لقد انتابني حزن شديد وأنا أشاهد ثلة من شعب العراق تحتفل عقب إعلان نتائج ما يسمى الانتخابات البرلمانية، وحزني هذا ليس بسبب كرهي للفرح أو لأني لا أريده لأهلي؛ ولكن لأن الفرح الشعبي بهذا الشكل بات يرتبط عندي بمواقف تثير الحزن،
بل ربما أصبحت أتشاءم من هكذا أنواع من الفرح، ذاك لأن ما أتذكره من صور الفرح الشعبي كانت إما لأسباب سخيفة (كفوز منتخب بكرة قدم)، أو لسبب يكون مقدمة لكارثة تعم البلاد والعباد (كما حصل عقب وقف إطلاق النار مع جارة السوء إيران إذ دفع العراق عقبها ليتورط في الكويت وما تلاها من حصار ومآسي)، أو ربما كان الفرح لأسباب متوهمة يرسمها الساسة ليضحكوا بها على العوام ( كما حصل عقب انتخابات 2005 التي أطلق عليها العرس الانتخابي).
وما أشبه اليوم بالبارحة؛ جماهير من شعب العراق يخرجون في الشوارع وهم يرقصون على أنغام موسيقى شعبية وأصوات أبواق السيارات، ربما ضاق الشارع ذرعا بما لاقى من خوف ورعب، ربما يريد أن ينفس عما بداخله من كبت، ربما لا يدري الكثير من هؤلاء الناس لماذا يرقصون لكن ربما هو تجسيد للمثل القائل (على حس الطبل خفن يا رجليه).
ولكن هل وصلت السذاجة بالناس حدا لا يفرقون فيه بين الحق والباطل؟ هل أصبح الناس إمعة تصفق وراء كل ناعق؟ هل وصل الجهل بهم مرتبة تنسيهم جراحهم العظام؟ وتحجب الرؤية عن عيونهم فلا يميزون بين عدو وصديق؟
سألت ما السبب في هذه الاحتفالات؟ فقالوا : فوز قائمة (العراقية) وعلى رأسها (أياد علاوي)!!!
فتساءلت في نفسي: أليس هذا الذي يحتفلون به اليوم قد جربوا حكمه بالأمس ولم يجدوا منه خيرا يذكر؟ ألم يكن في مدة حكمه مؤيدا للاحتلال داعما لهم وبقوة؟ ألم يشكر الاحتلال على (تضحياتهم) في سبيل (تحرير) العراق؟ ألم يشارك الاحتلال في ذلك الحين في شن الحرب على شعب العراق في النجف والفلوجة وسامراء وغيرها؟ وإذا كان الجواب نعم فما الذي تغير؟ لا أجد جوابا شافيا سوى المثل العراقي القائل ( اللي يشوف الموت يرضى بالصخونة – أي الحمى -) فشر هذا مقارنة بشر المالكي؛ هين وتأييد هذا للاحتلال أهون من الأخير، وليس عجبا أن يكون هذا جواب السذج من الناس لكن العجب أن نسمعه ممن يحسب على طبقة المثقفين وأدعياء السياسة و(الوطنيين)، ولا ندري أتغابيا يقيس هؤلاء بين جرائمهما؛ أم تناسوا فارق اختلاف الظروف في زمن حكم كل منهما؟
ولو سلمنا بأن الرجل تغير وأصبح وطنيا حتى النخاع وفي نيته تخليص العباد من ظلم المالكي وميليشياته بفضل حاشيته الجديدة (الهاشمي والعيساوي والنجيفي ووو)، عذرا للذاكرة لكن أليس الهاشمي من كان مسؤولا عن تمرير الدستور واتفاقية الإذعان؟ ثم هل أن فارق مقعدين بين قائمته وقائمة (المالكي) يصلح أن نسميه (فوزا)؟ ما المفرح والقادم في (اللعبة السياسية) ألغام موقوتة؟ أأمن الناس تحالفات (المالكي والحكيم والتحالف الكردستاني) برعاية إيرانية أمريكية؟ أم أمن الناس أي ترتيب آخر يقلب الطاولة فوق رأس علاوي ومن معه؟
وجدلا سنسلم أن القوائم ستسلم لعلاوي تشكيل الحكومة، وأن (العملية الديمقراطية) ستسير بخطى ثابتة، والفرقاء السياسيون لن يدخلوا في خلافات وصراعات؛ فهل ستتفرد قائمة بتشكيل حكومة؟ أم الواقع يقول بوجوب شراكة كبيرة ومحاصصات واسعة تجعل القادم أسوأ مما سبق؟
هل غاب عن أدعياء السياسة – كما غاب عن عوام الناس – أن هذه الانتخابات بكل إفرازاتها الجزئية السلبية لم يكن من رابح فيها حقيقة سوى (المحتل الأمريكي)، فالانتخابات – وبعيدا عن فوز هذا بمقعد أو خسارة ذاك بنصف مقعد – فهي دليل على (نجاح أمريكا في نشر الديمقراطية في العراق)، فهل هذه النتيجة تستحق الفرح والابتهاج؟ وهل يليق بشعب كأهل العراق أن يشارك المحتل بهجته فيظهر الفرح والسرور بما حققه المحتل على حساب أرضنا وعرضنا؟
أذكر كيف كان – ولا يزال – الكبار من أهلنا يوجهون الأطفال حين يبالغون بالضحك بقولهم لهم (خلي لك ضحكة للعيد)، فهو درس تربوي يوجه هؤلاء الأطفال بعدم الإسراف والتعجل بالضحك، فلكل شيء وقته وأوانه، وجميع الشعوب الحية لا تكتمل فرحتها إلا بخروج الاحتلال من أرضهم صاغرا مجبرا، خروجا موسوما بالهزيمة لا صدقة يمن بها على أهل البلد، فعند ذاك يحق لنا الفرح وبقوة لأن ذاك يعني أننا انتصرنا على (أمريكا) ودحرناها، وشعب العراق أهل لذلك ولا فخر.
لم يحن موعد الفرح يا عراق...بقلم : د.عبد الحميد الكاتب
