الصعود الواضح الذي حقّقه الإخوان المسلمون في الانتخابات البرلمانية المصرية ـ في حقيقة الأمر ـ ليس مفاجأة لأي خبير أو متابع للشؤون المصرية وتوجهات السياسة لدى الشارع المصري، فالحقيقة التي لا مراء فيها ويراها من زمن متوسط على الأقل البصير ونصف البصير هي:
- الأمر الأول: أن لجماعة الإخوان المسلمين وجوداً قوياً في الشارع المصري أكبر من أي حزب سياسي أو حركة سياسية علنية أو سرية مقبولة قانوناً أو محجوبة عن الشرعية، ومن الطبيعي أن تفرز أي انتخابات نزيهة أو فيها أي قدر من النزاهة هذه الحقيقة.
- الأمر الثاني: الذي يعرفه الجميع أيضاً أن للشعب المصري وجداناً إسلامياً عالياً جداً، ومن البدهيّ أن يُعبّر عن هذا الوجدان في الانتخابات، كما يُعبّر عنه في غير الانتخابات.
- الأمر الثالث: الذي يعرفه الجميع أيضاً أن كل الانتخابات التي أُجريت بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية ما يُسمى بالحرب على الإرهاب جاءت بالإسلاميين. حدث ذلك في تركيا وإيران والبحرين...الخ. فلماذا تكون مصر استثناء؟!.
- الأمر الرابع: هو أن مستوى الفساد والرشوة والمحسوبية داخل الإدارة المصرية سيجعل الناس يحاولون معاقبة الحكومة وحزبها ورموزها بكل الطرق الممكنة.
لماذا إذن حالة الذعر، كما لو أن زلزالاً حدث بفوز الإخوان المسلمين بنسبة لن تتعدى 25 % بأي حال من الأحوال مع كون ذلك أمراً متوقعاً أولاً؟! وهو أيضاً لن يغير من إمكانية انفراد الحكومة والحزب الوطني باستصدار أي قرار من مجلس الشعب بما أن الحزب الوطني فاز بأغلبية تزيد على الثلثين!! وأنه وفقاً للمنظور والمعلن فإن جماعة الإخوان لا تستهدف الوصول إلى السلطة ولا الانفراد بها قريباً.
وبصرف النظر عن موضوع مشاركة الإسلاميين في السلطة في ظل العولمة، وبصرف النظر عن الرأي في الإخوان المسلمين جماعة أو أفكاراً أو برنامجاً سياسياً معلناً أو مضمراً، وفي قياداتهم وكوادرهم، وفي سلوكهم ومنهجهم...الخ، فإن الإنسان لا يستطيع أن يتعامى عن حقيقة واضحة للعيان، وهي أن ذلك الذعر الهائل الذي ظهر من غير المسلمين، ومن مسلمين علمانيين "لا سيما اليساريين"- أمر غير منطقي أولاً، فالإخوان مواطنون مصريون من حقهم النجاح في الانتخابات بأية نسبة، ونحن بحاجة هنا إلى البحث في أعماق هذا الأمر لعلنا نكتشف السبب الحقيقي وراء هذا الذعر.
لنرَ – أولاً- ردود أفعال المذعورين ثم نحللها، فالبابا شنودة مثلاً ـ بطريرك الكنيسة المصرية ـ أعرب عن قلقه من صعود الإخوان، وقال إنه أبلغ القيادة السياسية بذلك. وبداية من المفروض أن البابا شنودة رئيس ديني، ووفقاً لتقاليد الكنيسة المصرية وعقائدها فإن عليه أن يقتصر على الأمور الروحية، ولا يشارك في المسائل الزمنية، ومع ذلك فإذا شارك فهل من حقه مثلاً أن يمارس وصاية على الشعب المصري الذي يبلغ تعداد المسلمين فيه أكثر من 94 %؟! ولماذا يقلق البابا أصلاً ولم تُسجل حالات اعتداء إخوانية على المسيحيين مثلاً، بل ويحرص قادة الإخوان على فعل وقول كل شيء لطمأنة الأقباط؟!!
ويصل الأمر إلى حد أن يقول سياسي مسيحي، وهو مفكر وعضو مجلس شعب سابق ـ الدكتور ميلاد حنا ـ وأستاذ جامعة، بل ومعروف بحضوره لحفلات الإخوان المسلمين، وإشادته بهم من قبل، يصل الأمر إلى حد أن الرجل يصرح للصحف المصرية بأن أغنياء الأقباط سوف يهاجرون من مصر بسبب صعود الإخوان!! أما فقراؤهم فسيتحولون إلى الإسلام أو يعانون من الاضطهاد!!.
وبدهيّ أنه لا الإسلام ولا مفهوم الإخوان للإسلام يسير باتجاه اضطهاد الأقباط، ونكرر أن ذلك على فرض وصولهم إلى السلطة، وهو ما زال أمراً بعيداً حتى الآن لاعتبارات كثيرة!!.
على جانب آخر نجد أن المثقفين العلمانيين يبدون ذعراً بلا حدود، فهم يخوفون الناس من الإخوان، ويقولون: إنهم سوف ينشرون الخراب، وإن المثقفين لن يعيشوا بعد الآن في أمان...الخ ما دام الإخوان قد حصلوا على هذه النتيجة في الانتخابات!!.
ثم يبحثون عن طريقة لمنع ذلك، وكأنه ليس من حق الإسلاميين عموماً والإخوان خصوصاً المشاركة في السلطة أو الوصول إليها. فهل هؤلاء أوصياء على الناس مثلاً؟!
ثم يصل بهم اليأس إلى حد اتهام الناس بالجهل، واتهام النظام الانتخابي بالفساد بدلاً من أن يعترفوا أمام أنفسهم بأنهم معزولون في برج عاجي، وأنهم في تعالٍ زائف عن الجماهير، ويستخدمون خطاباً ومفاهيم ومصطلحات لا يفهمها الناس أو يرفضونها.
ومن هنا فإن عليهم إما احترام وجدان الناس أو القبول على الأقل بما يختاره هؤلاء الناس، أو الاعتراف بأنهم لا يريدون صندوق الانتخاب كطريق إلى السلطة، وفي هذه الحالة فإنهم هم الذين يوصفون بـِ"الإقصاء والتكفير السياسي"، وليس الإخوان الذين قبلوا بقواعد العملية السياسية ومارسوها تحت ظروف صعبة، فهم جماعة محظورة تمارس ضدهم البلطجة والنفوذ الحكومي.
وهكذا فإن إقالة الشعب من العملية السياسية أقرب إليهم من الاعتراف بحق هذا الشعب في اختيار ممثليه ما دام ينتخب الإخوان المسلمين!!.
لنبحث إذن عن السبب الكامن وراء هذا الذعر. إن السبب في رأيي هو اكتشاف هؤلاء جميعاً أنهم بذلوا الوقت والمال والجهد، بل ومارسوا الكذب والخداع وعمليات غسيل المخ، وكذا قامت نظم ديكتاتورية بقمع الناس إلى آخر مدى بهدف صرف الناس عن الإسلام، فإذا محصلة ذلك كله هي أن الشعب المصري تمسك أكثر بإسلامه، واختار من يرفع شعار الإسلام حتى ولو كان له على هؤلاء الرافعين للشعار تحفظات كبيرة أو صغيرة. إذن فالسبب الرئيس هو الحقد على هذا الدين الذي لا يوجد حل هناك لاستئصاله من النفوس!!.
الإسلام اليوم
5/12/2005
صعود الإخوان في الانتخابات.. والذعر العلماني!.. د. محمد مورو
