هيئة علماء المسلمين في العراق

خيارات مستقبل العملية السياسية في العراق ... د. نسرين مراد
خيارات مستقبل العملية السياسية في العراق ... د. نسرين مراد   خيارات مستقبل العملية السياسية في العراق ... د. نسرين مراد

خيارات مستقبل العملية السياسية في العراق ... د. نسرين مراد

تستمر معاناة كافة العراقيين في التفاقم، بعد مرور حوالي سبع سنوات ثقال على الغزو الذي قادته إدارة جورج بوش. العراق الآن يواجه نتائج انتخابات برلمانية حاسمة، ارتفعت أصوات كثيرة طالبت بتأجيلها، أو حتى إلغائها. الهدف هو إعطاء وقت وجهد كافيين لإجراء إصلاحات ومراجعات حقيقية وشاملة، في الاتجاهات المختلفة. بالذات في اتجاه المصالحة الوطنية، التي يجب أن تشمل كافة أطياف الشعب العراقي الإثنية والسياسية.

من بين سحب وغيوم وركام المعاناة، هنالك عدد من السيناريوهات المتقاربة المتشابكة المختلطة، المتوقع حدوثها إذا ما مضت عملية الانتخابات بنتائجها قُدماً. السيناريو الأول؛ هو بقاء الوضع على ما هو عليه.

بمعنى إعادة انتخاب نفس الوجوه والكيانات الحالية. هذا يعني استمرار حالة المعاناة. فقد أثبتت السنين الماضية أن هذه الأطراف عاجزة عن تحقيق أهداف وتطلعات الشعب العراقي. أهداف تتلخص في ضمان الوحدة وتحقيق الحرية، وتحسين مستوى الخدمات في كافة المجالات.

اذا ما بقيت الوجوه هي نفسها، بعد الانتخابات، فذلك يعني أن الأمور تسير نحو المزيد من الفساد الإداري والفوضى السياسية الإثنية، وتفتيت النسيج المجتمعي.

السيناريو الثاني؛ هو حدوث تبديل للوجوه والكيانات الحالية، بأخرى مختلفة ولو قليلاً. ثمة قد يكون هذا التبديل أو التغيير، عن طريق تغيير في المنهجية العامة للقائمين الحاليين على العملية السياسية. هذا السيناريو يبدو من الاستحالة بمكان.
السبب هو استمرار نفس الكيانات في فرض سيطرة شبه كاملة في الأجواء والشارع العراقي. تبعات المحاصصة الطائفية أو الإثنية مستمرة، رغم كل الوعود والعهود المقطوعة بأن الجميع سوف يعملون على إلغائها أو الحد منها.

جل الوجوه والكيانات النافذة في الحكم، طائفية حتى النخاع. حتى إذا ما استمر نظام المحاصصة الطائفية على حاله، فإن الطبقة السياسية الحاكمة سوف لن تجد بداً من استجداء قوات الاحتلال الأميركي للبقاء على أرض الرافدين، ولأمد غير منظور.

السيناريو الثالث؛ هو حدوث انتكاسة في عملية الانتخاب، بعد وصول التشكيك فيها إلى درجة عدم الرضى عن مصداقيتها، ورفض القبول بنتائجها. يلوح في الأفق احتمال حدوث فوضى سياسية عارمة، مصحوبة بفراغ أمني وإداري واسع.

ذلك ما يفتح الباب على مصراعيه، لطلب تدخل قوى إقليمية ودولية، لوقف وصول هذه الفوضى إلى مستويات أسوأ. داخلياً يصبح وضع العراق نحو مزيد من الانقسام والتفتت والتشرذم.

مما قد يستدعي استنهاض قوى عراقية، عسكرية مثلاً، قادرة على ضبط الأوضاع. في ذلك ترتفع أصوات تنادي بالعودة بالعملية السياسية إلى المربع الأول، عشية الغزو الأنجلو ـ أميركي.

السيناريو الرابع؛ هو قدوم هيكلية جديدة إلى سدة الحكم، ولو بقدرة قادر! منبثقة من صناديق الاقتراع. هيكلية قادرة على ضبط الأوضاع وتسييرها، لمصلحة الجميع دون استثناء. هذا الوضع ميدانياً في حكم شبه المستحيل.


زادت قرارات الاستثناء، والإقصاء والاستبعاد والاجتثاث والتغييب والتحييد، الوضع تشاؤماً. العملية السياسية، والطائفية بامتياز، كما بدأت بقيت مبتورة وذات نتائج وتبعات، عادة ما تؤدي للوصول بالأمور إلى طرق مسدودة.


حصول انتفاضة شعبية، تدعمها مقاومة مسلحة ضد الاحتلال، قد يغير ميزان القوى لصالح خصوم العملية السياسية. النتيجة هي العودة إلى اختيار قيادة سياسية جديدة للعراق. ذلك ما يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمال بروز الأحزاب والتيارات العَلمانية كقوة رئيسية، بل بديلة للوجوه والرموز الحالية.


حقيقةً وواقعاً، بروز فكرة العَلمانية قد تمليه ضرورة الظروف وتبعات العملية السياسية الطائفية. لم يأت نتيجة لهذه العملية، سوى مزيد من الفوضى والاستقطاب الطائفي والمذهبي والعرقي. المنطقة تنام وتصحو على مخاطر حروب أهلية، وتمرد إثني بهذا الشكل أو ذاك.


الفوضى السياسية والأمنية والمجتمعية في العراق، تهدد بالانتشار لتشمل دول الجوار، والمنطقة الموسومة بالهشاشة السياسية والاجتماعية. قبل حدوث الغزو الأنجلو- أميركي كان مستوى الفوضى والتمرد والقلاقل لا يكاد يذكر.


الآن لا تكاد حتى وسيلة إعلامية تخلو من تحريض على الكره والعنف والانتقام، أو مشادة كلامية نشاز، أو تلاسن قد يفضي إلى تهديد باستخدام العنف لحل إشكال كلامي.


تطبيق فكرة العَلمانية لتصدّر السلطة في العراق، قد يصبح مطلباً محلياً وإقليمياً ودولياً ملحّاً. الدول التي اكتوت بتصرفات النظام العلماني السابق، مثلاً، على مدى نصف قرن تقريباً، قد تجد أنفسها في خيار تفضيل أهون شرور العملية السياسية الحالية.


أحد هذه الشرور يكمن في استمرار وضع فيه يسير الناس بشكل حاشد، إلى «أرماجدونيات مذهبية وعرقية» تفضي إلى بحور من الدماء، باحثين عن جنات غلاة المذهبية والطائفية. آخر هذه الشرور هو تبوؤ القوى العَلمانية السلطة، وبدعم من القوى الليبرالية.


في هذا الاتجاه، لم يبق للعراق من أنياب لتخويف الدول والأنظمة السياسية الأخرى. ذلك إلى جانب فرض شروط وقوانين في المنطقة، تقضي باحترام العهود والمواثيق الدولية الكفيلة بالحفاظ على السلامين الإقليمي والدولي.


حقيقةً، الكثيرون لا يريدون خيار العَلمانية في المسك بزمام السلطة العراقية، لكن ما آلت إليه الأمور بغلاة، بل مجانين التشدد الطائفي والعرقي، يؤدي بالعراقيين خاصةً وشعوب المنطقة عامةً، للجوء إلى أي خيار للتخلص من بؤس ما وصلت إليه الأحوال.


بالذات المجتمع العراقي الذي يعاني الفقر المدقع، والفساد المستشري، والتخلف الشديد في الخدمات، واليأس القاتل من المستقبل والحياة. في ذلك يمكن القول إن المحاصصة الطائفية في العملية «الديمقراطية»، حقيقة وُضعت مثل وصفة طبية لبث الروح في العَلمانية، وتبوّؤ الأخيرة الصدارة، وحتى البديل في السيادة والحكم. 

Nasrin_(at)_uaeu.au.ae

أضف تعليق