هيئة علماء المسلمين في العراق

حول دستور جمهورية بوش في العراق ... محمد جبر الحربي
حول دستور جمهورية بوش في العراق ... محمد جبر الحربي حول دستور جمهورية بوش في العراق ... محمد جبر الحربي

حول دستور جمهورية بوش في العراق ... محمد جبر الحربي

قرأنا ما يسمي بدستور جمهورية بوش في العراق والذي يحاول من خلاله نخبة من الذين جاؤوا إلي العراق في نعال الغزاة كي يحكموه بالوكالة. لهذا لم يكن عنوان المقال (دستور جمهورية بوش في العراق) مجرد اختيار يثير القارئ ولكنه عنوان تأكده الحقيقة حيث تجري مشاهد مسرحيته أمام عيون الكل. لم أتجاوز قراءة المادة الأولي من تلمود بوش حتى تكشفت أمامي الكارثة التي أعدوها ليدمروا بها العراق.
تقول المادة الأولي من تلمود جمهورية بوش في العراق:
"جمهورية العراق الاتحادية (الفدرالية) دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري برلماني اتحادي ديمقراطي تعددي يجري تقاسم السلطة والثروة فيها بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية، ويقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية. "
أخطر ما جاء في هذا النص أو دعوني أسميه "الإسفين الأول بدلا من المادة الأولي" هي عبارة "يقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية".
هذه الجملة أوردها المشرع المتآمر ليؤسس ويحدد بها حقوق أطراف الاتحاد بموجب الحقائق الجغرافية والتاريخية. بعدها رصدت باقي المواد لتمهد وتدعم ما جاء في هذا النص الذي احتوته عبارة "يقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية".
وعليه.. فما سيجري من تغيير في العراق يشمل رسم الحدود وتوزيع الثروة ودور العراق إقليميا ودوليا روعي فيه أن يجعل العراق في حالة تهديد دائم لضعف مقومات أمنه الوطني. وهذا ما قصده المشرع المتآمر بما أورده من نصوص.
فالفقرة الأولي وما تضمنته عبارة "الحقائق الجغرافية والتاريخية" واضحة التفسير محددة الهدف هو تمزيق العراق واستنزافه دوما. وسيجري الاحتجاج بها باعتبارها الأساس والمرجعية.. فهي المدخل إلي تحديد كل شئ بدءا من تقسيم تراب العراق وجسده.. إلي تحديد الهوية.
ومن يتمعن في قراءة هذه الفقرة التي تعتمد الحقائق الجغرافية والتاريخية للسطو والسيطرة، سوف يتذكر وعلى الفور أنها نفس الحجة التي اعتمدتها الحركة الصهيونية في تأسيس كيانها العنصري على أرضنا العربية في فلسطين. هذه الادعاءات الملفقة والباطلة تظهر دوما عندما يتمكن أعداء الأمة من امتلاك مقدرات القوة.. عندها يبحثون عن مبررات تجيز استخدامها. وهنا لا يهم أن يكون التاريخ الذي احتجوا به مزورا أو مغشوشا أو ملفقا لا يهم..المهم هو أن يكون هناك قوة غاشمة تستطيع أن تفرض التزوير والتلفيق على أنه حقائق تاريخية.
ولا يتوقف خطر هذه الجملة عند حدود خلق كيان هش منبوذ، ولكن خطرها يظل موجود، بفعل تفعيلها في المستقبل..وبالتالي يتحقق الهدف من أن يظل العراق في حالة سياسية واجتماعية لا تعرف الاستقرار. فتلك العبارة هي أشبه بالجمرة الخبيثة، أو بسكين في يد عدو كاره للعراق وأمته تمكنه من أن يجتز ويقطع تواصل الجغرافيا بالتاريخ، ويعمق حيرة أجيال تعيش عصر المأساة بأجيال تنتظر عصر الضياع. إضافة إلي كل هذا فإن هذه الجملة بنصها الخطر قادرة في كل وقت على إشعال المنطقة العربية عندما يحلوا للغزاة والخونة ذلك..فالاقتراب من العراق بالأذى وبالشر هو فعل موجه لمجموع كل الأمة. فلا أمة عربية بغير العراق ولا عراق بغير العروبة.
هل تجاوزت؟ هل أخطأت؟
والسؤال الأول الذي سيواجه أطراف الاتحاد ويحتاج إلي إجابة عليه: من أين يبدأ التاريخ الذي بمقتضاه تتحدد الحقائق التاريخية؟ ومن هي الجهة التي تملك تحديد بدايته؟ ومن هي القوي التي سيترك لها أن تفرض ما اتفق عليه عصبة المتآمرين على الشعب العربي قبل تآمرهم على العراق العربي؟
فالعراق الذي ستحدده حقائق التاريخ في تصورهم المريض سيخلق على الأرض عراقا ليس له أي علاقة بعراقنا العربي. لكن هناك تصور لعراق جديد تحددت ملامحه الأساسية من خلال رؤية مستقرة يتوارثها الغرب الاستعماري. غير أن الكشف بدأ يطفوا على سطح من خلال الحملات الدعائية التي تتولاها مؤسسات الدعاية في الغرب ومؤسسات الدعاية الناطقة بالعربية، يضاف إلي ذلك نشاط وتحركات لمأجورين ومشبوهين من أمثال عمرو موسي.
لقد أشرت في مقال سابق تعليقا على مبادرة المصالحة المشبوهة التي أعلن عنها عمرو موسي ونقلا عن نص المقال .. كتبت:
" أما دور جامعة الغربان العرب في إطار الدعوة المشبوهة فينحصر دورها لاستكمال الإجراءات الإدارية والصيغ السياسية التي تسعي لمحاصرة المقاومة في العراق، وقد يشهد المستقبل عمل مشترك مكثف بين أجهزة الأمم المتحدة وما يسمي بجامعة الدول العربية في الشأن العراقي لتتحول القرارت الصادرة عن الاثنان إلي سند من الشرعية الإقليمية والدولية يجرم المقاومة وكل من يتعاون معها وهنا مكمن الخطورة."
كان هذا قبل أن تظهر أي إشارة تقول أن تعاونا ما سيجري بين جامعة الغربان والأمم المتحدة. وأنا ليس لي علاقة لا بعمرو موسي، ولا بكوفي عنان. لكني أتابع ما يجري على أرض وطني الغالي العراق..كنت أرصد وأجتهد فتجمع لدي الكثير من المؤشرات كان أكثرها وضوحا هو تحرك عمرو موسي والإشارات التي وردت في مقابلاته فقد تحدث عن عراق جديد، ومن مخاطبته للبرزاني بلقب "السيد الرئيس"..ومن استقبال بوش للبرزاني استقبال الرؤساء.
فالألقاب والمراسيم لا تجري بغير دلالات سياسية..وإنما تعكس معاني متصلة بما يدبرون. فإذا أضفنا إلي كل ما سبق تلك المحاولات الفاشلة والجبانة للإدارات العربية في إقامة علاقات طبيعية مع جمهورية بوش في العراق دعما للمتآمرين..لكنها تراجعت وتوقفت بفعل الخوف من قتل البعثات الدبلوماسية. كل هذا وغيره يفضح الخطط المعدة لتدمير العراق وتفتيته؟
نعود للسؤال: من يحق له أن يحدد بداية التاريخ للحقيقة التاريخية باعتبارها الأساس للحقيقة الجغرافية؟
هل يبدأ التاريخ من حيث يريده بوش أن يبدأ ؟
هل يبدأ التاريخ من حيث يريده الأكراد وهم من أصول عربية أن يبدأ ؟
هل يبدأ التاريخ بما يتوافق مع مصالح الفرس، والعائلات النفطية من دول الجوار، وبما يتفق مع أمن وطموحات الكيان الصهيوني العنصري؟
هل تتحدد بدايات الحقائق التاريخية بظهور الأديان، وبظهور الطوائف؟
أم يبدأ تحديد تاريخ الحقائق الجغرافية والتاريخية يوم ولد العراق عربي المنشئ .. عربي اللسان حتى وإن تعددت لهجات أبنائه؟
وهل يقبل بوش وشارون وحكام فارس بتعميم الحقائق التاريخية كقاعدة تعمم وتحدد بموجبها ترسيم الخرائط الجغرافية والحدود؟ وهل يمكن تطبيقها على جزء من أطهر الأراضي العربية لصمود شعبها في مواجهة الفرس. فالأحواز عربية المولد.. عربية اللسان..عربية السلوك..عربية الماضي والحاضر والمستقبل..وتتحمل كل صنوف التنكيل بأرضها وبأبنائها .. وذنبها في هذا أنها تتمسك بهويتها العربية؟
أم نصل إلي النتيجة المتوقعة التي قصدها المشرع المتآمر..وهي أن يحدد كل طرف من أطراف الاتحاد الزائف والزائل من أين تبدأ الحقائق التاريخية؟ وهذا بالضبط هو المطلوب. أن ينفرد كل طرف وفقا لأطماعه بتحديد من أين تبدأ الحقيقة التاريخية.. بعدها يتولى التقاطع والاختلاف في الرؤية وحجم المغانم ليخلق حالة اقتتال دائمة إن لم تنجح في تجزئة العراق فعلي الأقل تصيبه بالشلل.
وحتى لو تصورنا أن الحوار سيكون بديلا عن الاقتتال بين أطراف الاتحاد ففي حالة الخلاف حول تحديد الحقائق الجغرافية والتاريخية فإن المادة الأولي ( أو ما أسميه بالجمرة الخبيثة في تلمود بوش) تمنح كل طرف من أطراف الاتحاد أن يقرر بمفرده أن ينفصل عن الاتحاد وقت ما شاء، فمن دخل الاتحاد باختياره يستطيع أن ينسحب من الاتحاد بنفس الطريقة التي أنضم بها..ليصلوا إلي نفس النتائج تقسيم العراق وتدميره.
وفي النهاية سيصل أطراف هذا الإتحاد المزور إلي الاحتكام للقتال المسلح .. بمعني الاحتكام إلي موازين القوة. وما يجري الآن هو نتاج طبيعي لواقع غير طبيعي..لا يمكن أن يتم فيه أي مصالحة وطنية. ولا يمكن أن يقال أن مأساة العراق ينهيها كتابة عدد من صفحات يقال عنها أنها دستور جديد سيحقق الأمن والسلام والديمقراطية والرفاهية..إلي آخر من ترديد شعارات وعبارات أفقدت كل شئ جميل مضمونه.
فالدستور باعتباره القانون الأساسي لأي مجتمع لا ينشأ حالة استقرار ولا يخلق حالة توافق سياسي واجتماعي ومعيشي.. وإنما يكون الدستور نتاج لواقع مستقر اجتماعيا وسياسيا ومتواتر .. بمعني أن الدستور هو تعبير عن واقع وليس منشأ لهذا الواقع. فواقع الأوضاع الدستورية وثيق الارتباط والصلة بالواقع الاجتماعي والسياسي فهو الذي خلق الفكرة الدستورية وليس العكس..ومن خلالها نشأت وظهرت النظم البرلمانية والرئاسية. وعليه يتحدد دور الدستور في أن ينظم ويضبط العلاقات بين مؤسسات خلقها الواقع الاجتماعي والسياسي..وهو لا يخلق حالة استقرار..ولكنه يصبح تعبيرا عنها.
ولأن الدستور هو أبو القوانين في كل مجتمع مستقر، فلا يعقل أن يكون دستور جمهورية بوش إلا دستورا وأبا للقطاء.
والغريب أن أول من يدرك هذه المعاني حول الدساتير هم أعداء العراق والأمة .. فالفكرة الدستورية نشأت في البدء في مجتمعاتهم..ورغم هذا فإنهم يكذبون على أنفسهم وعلى شعوبهم..ثم يتبجحون ويطنطنون بالحديث عن الحريات العامة والديمقراطية، ولا يخجل هذا البوش أن يضيف إلي جهله بالمعرفة العامة..جهله بما تعنيه كلمة دستور.
على كل الأحوال فما جاء في تلمود جمهورية بوش في العراق ليس بدستور وإنما هو شبكة محكمة من الفخاخ والشراك يراد منها أن يقع العراق بأهله وبأرضه وبثرواته في قبضة المستعمرين والمأجورين الخونة.
وقد تكشف الأيام أن نصوص تلمود بوش قد جري إعداده سلفا، ومن قبل أن يبدأ بغزو العراق. تعاليم ونصوص جرت صياغتها بفعل رؤية تاريخية كارهة لأمة العرب..عمرها يتعدى الألف عام .. حالة من الحقد متوارثة ما زالت قائمة..ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن ما عرضه المرتزقة على الشعب العراقي بكونه دستور هو من نتاج تصورهم أو جهدهم، فالذين جاءوا في نعال الغزاة مهمومون بأمنهم وأمن أسرهم بما لا يدع لهم أي فرصة للتفكير والتخطيط..فهذا أمر موكول لمن أتوا بهم.
سلمت يا عراق العروبة.
سلمت يا وطني الحبيب من مكائد وأطماع أعدائك سواء من جاؤوا من صلبك، أو من الكارهين لتاريخك ودورك وثراءك وكرمك وحضارتك وأهمية دورك في حياة أمتك.
سلمت لأمة العرب وسلمت لكل ما هو إنساني المقصد والمعني.
فصبرا.. يا أهل العروبة في العراق .. إن موعدكم مع النصر.

المصدر : التجديد العربي

2005-11-28

أضف تعليق