لا يختلف اثنان أن الزوبعة التي أثيرت مؤخراً حول ما بات يعرف بقانون المسائلة والعدالة والذي من خلاله تم إقصاء المئات من المرشحين للانتخابات المزمع إجراؤها في العراق؛ له من المعطيات ما يثير الريبة والدهشة في الوقت نفسه،
وفي غمرة ذلك جاءت التفجيرات الجديدة في بغداد ليومين متتاليين لتعيد إلى الأذهان الأيام الدامية التي يشهدها العراق بصورة مستمرة .
إن مجريات الأحداث هذه وغيرها من التي ترتبط بالوضع العراقي الراهن لها مساحات مشتركة وأواصر فيما بينها، وتنبئ عن مشهد متوقع وسيناريو حدوثه وارد .
ولكي تكون الصورة أكثر وضوحاً لا بد من الاستعانة ببعض البديهيات في القضية العراقية، ودمجها في سياق الحديث كلما اقتضت الضرورة، فهي التي من شأنها أن تكون عوناً في الفهم، وعضداً في التصور .
كل العقلاء من العراقيين وغيرهم يدركون أن العملية السياسية الشوهاء تعد السبب الرئيس في كل ما يسبب اعوجاجاً في المسار، وتصدّعات في المشهد، لأن ما بُني على خطأ لا يمكنه أن يُنتج صواباً حتى لو توافرت له وسائل وإمكانيات تسهم في التقويم، فكيف إذا انعدمت هذه الوسائل وألغيت كما هو حاصل في قاموس العملية السياسية التي أسسها الاحتلال الأمريكي في العراق؟؟!
وعلى كل حال يمكن للمتابع أن يُدرك مغزى الهجوم الحكومي على فئة معينة من شركاء العملية السياسية في هذا الوقت دون غيره، والتفجيرات التي وقعت في فنادق بغداد استغلتها الحكومة الحالية لاتهام أولئك الذين تسعى لاجتثاثهم، متناسية أنها تزيد سمعة أجهزتها الأمنية سوءً على سوئها الذي أُتخمت به، وقد تناغمت هذه المشاهد لتعطي انطباعاً واحداً عن عدو الحكومة في معركتها الانتخابية التي على ما يبدو أنها ما تزال تثير الريبة لدى كل الأطراف المتنافسة؛ وذلك لسبب أساس هو أن الإرادة الأمريكية للمرحلة القادمة في العراق ليست مكشوفة كما كانت في المراحل السابقة إبان تشكيل الحكومات الأربع الماضية، ما يجعل السياسيين وأحزابهم في هوس واضطراب .
ومن بديهيات احتلال العراق أنه جاء على اعتبار كونه وسيلة من وسائل الحرب المعلنة على العالم الإسلامي، ولا ريب أن تدمير الإسلام، وإلغاء نظمه، وإبعاده عن مفاصل الحياة؛ يعد الهدف الأكبر للحروب التي مرت عبر التاريخ، وحيث أن الحرب المعاصرة امتداد لسابقاتها فقد اتخذت من وسيلة تشويه الإسلام ومبادئه أداةً للوصول إلى الهدف المنشود، والأنظمة الغربية تدرك أن نظام الحكم في الإسلام هو الذي يحقق الحياة المثلى للمسلمين وغيرهم، وإذا تحققت هذه الحياة فلن يكون لوجودهما أيّ اعتبار، فضلاً عن أن شوكة المسلمين ستكون أكثر قوة، ولذلك عمد الاحتلال الأمريكي في العراق على جعل الأحزاب التي تسمي نفسها (إسلامية) على سدة الحكم لغايةٍ مقصودة وأمرٍ يُراد ..!
المتخبطون من أتباع الأحزاب التي استعارت اسم الإسلام لبسط سطوتها على المجتمع المسلم كانوا أداة الاحتلال المناسبة لتمييع قضية نظام الحكم الإسلامي في حس الشعوب المسلمة، وهذا ما حصل بالذات في العراق بعد الاحتلال، فقد أطلق الأمريكيون العنان للأحزاب ذات الشعارات (الإسلامية) لتفعل ما تشاء خلال السنوات الماضية بعد احتلال العراق، ونتيجة لفشلهم على كافة المستويات فقد تذمر الشعب العراقي منهم، وأصبح كرههم جزءً من يوميات حياته، الأمر الذي يزرع في نفوس الناس أنّ النظام الـ(لا إسلامي) هو الذي يوفر ما يحتاجه الشعب ويلبي طموح المجتمع، رغم أن النظام الإسلامي بعمومه وجزئياته بريء مما يطفو على أفكار الأدعياء، فالعيب لم يكن يوماً صفة للنظام الإسلامي الذي ثبت تاريخياً أن لا نظام أصلح منه في قيادة الأمة، ولكن الإخفاقات التي كانت ولا زالت تصاحب فئة ممن فرضوا أنفسهم (قادة) على عصبة من الناس؛ هي من انحراف سلوكهم، وسوء فهمهم، وتغليب الهوى في الطرح على المبدأ والثوابت .
ولكي تضفى البطولة على معسكر الفكر غير الإسلامي، وتصنع لهم جماهيرية واسعة، وتبنى لهم حواضن قوية؛ كان لا بد من جعلهم عدواً للأنظمة التي بات يكرهها الشعب العراقي، ولقد دأبت قوى الغرب قديماً وحديثاً على صناعة (رجالهم) في العالم الإسلامي بعد أن يُلبسوهم أثواب البطولة والوطنية والحرص على الأمة، تماماً مثل أتاتورك، وسعد زغلول وغيرهم ممن طعنوا الأمة الإسلامية في ظهرها بعد أن صُنِعُوا على أنهم (رموز) لها .
وبما أنّ عدو المكروه صديق، فإنه سيكون منبع أمل، ومحقق غايات، ومنقذ من ظلم، وآخذ إلى بر الأمان ... وما إلى ذلك مهما كان فكره، وبالرغم مما يكن صدره، ولم الاهتمام بأمور كهذه ما دام سوف يحقق الأمن ويُفشي الرفاهية ويُشبع الشعب من جوع ويبعد عنهم شبح الخوف .؟؟!.! هذه الفكرة التي يريد الاحتلال زرعها في أذهان الناس لكي يُنتزع الإسلام من النفوس والقلوب والعقول ..!
وفداحة الخطأ الذي أرتكبه (إسلاميو) العملية السياسية في العراق كبيرة، فهم الذين أوصلوا البلاد إلى هذا المنعطف الذي هيَّأ للاحتلال نقطة الانطلاق لمرحلة أخرى، ومكّنها من أسبابها .
ومن هذه المنطلقات البديهية وعلى ضوء المعطيات الراهنة تُفهم ملامح عن الإستراتيجية الأمريكية للمرحلة المقبلة في العراق، والتي على ما يبدو فإنّ الأمريكيين عازمون على الإتيان بنظام جديد يكرس لهم تطبيق برامجهم، ويثري مصالحهم، بعيداً عن الشعارات الإسلامية التي أسقطها أدعياؤها وجعلوها محطة كُره وتذمر لدى عامة الناس، وحتى تُتقن اللعبة فإنهم سوف يؤطّرون هذا النظام بإطار يجعل منه يحظى بثقة جماهيرية، ولعل أبرز سمات هذا الإطار أن النظام المنشود (مناهض) للنظام الحالي الذي يتمنى الشعب العراقي زواله بأي ثمن ..!
لكنها مناهضة مفتعلة، لا تمت إلى المناهضة الحقيقية التي تمارسها قوى رفض الاحتلال بصلة، ولا تشترك معها برابط أو مساحة، كل ما في الموضوع أن الاحتلال يدرك مدى ترابط الشعب العراقي مع قوى المناهضة والممانعة وتعلقه بها وتعويله عليها وعلى برامجها، ولذلك فإنه سيتخذ من هذا البساط مفرشاً لأولئك الذين يريدهم أن يكونوا شبابيك يطل من خلالهم على البيت العراقي ويكشف عن ما في داخله باستمرار، وأبواباً يدخل من خلالها دون أن يقرع، ذلك في حال صدقت إدارة أوباما في تحقيق وعودها بالانسحاب، أمّا إن تخلت عن الوعود ـ وهو المتوقع ـ فإن النظام هذا سيكون الأداة المباشرة لتنفيذ برنامج الاحتلال دون إيقاعه بأخطاء الحكومات السابقة التي عمالتها مكشوفة، وفي كلا الحالين فإن المخطط ماضٍ ويجري على قدم وساق ..!
لقد وقعت الحكومة الحالية في الشَّرَك الذي نُصب لها، وزادها إمعاناً في الوقوع إيهام الإدارة الأمريكية لها بالوقوف إلى جانبها وتأيدها... فجاء الاجتثاث ..!
إن المجتثين ليسوا بأحسن حالاً ممن اجتثهم، فهم جميعاً شركاء في جريمة العملية السياسية التي نفذت مرحلة مهمة من مراحل برنامج الاحتلال في العراق، ولا يختلف المجتث عن من اجتثه إلا في الشعارات المرفوعة والتي بطبيعتها زائفة، تُرفع لتحقيق غايات مقصودة وأهداف محددة للوصول إلى المفصل الذي يجعلها ضمن إطار برنامج الاحتلال لا تحيد عنه، فيقودها إلى المبتغى الأساس الذي تروم القوى العالمية (الكبرى) الوصول إليه، صحيح أنه قد يكون بعيد المدى وبطيئاً.. لكنه أكيد المفعول..! وقد اجتثت حكومة المالكي أشخاصاً لا يُستهان بعددهم دون شعور منها أنها قدمت لهم (قاعدة جماهيرية) يريدها الاحتلال على طبق من ذهب .
إن مراحل برنامج الاحتلال في العراق تتطلب الاستغناء عن بعض الوسائل التي لم تعد صالحة، أو التي انتهى عملها بعد أن حققت المطلوب، ومنهجية الغرب معروفة على المستوى التاريخي في كيفية إنهاء خدمات العبيد حين تنتهي صلاحياتهم، والمتوافر الآن على الساحة العراقية من معطيات تشير إلى أن العديد فقدوا صلاحياتهم وينبغي أن يُجتثوا.. وهذا سيحصل على وفق منهج آخر، غير منهج هوى حكومة المالكي ..!
الاجتثاث المعكوس هو السيناريو الوارد حدوثه في المرحلة القادمة على ضوء البديهيات والمعطيات السارية الآن؛ بمعنى أن المجتثين اليوم هم الراسخون غداً ومن اجثهم هم من سيزول ..!
وعلى مبدأ العملية السياسية فإن نتائج الانتخابات القادمة ينبغي أن تكون وفق المحاصصة، شبيهة بما هو عليه الآن، وهذا ما يتقاطع مع ما أشرنا إليه آنفاً من ابتغاء الإطاحة بالشعارات (الإسلامية) الأمر الذي يفرض على الإدارة الأمريكية إعادة الحسابات بطريقة ما كأن تؤجل مثلاً وفي التفجيرات الأخيرة رسالة بذلك..!
وإذا أردنا إدخال إيران في طرف الحديث من حيث تبادل المصالح مع الأمريكان فإن المرحلة القادمة سوف تقوم على أساس المحاصصة لكن بطعم آخر، وهذا ما نلمحه في شخصيات ما يسمى قائمة (العراقية) ـ وهي ترفع الشعار اللاديني ـ التي لوّح بها الاحتلال وجعلها ثقباً للاطلاع على شكل المرحلة القادمة، فقد اعترف رئيسها أنها موزعة طائفياً بنسب معينة، بمعنى أنّ المحاصصة ستكون حاصلة في نتائج الانتخابات ولكن بشكل بوتقة ظاهرية سرعان ما سيتلاشى الحس الإسلامي من المسميات والأشخاص ويذوب فيها قبل أن تظهر بصورتها الجلية التي يخطط لها الاحتلال، خوفاً من عملاء إيران في العراق أن يقوموا بأعمال تعرقل المشروع الأمريكي خاصة، وأن لا ثقة بين أي عنصرين تقوم أعمالهما على أساس المنفعة وتبادل المصالح..! فهو تخدير وامتصاص من جوانب عدة، حفاظاً على المصلحة المتبادلة بين أمريكا وإيران التي لا تزال سارية المفعول، وقد تكون نافعة بعض الشيء في المرحلة القادمة إذا ما نظرنا من زاوية أن أمريكا تمسك دول المنطقة من اليد التي تؤلمها كما يقولون وتجعل من إيران (الغول) الذي يهدد أمن تلك الدول وأمن الخليج خاصة .
وقد تكون في الأمور مبالغة، لكنها واردة ولها أرضية للتطبيق إذا قلنا أن مسألة الانتخابات مؤهلة لأن تُلغى ويصار إلى انقلاب يقوم به الجنود الجدد من المجتثين على حكومة المالكي فيجتثونها وفق نظرية الاجتثاث المعكوس والرجوع إلى المربع الأول الذي يهيئ لبرنامج الاحتلال إعادة إنعاش وتوسيع في الخطط ووضع المزيد منها .. أو قد لا يكون الأمر بصيغة الانقلاب المتعارف عليه أو الذي يرد إلى الذهن فيصار إلى تأجيل الانتخابات أو تغيير قوانين أو استئصال الرموز السياسية التي تعبر عن جهات بعينها باغتيالات وما شابه ذلك .
وتبقى السيناريوهات الأخرى المحتملة واردة الحدوث وكل شيء قابل للتغيير فالسياسة لا تعرف قراراً، وقد يُقلب ظهر المِجنّ في آخر لحظة وذلك بحسب مقتضيات المصلحة الأمريكية وأطر برنامج الاحتلال في العراق .
جهاد بشير
jehad_bashir_(at)_yahoo.com
وجهة نظر.. الاجتثاث المعكوس.. سيناريو وارد الحدوث...جهاد بشير
