إذا صح أن ليل الاحتلال في العراق قد دخل هزيعه الأخير وأن العام المقبل سيكون عام تحرير بلاد الرافدين ، فإن حكاية الغزو المريرة تكون قد دخلت اليوم في ربع ساعتها الأخير، وهو الوقت الذي سوف يكون بمرارته أضنى من كل مامضى من الأوقات ،
وأطول من كل ما مر من السنين، وعقارب ساعته أبطأ من كل مقاسٍ للزمن , وذلك لأن جحافل الغزو لم تستنفد بعد كل رصيدها من وسائل الدمار والخراب لوطن كاد يوماً أن يعلي عمرانه ، ويدشن صروح نهضته ، بسواعد عماله وعقول علمائه ، وإشراقات أدبائه و فنانيه في صفحات التاريخ الحديث!
فغزو العراق بالاستنتاج المنطقي الراسخ لم يكن حملة عسكرية ( متحضرة) للإطاحة برأس نظام بغداد عقاباً على مصادرة حرية الرأي واغتيال الديمقراطية في العراق بعد أن افتضحت قصة أسلحة الدمار الشامل الملفقة وتبرأ منها توني بلير أمام لجنة التحقيق الانكليزية المولجة بفك ألغاز قرار الغزو ومدى الشراكة الانكليزية الأميركية فيه ، واحتلال العراق بالاستنتاج المنطقي أيضا لم يكن لمجرد وضع اليد على الثروات النفطية واحتياطيها الهائل ، لأن النفط سلعة ، والسلعة معروضة في أسواق البيع دوماً لمن يشتريها ، لاتحتاج إلى كل هذا الجحيم الحربي للفوز بعقودها!
تصبح الغاية من الغزو بعد قراءة كل ماحدث واستشعار الآتي القريب هي شطب العراق من خارطة العرب كوطن ودولة للعودة به إلى المجتمع القبلي المتناحر الذي تُشعل فيه الناقة حرباً لاتخمد نيرانها على مر السنين ، ثم تصدير تلك الحالة إلى الجوار العربي والإسلامي ماشاء للخارطة أن تمتد في كل الجهات ، وماشاء للبشر أن يسكروا باسم الغريزة والعصبية حتى الفناء المحتوم.
أول مافعله الغزو في العراق قبل سبعة أعوام هو تهديم الدولة بجيشها وأمنها ومؤسساتها وحكومتها ، ليصبح كل شيء مشاعاً هناك ، وكأنه يرسم على الورق بقلم رصاص صورة عراق لن يغادره إلا بعد إكمال علاماته الفارقة ، خزاناً للفتن وقاعدة لصراع مغمض العينين يكثر فيه الضحايا وتسيل الدماء وتتراكم الأحقاد ، ولأجل ذلك كانت التركيبات الهشة لهياكل الحكم بإدارة الاحتلال تحمل دوماً بذور ذلك الصراع فهو لم ينفخ في روحها لتحكم بل لتتصارع وتزج في صراعها القبيلة والعشيرة تحت عنوان تعددي خادع لم يثق به أحد أو يحسن الظن!
كان الخلط بين المقاومة والإرهاب مقصوداً لا لاستئصال الإرهاب بل لتلويث شرف المقاومة ، وكانت ملاحقة علماء العراق واغتيالهم أمراً مقصوداً لا للانتقام من عقولٍ فكرت يوماً بالتقنية النووية وكادت تدير مفاعلاً للطاقة ، بل لحرمان العراقيين من المستقبل وإلهائهم بالتحدي الإثني كيفما كانت طبيعته ، بدلاً من تحدي العلوم والمعرفة واللهاث خلف تجديد عصور نهضتهم وحضارتهم القديمة!
في ربع الساعة الأخير من عمر الاحتلال - إذا أوفي بعهد الانسحاب من بلاد الرافدين- سوف تعمل الإدارة الغازية ليل نهار على تعميق الفتنة حتى تختلق قانونها بنفسها ، وتصبح كل الطرق سالكة أمام القسمة ومسدودة أمام الجمع، فتدير اللعبة مافيات الخراب بما تمتلك من خبرة في توزيع القتل على كل الرؤوس وبما تختزن من جوع إلى السلطة والحكم ، ،ولو على أشلاء وطن تنهشه الذئاب من كل جانب!
في ربع الساعة الأخير هذا سوف يتسابق على أرض العراق مصيران ، أولهما رسم الغزاة صورته الأولى بقلم رصاص ، وهو يجهد اليوم لاستكمال علاماته الفارقة ، وثانيهما بيد الوطنيين العراقيين الذين يقاومون الاحتلال منذ سبعة أعوام ويفسدون عليه مكائده الشيطانية ، ويكسرون أرجل جنوده وهم يهمون بالرحيل، هؤلاء العراقيون العرب هم جياد المستقبل ، التي نراهن عليها وهم بشائر فجر التحرير ،وعقل العراق الذي لم يفقد يوماً توازنه وهم إطفائيو الفتنة، وحراس وحدة العراق ، وجذر العروبة في وطن مر على فراته ودجلته غزاة كثر، ثم انطووا وبقي النخيل يخضرّ على ضفتي النهرين في كل الفصول!
ربـــع الســـاعة الأخــيــر!... سهيل ابراهيم
