 10/3/2010 بقتل الصحفية أسيل العبيدي في بغداد منطقة حي السلام، حيث كانت تلك القوات تسير بالاتجاه المعاكس للسير مما فاجأ سائق السيارة التي كانت تقل العبيدي وتوقف فجأة، وقامت القوات الأمريكية بإطلاق النار على السيارة مما أدى إلى إصابة العبيدي برصاصتين الأولى في رأسها والثانية في رقبتها وأديتا إلى مقتلها على الفور. وقتل كذلك قائد السيارة التي كانت تقلها.
كما أبلغت مراسلة قناة الاتجاه الفضائية سارة الحمداني، أنها تلقت (تهديدات) من المفتش العام في وزارة الصحة عادل محسن على اثر بثها تقريرا في قناة الاتجاه الفضائية في الثالث من مارس الحالي عن عائلة تعاني من إصابات وحالات مرضية بحاجة إلى معالجة صحية سريعة في بغداد .
وفيما يخص الاعتقال والحجز التعسفي ضد الصحفيين والإعلاميين فقد رصدت الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين ومن خلال مكاتبها في المحافظات عدد من هذه الحالات، مؤكدة إنها جرت دون غطاء قضائي أو قانوني كما إنها غالبا ما كانت تحدث بشكل مزاجي وكيفي إضافة إلى خضوعها لتأثيرات الاجتهادات والتأويلات الشخصية للجهة التي تقوم بأعمال الاعتقال والحجز، بل وصل الأمر إلى خضوعها لمزاجية فرد أو بضعة أفراد من الأجهزة الأمنية . وفي محافظات (كردستان العراق) تلقى عدد من الصحفيين تهديدات بالقتل أو واجهوا المحاكمة بعدما كتبوا مقالات عن الفساد أو انتقدوا سياسات الحكومة الكردية الإقليمية والحزبين الكرديين الأساسيين في المنطقة، وقد قُتل أحد الصحفيين.
هذا وقد شهد عام 2009 (29) حالة اعتقال وحجز تعسفي للصحفيين، كانت لبغداد الحصة الأكبر فيها تليها (محافظات كردستان الثلاث) فيما توزعت الحوادث الأخرى على بقية المحافظات. كما شهدت الانتخابات الأخيرة انتهاكات قمعية خطيرة مارستها جهات عسكرية وأمنية بحق الصحفيين و مؤسساتهم الإعلامية وكانت الانتهاكات في (محافظات كردستان) الأكثر شدة، حيث شهدت 23 انتهاكاً فيما شهدت بغداد والمحافظات الأخرى 27 انتهاكاً.
* أوضاع الأقليات :
يرصد قسم حقوق الإنسان في الهيئة بكثير من القلق ما يخص أوضاع الأقليات خلال العام الفائت الذي شهد تعرض مسيحيي العراق إلى الكثير من الأذى كغيرهم من العراقيين، ومن ضمنه أعمال القتل التي طالتهم في عدد من أماكن تواجدهم ولاسيما محافظة الموصل. وحسب الأرقام المعلنة من المصادر المهتمة بشؤون المسيحيين في العراق؛ نجد الآتي: ذكر رئيس (الجمعية الثقافية الكلدانية نحو السلام في العراق) أن 1960 مسيحيا قتلوا في مناطق مختلفة في العراق منذ شهر آذار مارس من عام 2003. كما أن المسيحيين في العراق ((يعيشون حياة تعيسة في ظل استهدافهم من قبل جماعات مسلحة)). منتقدا الحكومة الحالية لعدم تمكنها من وقف الاعتداءات على المسيحيين و أنها ((وعدت أكثر من مرة بتعويض المسيحيين المتضررين ولكنها لم تنفذ وعودها)) ومشيرا إلى أن ((موجات العنف ضد المسيحيين لم تأتِ من فراغ بل هناك خطة لطرد كافة المسيحيين من العراق بدعم من إحدى دول الجوار)).
كما استمرت عملية استهداف الأقلية المسيحية في كركوك من قبل مجموعات (مجهولة) بالقتل والتهجير، فبعد أحداث البصرة وبغداد والموصل، أكدت جهات في كركوك استمرار حملة استهداف المسيحيين ليصبحوا هدفا لتلك المجموعات، وضحية لصراعات سياسية لا دخل لهم فيها بين القوى المشتركة في العملية السياسية على خلفية الصراع على النفوذ في بعض مناطق كركوك كما هو الحال في بعض مناطق الموصل.
* الخاتمة :
وصفت صحيفة بريطانية (حرب احتلال العراق) بأنها مغامرة عسكرية طائشة ومتهوّرة ومخطط لها بشكل سيء، كلّفت أكثر مما ينبغي من المال، وعدداً كبيراً جداً من الأرواح. وإن الحرب بدأت بأكذوبة صدقها جنود التحالف، وهي ((الدخول من الكويت لإسقاط نظام صدام حسين والعودة خلال أسابيع)). كما أنها ((الحرب الأكثر إثارة للجدل)) منذ فيتنام!.
وهاهي الإدارة الأمريكية تنقذ مرتزقة جيش (الماء الأسود). حيث أصدر القاضي الفيدرالي الأميركي ريكاردو أوربينا حكمه بإسقاط التهم الموجهة إلى خمسة من حراس الشركة، التي تحمل الآن اسم «إي اكس سرفسز» بارتكاب مجزرة بشعة قتلوا فيها 17 مدنيا عراقيا، وجرحوا 18 آخرين، بالرشاشات والقنابل اليدوية في ساحة النسور. وفي كل الأحوال ليس مستغربا ما حصل من تبرئة وليس مستغربا كذلك الدور المكمل للحكومة الحالية التي لم تحرك ساكنا في هذا الشأن.
وعلى الرغم من كل ما جرى ويجري فإن هناك نقاطا مضيئة تستحق التقدير؛ فبعد المواقف المشرِفة لعدد ممن انخرط في أجهزة الجيش والشرطة الحكوميتين وتصديهم لاعتداءات وتجاوزات جنود الاحتلال ومرتزقته، جاء الدور هنا لعدد من قضاة العراق ورجال العدالة فيه الذين وقفوا وقفات مهنية أصيلة وأصدروا قرار الحكم بالبراءة لأحد رجال المقاومة العراقية الذي ألقى قنبلة يدوية على قوات الاحتلال الأمريكية، واستندوا في قرارهم هذا على نصوص المواثيق الدولية التي سمحت وأباحت مقاومة الاحتلال حتى بالأعمال المسلحة،كما استندت إلى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، التي فرقت بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، ولم تشر إلى استثناء القوات الأمريكية من حق الشعوب في مقاومة الاحتلال.
الهيئة نت
ح
قسم حقوق الانسان في الهيئة يصدر تقريره السنوي حول الاوضاع الانسانية بالعراق في ظل الاحتلال
