جرت العادة في البلدان التي تعيش الديمقراطية الحقيقية -وفي وقتنا المعاصر بالتحديد وكي لا نذهب بعيداً- ان يروّج المرشحون للانتخابات التشريعية وان يكون لهم برنامج انتخابي حقيقي،
وان يعلنوا عن هذا البرنامج او البرامج الانتخابية بما تجني ايديهم من تبرعات من المناصرين والمحبين من مختلف طبقات الشعب، اضافة الى التمويل الذاتي البسيط، وهذا الامر قد يجمع الاموال الكافية لتمويل حملاتهم الانتخابية، وكل هذه الامور تسير بضابط قانوني معلوم لديهم، ومكشوف لعامة الشعب، فلا مجال للابتزاز والتشهير والتدليس وألافتراء وعملية القفز على المعاناة والمشاكل والقضايا الحيوية وتسخير المال العام للمصالح الحزبية الضيقة ولا بطي القانون تحت الإبط وتجاوز المحظور، فيكون الناس عند ذاك على أتم الإستعداد للإدلاء باصواتهم لمشرحيهم الفعليين الذين جاؤوا من نبض الشارع فلا يكون عليهم اي شائبة تذكر الا ما رحم ربي.
وبالتالي ومثلما يقال (ان المقدمات الصحيحة تعطي نتائج مثمرة وصحيحة) فيكون الحال افضل مما كان على المستوى التشريعي في بلدانهم والمعيشي ، بل تكون هناك اعتبارات تلحظ عبر المشاركة الشعبية الجماهيرية الحرة والنزيهة في انتخابات حقيقية هي مبتغى كل مواطن يريد العيش بكرامة.
اما الحال وواقع الحال في عراق اليوم (عراق الجراحات النازفة) فقد اختلف اختلافاً جذرياً، بل لا يمكن ان يتصوره اي عقل وانا اكتب هذه الاسطر طالعتني الاخبار عما يجري في البلد وبالتحديد الانتخابات (الخرافية) التي يرعاها المحتل وتابعوه وعملاؤه الاقزام مع تربص جار اقليمي لا يهدأ ولا يكل له بالطبع اذناب فاعلون في المشهد السياسي العراقي طيلة السنوت العجاف الماضية من عمر الاحتلال البغيض وبصمات هذا الجار السوء موجودة على مسرح الجرم المشهود والذي عانى ويعاني منه ومن الاحتلال الامريكي الذي فتح له الباب على مصراعيه ليترع بالدم العراقي الطاهر ويغذي مطامعه التوسعية في ارض الرافدين وهذا معلوم لكل عراقي هجّر وقتل وشّرد وزج في غياهب السجون الاحتلالية والحكومية، واليوم تصرف اموال (السحت) في دعاياهم الانتخابية في عملية خداعة ومعروفة النتائج مسبقاً وصدق من سماها انتخابات (صورية) بامتياز.
فبالامس القريب وعلى شاشة احدى الفضائيات التي اكتفت بنقل مايجري في العراق بعد ان غفلت بل تغافلت عن الاحتلال وجرائمه وجرائم حكوماته التابعة الذليلة، ليكون حال الاحداث منصباً على الانتخابات فقط!!.
فالتجارة مربحة هذه الايام لبعض الفضائيات على حساب الاوجاع والآلام وجراحات العراقيين، المهم اخرجت هذه الفضائية حجم المبالغ المصروفة على مهزلة الانتخابات الصورية وما قام به احد النواب عبر صرفه مبلغ 100 مليون دولار على حملته الانتخابية مع الاستعانة بصاحب حملة الرئيس (اوباما) الانتخابية، ومبلغ الـ100 مليون دولار يعادل بالدينار العراقي اكثر من 100 مليار، وهذا المبلغ فيه ما فيه من اعمار ومساعدات للكثير من العوائل العراقية المطحونة بالمعاناة والمآسي، وهذا ايضاً مبلغ مصروف على دعاية انتخابية واحدة، لتكتل واحد وعلى هذا المنوال نقيس.
فمئات الدعايا الانتخابية الاخرى ستكون كارثة مضاعفة وعلى الفرد العراقي والمتابع المنصف ان يستوعب حجم الاموال المصروفة في مثل هكذا (مهزلة)!!.. لا تشبع ولا تغني من جوع.. والقصد على ما يبدو من مهرجان الاكاذيب هذا، المسمى انتخابات (التحدي)، وانتخابات (الاصبع البنفسجي) هو ايهام الرأي العام المحلي والعربي والدولي ان العراق يعيش اجواء الديمقراطية، الا ان واقع الحال غير ذلك، غير ما يصور له الاحتلال وحكام حظيرة المنطقة الخضراء (سياسيو العهد الجديد) عهد الاكاذيب والتخرصات، ويُلّخص بمقولة (انتخب فانتخب ثم انتخب حتى يصدقك الجميع) وهي مقولة تحاكي مقولة (اكذب فاكذب ثم اكذب حتى يصدقك الجميع) الا أن السؤال الجد مهم في هذه اللحظات التاريخية والمصيرية من عمر شعبنا الجريح ان يقال لشرذمة المنطقة الخضراء (من أين لكم كل هذه الاموال؟!!) وتاريخكم القريب والبعيد السابق واللاحق معروف لدى عامة الشعب العراقي.
من أين لكم هذا؟!!...اسماعيل البجراوي
