هيئة علماء المسلمين في العراق

نظرة من زاوية واحدة .. فقر الخزانة وغِنى الضاري...جهاد بشير
نظرة من زاوية واحدة .. فقر الخزانة وغِنى الضاري...جهاد بشير نظرة من زاوية واحدة .. فقر الخزانة وغِنى الضاري...جهاد بشير

نظرة من زاوية واحدة .. فقر الخزانة وغِنى الضاري...جهاد بشير

مسألة أن تقوم الخزانة الأمريكية بفرض ما أسمتها بـ \"عقوبات مالية\" على الدكتور مثنى الضاري مسؤول الإعلام وعضو مجلس الشورى في هيئة علماء المسلمين لا يمكن السكوت عنها بحال من الأحوال أو اعتبارها مجرد تقولات واتهامات تصب في مجرى حرب التضييق التي تمارسها إدارة الاحتلال الأمريكي ضد القوى الرافضة له والممانعة لمشاريعه والداعمة لمقاومته. ويكون ذلك أدعى لأن يحظى باهتمام بليغ وتسليط أضواء كثيفة خصوصاً وأن القرار جاء بالتنسيق مع أقطاب العملية السياسية بالعراق كما صرح بذلك وكيل وزير الخزانة الأميركي اليهودي الديانة (ستيوارت ليفي)، بقوله «إن وزارة الخزانة مسرورة بالمشاركة مع الحكومة العراقية لوضع الضاري على لائحة لجنة الأمم المتحدة 1267 ...».
كما أن الاتهامات التي وجهتها اللجنة المذكورة آنفاً ضد الضاري تعطي إشارات واضحة على أن قضية المقاومة والممانعة في العراق لها من التأثير الدولي ما يقلق الأمريكان ويزعزع من تقدمهم في العراق وغيره على كافة المستويات الأمر الذي حدا بإدارة أوباما  إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة لإلباس ما تطمح إليه لباس الشرعية الدولية، خاصة مع تصدع العملية السياسية وتشقق جدرانها غير المنضبطة أصلاً .
وبالاستناد على هذين المنطلقين يمكن القول أن الإدارة الأمريكية أوقعت نفسها في ورطة لا أدري أتعرف هي كيف ستخرج منها أم لا ؟  فورطتها جاءت بمحورين: بلعبها المكشوف غير المتزن ضد الدكتور مثنى، ومن خلال الاعتراف الضمني بأن دفة المقاومة العراقية بصورة خاصة هي الراجحة خلال المعركة الدائرة بينهما على أرض الرافدين، وأن العملية السياسية التي جاءت بها إلى العراق في  طور الاحتضار.. وتبيان ذلك سنتناوله من خلال السطور القادمة التي ستناول من خلالها الموضوع وفق نظرة واحدة فقط رغم أنه يحتمل العديد من زوايا النظر..
إن اختيار شخصية الدكتور مثنى الضاري دون غيره وفي التوقيت هذا له دلالات يمكن للمتابع أن يستشفها من خلال ما نتج عن مهزلة الانتخابات من نتائج وفوضى سياسية واحتدام الخلافات بين الكتل خاصة أن الدكتور وضع مؤخراً نقاطاً كثيرة على حروف حاولت الإدارة الأمريكية  تصحيفها مراراً، ويمكن الاستشهاد على هذا بموقفين على سبيل المثال لا الحصر؛ الأول: برنامج (في العمق) الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية وكان ضيفه الدكتور مثنى الضاري تحت عنوان" المقاومة العراقية وتأثيرها في الانتخابات" وقد بين الدكتور من خلاله مشروع المقاومة وإستراتيجيتها ورفع عنها الكثير من الغشاوة التي ألقت بها الإدارة الأمريكية ودميتها في العراق، وحين جاءت نتائج الانتخابات ومآلاتها متوافقة تماماً مع رؤية هيئة علماء المسلمين لم يعد بوسع الاحتلال وإدارته أن تغطية عورة العملية السياسية  التي انكشفت أمام المقاومة ومشروعها، فجاء هذا القرار اللئيم كردة فعل متخبطة وعلى ظن من إدارة أوباما أنه بمثابة انتقام من الدكتور شخصياً ومن الهيئة بصورة عامة.. والثاني: دراسة قدمها الدكتور مثنى الضاري ونشرت عبر وسائل إعلامية عديدة عنوانها (مأزق العملية السياسية في العراق) التي لم تستطع الحكومة الحالية الصمود أمام الحقائق التي تضمنتها هذه الدراسة، ما دعاها إلى التعاون مع إدارة الاحتلال الأمريكي من أجل إصدار هذا القرار ..!
ولرب سائل يسأل.. لماذا استُفزت الإدارة الأمريكية والحكومة الحالية من برنامج حواري ودراسة وغيرهما يعدان امتداداً لمشروع الهيئة الذي بدأته منذ سنوات؟ وما الذي تغير في طروحات الهيئة ما يجعل الأمر يأخذ هذا المجرى ؟
والجواب أن القضية التي يجتمع عندها الاحتلال والحكومة الحالية متخمة بالتحامل على الهيئة ومشروعها منذ بدء العملية السياسية إلا أن القشة التي قصمت ظهرها هو التوقيت الذي قامت الهيئة باستغلاله في ضخ العديد من برامجها وزيادة كثافة الضوء المسلط على مشروعها ورؤيتها في تخليص العراق جاء متزامناً مع مقتربات انهيار العملية السياسية التي حاول الاحتلال وحكومته انتشالها عبر الانتخابات الأخيرة ومن خلال الهوس الإعلامي الخادع بأن مجريات الأمور تسير بصورة طبيعية، إذا ما علمنا أن نسبة المشاركة في الانتخابات لم تتعد الـ 20% وفق استطلاع ميداني وأخذ آراء عينة من الشارع العراقي، فضلاً عن أن المالكي نفسه لم يحظَ بأصوات مطلقاً لولا عمليات التزوير التي تعمدت إدارة الاحتلال إعطاءها إياه على الرغم من كونها لا ترغب بتجديد ولايته وإنما لغرض تحقيق ما قال عنه أوباما من أن العراق سيشهد أياماً عصيبة خلال فترة تشكيل الحكومة ...!
وعلى هذا فإن الغرض من إصدار القرار السيئ هو محاولة تسديد ضربة لمشروع المقاومة من خلال التضييق بصورة ظاهرية على قوى الممانعة ممثلة بهيئة علماء المسلمين وعلى قسم الإعلام فيها بصورة أدق باعتباره عموداً وركناً مهماً في مشروع الممانعة ودعم المقاومة، لكنها على كل حال محاولات فاشلة وانجازات خائبة تدلل بوضوح على أن الإدارة الأمريكية تتعمد أن لا تحسن تحليل واقع المقاومة ولا فهم مشروعها؛ تماشياً مع المشروع الاحتلالي في العراق والهدف الاستراتيجي له في المنطقة .
وبتسديد تلك الضربة يحسب الاحتلال والحكومة التابعة له في العراق أن ذلك كفيل بأن يُجْروا لمشروعهم المشوه عملية تجميل على حساب نضارة المقاومة ومشروعها الممانع والمناهض، دون أن يضعوا بنظر الاعتبار أن الحصانة التي تتحلى بها قوى الممانعة تفوق تقديراتهم وتتجاوز مخططاتهم .
ومن ثم فإن دمج موضوعين في قضية واحدة يعطي تفسيرات منطقية تشير بوضوح إلى حالة الحرج التي تحيط بمشروع الاحتلال في العراق، فالخزانة الأمريكية من جهة ولجنة (1267) الأممية من جهة أخرى لهما غاية واحدة وهدف مشترك هو فرض عقوبات على الدكتور مثنى الضاري يؤشر بما لا يقبل الشك على فقر الخزانة ليس على صعيد المال وإنما على صعيد المبدأ ما يضطرها لتقوية موقفها باللجوء إلى لجنة تابعة للأمم المتحدة لكي تقوي عضدها تصبغها بصبة قانونية، الأمر الذي يعكس مدى أهمية الدكتور مثنى وثقل شخصيته وتأثيره الواسع ليس على المستوى المحلي فحسب وإنما على الصعيد الدولي أيضاً، ما ينبئ عن غنى الجاه الذي تغمر به الهيئة، وإن لذلك مؤشر على أن مشروع المقاومة الذي تضطلع الهيئة بحمايته وتأييده والدفاع عنه وتكامله مع مشروعها الممانع بلغ مبلغاً لم تعد الإدارة الأمريكية قادرة على ردعه، ما دعاها إلى التخبط بصورة ملحوظة من خلال ربط الضاري بتنظيم القاعدة في العراق وأفغانستان، هذا فضلاً عن التصاعد الملحوظ في عمليات المقاومة النوعية  مؤخراً وخاصة تلك التي تقوم بتنفيذها فصائل التخويل .
وليت الإدارة الأمريكية أشفقت على حالها قبل أن تقوم بهذه الخطة البائسة، فهي التي تدعي امتلاكها معاهد خاصة بالدراسات (الشرق أوسطية) ولديها جملة من الخبراء في رصد الجماعات والتنظيمات ومتابعة الأفكار والإيديولوجيات وغير ذلك، تتعمد خلط أوراق يدرك أبناء العراق جميعاً أنها مغلوطة، وأجزم أنه حتى الأميين يعرفون جيداً الفارق الفكري بين الهيئة والقاعدة والتباين على المستوى التنظيمي والمشروع السياسي بينهما، رغم التحفظ على مصطلح الأميين في العراق؛ إذ أن أبناءه تعلموا خلال الأعوام السبعة الماضية كيف يسلكون طريق الخلاص من قبضة الاحتلال ومن أي البوابات يدخلون مسار الحرية .

أضف تعليق