لم يأت الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة للعراق بشيء إيجابي، اللهم إلا بعض الأمور الشكلية الرمزية. هذه الأخيرة تتبع ما يسمى مجازاً «الديمقراطية». في المقابل خلق الاحتلال عشرات الملفات السلبية العالقة وبعيدة المدى، بل المزمنة.
قامت قوى الاحتلال بإحداث فوضى سياسية واجتماعية دموية، في الدولة والمجتمع العراقي، يعاني منها البيت والشارع وتيار الكهرباء وأنبوب المياه الصالحة للاستعمال ومجارير المياه الآسنة.
مع ديمقراطية الاحتلال، جاء الفساد الذي أكثر ما يصيب الطبقة السياسية والإدارية الحاكمة، صاحبة الباع والذراع الماليتين الطويلتين.يشل الفساد الإداري والمالي قدرة المجتمع والدولة على النهوض والتقدم والتطور.
وتحقيق العدالة وتحصيل الحقوق. انتشار الفساد على نطاق واسع ينذر بكوارث حالية آنية، ومستقبلية بعيدة المدى عادة ما تؤول الأمور بها إلى الهاوية.
منذ البداية لم ينو الاحتلال خيراً لأهل العراق. قسّمهم إلى فئات وطوائف متناحرة، ووضعهم في «كانتونات إثنية» محاطة بسياجات نفسية ومعنوية وحدودية جغرافية عازلة. تسيطر عليهم وتتحكم فيهم أحزاب عرقية ودينية ومذهبية، ودون مذهبية.
في مجلس البرلمان يجلس ممثلو هذه الفئات في مجموعات إثنية منعزلة عن بعضها، على شكل «حظائر» تضم كل منها كتلةً مذهبيةً أو عرقيةً «نقيةً». هؤلاء النواب يتبادلون في ما بينهم اتهامات ذات أنفاس ومآرب مذهبية وعنصرية وعرقية متشددة خاصة.
بسبب هذه التقسيمات المفروضة، فإنه إقليمياً تشهد المنطقة استقطاباً طائفياً مذهبياً وعرقياً حاداً. عملت المجموعة البرلمانية الحالية على إحياء ونشر التطرف المذهبي والعرقي.
تطرف بات يؤثر في كل أرجاء المنطقة انتشار النار في الهشيم. الأفكار المتطرفة يتم استقاؤها الآن من مصادر التعريف المذهبية والعرقية الحديثة عليه، وعادة ما تكون وسيلة إعلامية تقليدية أو حديثة.
هنالك المجلات والجرائد ومحطات التلفزة والفضائيات ومواقع الإنترنت أو ال«فيس بوك» وال«يو تيوب»، جميعاً تعمل على مدار الساعة.
الخدمات الإدارية والاجتماعية والتعليمية والثقافية في العراق، تصل إلى مستوى الحضيض. ينتشر الفقر وسوء الأحوال الصحية، وسوء تنظيم وتوزيع الثروة والجهل والأمية في كل مرافق المجتمع والدولة. الأمن والأمان مفقودان بشكل بين، على محيّا كل عراقي من مختلف الشرائح والطبقات والأعمار.
المجتمع العراقي يبدو مثل المضروب ب«قنبلة دمار» سياسي واجتماعي ونفسي ومعنوي واقتصادي شامل. مالياً تُستثنى من تأثير هذه القنبلة حفنات من غلاة الطائفية المذهبية والعرقية.
التي وصلت إلى مراكز التحكم والسيطرة، تحت قباب مجالس الرئاسة والبرلمان والوزراء للحكومة المركزية، إضافةً إلى قباب مجالس المحافظات والأقاليم المرشحة للانفصال مستقبلاً عن المركز.
في ظل هكذا ظروف، فالحديث عن إجراء انتخابات برلمانية لا يعدو كونه نكتة ثقيلة الوقع على الأعصاب والدماغ، للحريصين على وحدة ومستقبل العراق.على الإطلاق، فظروف المجتمع العراقي الحالية لا تسمح بالمضي قُدماً.
في انتخابات معروف مسبقا لمن ستؤول النتائج فيها، وخاصةً مع تكثيف حملات الإقصاء والاستثناء والاجتثاث والاستبعاد والاستخفاف بشتى الوسائل الممكنة.
تغرق الدولة في مستنقع عميق من التعبئة والحشد والشحن الطائفي المذهبي والعرقي.ذلك ما يمهد لفوضى سياسية عامة وشاملة، قبل وخلال وبعد انتهاء الانتخابات.
جل المرشحين للانتخابات من ذوي العقليات والأفكار المتشددة، مذهبياً وعرقياً وسياسياً. ذلك في مجتمع بات الآن أحوج ما يكون إلى الاعتدال والهدوء وتقبّل الرأي الآخر.
النائب المرشح يجد بيئة خصبة لأفكاره في تجمع موسوم بهوية إثنية، أو تعصب أو انحياز مذهبي أو عرقي أو ديني أو قبلي بشكل جلي. للعصبية المذهبية والعرقية والقبلية الحظ الأوفر في الحملات الانتخابية، وباستخدام وسائل التقنية الحديثة.
في العراق الديمقراطي (!) تُستعمل رموز المذاهب وشيوخ ورؤساء العشائر والقبائل ك«مفاتيح عجيبة ًم؟ ٍفَُّّمْ» لدخول المرشحين إلى قلوب أفراد تلك المجموعات البشرية. هنالك استخفاف صارخ بشخصية الناخب العراقي الفردية، أمام سلطة وسطوة رمزه المذهبي أو العرقي أو القبلي.
الاستحواذ على أصوات الناخبين يجري بشكل أقرب إلى البلطجة أو العربدة. المنطقة «س» مثلاً محسوبة على مذهب أو عرق ما. نتيجة التصويت في المنطقة «س» محسومة مسبقاً لصالح ممثلي كتلة برلمانية أو حزب إثني معروف بسمعته الشعبية الإثنية.
مثلاً، لا حصراً، في شمال العراق حسم الحزبان الكرديان السياسيان التقليديان الأمور لصالحهما منذ البداية. هنالك لا تبدو حاجة لتكرار نتيجة الانتخابات السابقة، وصرف الجهود البشرية والنفقات المالية عليها.
مركزياً في بغداد العاصمة، الوجوه التي لمعت والحناجر التي نعقت في مجلس النواب خلال السنين الماضية، ستعود في الدورة الجديدة. ميدانياً وبشكل عادي، يُرى مندوب لأحد المرشحين لشغل مقعد في مجلس النواب يطرق باب بيت عائلة عراقية منكوبة. يطلب المندوب من أفراد العائلة البالغين التصويت لصالح مولاه المرشح.
لا يبالي ذلك المندوب عندما يرى آثار النكبات المتتالية بادية في أنفاس وعلى وجوه وأجساد ومعنويات أفراد تلك الأسرة. أسرة نُكبت في أحوالها وأبنائها ومصادر عيشها، وفي الخدمات المدنية من مياه وكهرباء ومواصلات وشؤون صحية وتعليمية.
لا يجد المندوب مناصاً من كيل الوعود الكلامية لهم على لسان سيده، بمحاولة تحسين أحوالهم في حال حصل تكرار لفوز الأخير في الانتخابات القادمة على الأبواب.
حمّى الانتخابات البرلمانية في العراق ... د.نسرين مراد
