منذ أنّ تمّ الكشف عن تفاصيل التحقيق \"غير المنتهي\" في الأمم المتّحدة الذي من المفروض أنّه سري كان واضحاً أنّ الهدف هو الابتزاز. وبالفعل فقد تمّ استصدار القرار (1636) في الأمم المتحّدة ضدّ سوريا, و بعدها أخذت الأحداث طابعاً متسارعاً، و أخذت مفاجآت جديدة بالظهور بعد أن أصبحت سوريا تتقن قواعد اللعبة على ما يبدو، وتلعب بنفس الأسلوب الذي يُستخدم ضدّها.
التحقيق و حرب الشهود
كثيرون هم من عدّوا أنّ شهادة السوري هسام هسام (الشاهد المقنّع) - التي أدلى بها في سوريا والمناقضة لأقواله في بيروت التي كان التحقيق يستند بشكل رئيس وأساس إليها - هي مجرد فبركة من قبل النظام السوري الهدف منها تضليل التحقيق.
وقامت وسائل الإعلام اللبنانية المرئية والمسموعة والمكتوبة بالتسابق بالرد على الشاهد، وممّا جاء عن صفاته فيها أنّه: منافق, سيء السمعة والسيرة, كاذب, مهرب مخدرات, عميل, مُدان سابقاً...الخ. لكن قبل الوصول إلى هذا الاستنتاج نطالب الجميع بعرض التساؤلات الآتية والإجابة عنها كي تتضح الصورة جيداً.
- أولاً: لماذا عندما كانت شهادة هسام هسام تصبّ في خانة إدانة سوريا كانت وسائل الإعلام اللبنانية تصدّع رؤوسنا بمدح "الشاهد المقنّع", فمرّة تنقل أن "الشاهد المقنّع" قد فضح اللعبة، وأنّ "الشاهد المقنّع" قد أبهر الجميع بالحقيقة التي قدّمها, وإنّ "الشاهد المقنّع" يطيح بالرؤوس الأمنية ويكشف المخطط السوري...الخ, وعندما أصبحت شهادة هسام هسام تصبّ في الخانة الأخرى أصبح مهرب مخدرات, سيرته سيئة, كذّاباً منافقاً, وعميلاً, ...الخ؟!. أليس لأنّ المصلحة اختلفت هنا حتى وإن كان كلامه الأخير هو الصحيح؟!.
- ثانياً: كيف استقبلت لجنة التحقيق شاهداً بهذه الصفات السيئة، وجعلت أقواله ركيزة أساسية، وركناً هاماً في بناء الاتهامات، واعتقال المشتبه بهم, وإصدار قرار في الأمم المتّحدة بناء على نسخة التقرير غير المنتهية التي تستند إلى شهادة مثل هذا الشاهد؟! (على افتراض أنّه كاذب, منافق, مهرب مخدرات, مدان...الخ).
- ثالثاً: لماذا لا تقوم اللجنة بمراجعة ما تمّ الأخذ به من أقوال إذا ناقض الشهود أقوالهم؟! ولماذا لم تقدم اللجنة (سيناريوهات) وفرضيات أخرى لمن قام بعملية الاغتيال غير سوريا؟!.
الولايات المتّحدة تلجأ إلى أسلوب جديد
أمام التطورات التي تسبّبت بها أقوال هسام هسام الجديدة وبعد اعتقال الشاهد الأول زهير الصدّيق في فرنسا نتيجة عدم صحّة أقواله التي استند التقرير إليها أيضاً أصبحت مصداقيّة التحقيق على المحك, ويمكن للتحقيق أن ينهار بين ليلة وضحاها بعد موعد تسليمه في 15 كانون أول, وعندها سيفقد قوّته في كونه أداة ابتزاز وتهديد في يد أمريكا ضدّ سوريا.
من هذا المنطلق فإنّ أمريكا تسعى إلى اتّخاذ خطوات استباقيّة لتلافي حصول مثل هذا الخيار, ومن هذه الخطوات مثلاً البحث في إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المتّهمين قبل صدور التقرير بصيغته النهائية!! ومن الخيارات محاولة رفع شكاوى في الأمم المتحدة ضدّ سوريا قبل صدور التقرير بصورته النهائية وقبل فرط عقده, وكذلك استصدار عقوبات تدريجية.
وما يدل على ذلك محاولة اللبنانيين اختيار نوع المحكمة والجدل الحاصل في مجلس الوزراء على هذا الموضوع. ويبدو أن اللبنانيين انقسموا من جديد، ولكن هذه المرّة إلى أربع فئات من الموقف مع سوريا: فئة ضدّ سوريا بشكل واضح، وهي جماعة تحالف سعد الحريري, وفئة مع سوريا بشكل واضح وهي حزب الله و أمل, وجماعة تائهة بين الاثنين مرّة هنا ومرّة هناك حسب مصلحتها وهي جماعة جنبلاط, وجماعة ليست مع أحد وهي جماعة عون.
وهناك مخاوف لبنانية من الجهات المعادية لسوريا حالياً في لبنان من أن تكون استقالة ميليس بداية لسحب جميع أوراق الضغط ضدّ سوريا، وبالتالي العودة إلى المربّع الأول الذي كانت عليه قبل حصولها على تلك الأوراق. والغريب في مسألة اعترافات الشهود الجديدة أن فرنسا وأمريكا لم تبديا أيّ تعليقات على الموضوع مما يثير التساؤلات عن النوايا ومصير التحقيق.
ميليس ودوافع الاستقالة المنتظرة
هناك العديد من المؤشرات التي توحي باستقالة ميليس قريباً، وذلك بعد تقديمه التقرير في 15 من الشهر الجاري، ولكنّ الاستقالة في هكذا حالة تكون مقرونة بأحد أمرين:
- الأمر الأوّل: إما أن يكون قد انتهى دوره وتوصّل إلى نتيجة نهائية في التحقيق، ولا يريد أن يكون أداة يتم استخدامها وتوظيفها من آخرين لابتزاز أي طرف من الأطراف, فيقوم بتقديم الاستقالة للتهرب من ذلك ورفعاً للمسؤولية عن نفسه.
- والأمر الثاني: هو أن ميليس قد يرى نفسه أنّه غير قادر على متابعة التحقيق لأسباب عديدة وأنّ الأمر يخرج من بين يديه، وأنّ التحقيق انهار، وأصبح مكشوفاً، ويدور في دائرة مفرغة, وهذا ما نرى أنّه حاصل، وذلك لأسباب كثيرة:
أولاً: إنّ ميليس قد تعرّض لضربات عديدة بعد أن وقع في حفرة الشهود وفي حفرة المسؤولين اللبنانيين الذين وجّهوه باتّجاه (سيناريو) واحد، وهو (سيناريو) المسؤولية السورية عن حادث اغتيال الحريري.
ثانياً: إنّ ميليس يعلم جيّداً أنّ هناك تدخلات خارجية وضغوطاً كبيرة تجري عليه بشكل مباشر أو غير مباشر, وأنّ هناك طرفاً يريد أن يكون تقريره أداة لتنفيذ مخططات خارج أجندته على أن يكون هو في "فوّهة المدفع", وأن هذه الأطراف لا يهمّها الوصول إلى الحقيقة, والدليل هو ما حصل عندما تمّ تسريب نسخ متعددة للتقرير في الأمم المتّحدة دون علم ميليس نفسه, مع ملاحظة أنّه كان قد عنون التقرير بـِ "سري جداً"!!, وما حصل من تخبط له أثناء استجواب الصحفيين له في مقر الأمم المتحدة حينها خير دليل على ضياعه.
ثالثاً: إنّ الدولة الألمانية التي يحمل المحقق ميليس جنسيتها رأت أن الأمور تتم بشكل غير نزيه، وأنّ هناك احتمالاً في أن تتضرر مصالح ألمانيا في المنطقة بشكل كبير بسبب تورّط المحقق ميليس في قضية قد تكون عواقبها وخيمة على جميع الأطراف، وبالتالي ينال ألمانيا نتيجة ذلك ما ليس لها به لا ناقة ولا جمل لا سيما وأنّ الصراع يدور حالياً بين المحور الفرنسي- الأمريكي, ولا دخل لألمانيا بالموضوع.
على العموم حذّرنا دوماً من هذه (السيناريوهات)، وذكرنا بالأدلة القاطعة عيوب تقرير ميليس وتحقيقه وما أكثرها!!, ووضّحنا أدوات أمريكا وخيارات سوريا, ولهذا فمن الأفضل لسوريا أن تقوم بكل ما هو واجب تجاه كشف الحقيقة طالما أن ذلك سيصبّ في النهاية في مصلحتها وفي كشف عيوب التقرير الذي قد يؤول إلى الانهيار، أو يمتد إلى أوقات طويلة كبديل عن الانهيار, فينهار معنوياً وقانونياً حينها!!.
الإسلام اليوم
5/12/2005
هل هي بداية انهيار تحقيق ميليس؟!.. علي حسين باكير
