يضخ الإعلام الغربي بكل وسائله المسموعة والمرئية والمطبوعة يومياً كماً ضخماً من المعلومات والأخبار التي تنقل إلى الشعوب المتلقية لهذه الأخبار والمعلومات في صورة حقائق ومواقف صادقة. ويساهم ذلك بصورة مستمرة في تغيير سياسات الحكومات التي تنبني في معظم الأحيان على القناعات الشخصية لصانعي القرار.
وبما أن الإعلام الغربي يؤثر بصورة فعالة على كثير من القيادات السياسية في العالم فلا شك في أن لهذا أثراً على القرارات التي تصدر عنهم.
لقد دعا ذلك الأمين العام السابق للأمم المتحدة للقول إن “وكالة الأنباء التلفزيونية CNN هي العضو رقم [6] في مجلس الأمن”. ولكن هل نستطيع الجزم بأن وكالات الأنباء هذه تعبّر عن المعاناة الحقيقية للبشر؟!!.
إن المتتبع لمصادر الأخبار الغربية وطرق صياغتها وأساليب إيصالها للمواطن في العالم يرى الكثير من التجاوزات في المصداقية والحيدة وتحرّي الحق. وكثرت في الآونة الأخيرة الدلائل على المحاولات المتعمدة للإعلام الغربي لإعادة صياغة وتفسير وتشويه للمواقف السياسية بما يخدم أهداف الغرب ومن وراءه. ويستدعي هذا الأمر محاولة جادة لفهم هذا الإعلام وكيف يعمل. ومن أهم هذه الأسئلة ما يتعلق بمصداقية هذا الإعلام من وجهة نظر الباحثين والمفكرين الغربين.
تساؤلات عن المصداقية
في دراسة أعدها كل من أندرو كوت وروبرت قوث عن ثقة المواطن الأمريكي في مصداقية الإعلام الغربي، ونشرت في دورية “الصحافة والسياسة” الصادرة عن جامعة هارفارد، وجد أن المجتمع الأمريكي قد انخفضت ثقته بالإعلام الغربي بصورة واضحة في السنوات الأخيرة، كما أظهرت الدراسة نفسها أن أكثر من 60% من الشعب الأمريكي يعتقد أن الإعلام يركز على الجوانب السلبية أكثر من اللازم.
كما أسفرت الدراسة عن أن أهم أسباب عدم المصداقية يرجع إلى “عدم الحيدة” من جانب الإعلام الغربي عند عرض القضايا وتحليلها. ولا شك في أن الأحداث الأخيرة قد أظهرت بجلاء هذه الحقيقة سواء من خلال الهجمات المتتالية على قيم ومبادئ الإسلام دون وجه حق، أو الهجوم المتواصل على بعض الدول العربية كالسعودية ومصر، واتهامهما بكثير من الاتهامات الباطلة، أو من خلال تشويه صورة الجالية العربية والإسلامية في أمريكا.
إن الغالبية من الشعب الأمريكي التي كانت تثق بمصداقية وسائل الإعلام الغربية قد تحولت إلى أقلية خلال العشر سنوات الماضية. فبينما اعتقد 33% من الشعب الأمريكي في عام 1985 أن الإعلام بصورة عامة يفتقر إلى المصداقية، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 44% في عام 1992 وبلغت في نهاية عام 1997 حوالي 53%.
مصداقية الإعلام - أندرو كوت وروبرت قوث - الصحافة والسياسة - جامعة هارفارد
وفي دراسة إحصائية أعدتها مؤخراً مؤسسة جالوب المتخصصة في أبحاث الرأي العام والدراسات الإحصائية في 13 يونيو 2005 وجد أن 44% فقط من الشعب الأمريكي يثق في وسائل الإعلام الأمريكي بوجه عام. وانخفضت النسبة بشكل حاد إلى 28% فقط من الثقة في الصحف وقنوات الأخبار التلفزيونية.
ويعني ذلك أن معظم الشعب الأمريكي لا يثق في مصداقية الإعلام الأمريكي على الرغم من ادعاء هذا الإعلام للحياد والإيجابية والتغطية المتوازنة للأحداث.
وفي حوار تلفزيوني معروف [أونلاين نيوز أور Online NewsHour] أذيع في بداية عام 2005 ذكر أندرو كوهويت وهو رئيس مركز أبحاث 'بيو' الإعلامي أن ثقة الشعب الأمريكي في صدق وسائل الإعلام الأمريكية قد تضاءلت إلى ما يقارب 38% حسب إحصاءات المركز، وأن قناعة المواطن في حيادية وسائل الإعلام الأمريكية فيما يتعلق بتغطية الانتخابات الأمريكية قد تناقصت من 58% في العقد الماضي إلى أقل من 38% في الانتخابات الأمريكية أي أن معظم الشعب الأمريكي لا يثق بالإعلام الأمريكي كوسيلة للتعرف على مواقف الناخبين وبرامجهم الداخلية والخارجية.
إن انعدام المصداقية ليس سببه فقط عدم الحياد، وإنما عدم الالتزام بالمبادئ الأخلاقية أيضاً في التغطية الإعلامية. فقد شهد العام الماضي عدداً من حوادث طرد الصحفيين المرموقين من المراكز الإعلامية التي يحتلونها لثبوت ضلوعهم في تلفيق قصص لا أصل لها سواء على مستوى التغطية المحلية للأخبار أو على مستوى التعامل مع الأحداث العالمية. فقد اعتذرت مؤخراً مجلة النيوزوييك عن أنها لم تلتزم الدقة الصحفية عند الحديث عن تمزيق المصاحف في معتقل جوانتنامو.
وفي الصيف الماضي قامت صحيفة يو أس أيه توداي USA Today بفصل مراسل الشؤون الخارجية المعروف جاك كيللي بعد ثبوت اتهامه باختلاق وتلفيق القصص الصحفية. وقبل ذلك بعام حدثت تغييرات جذرية في صحيفة نيويورك تايمز عندما ثبت أن المحرر جايسون بلير قد اخترع وألف العديد من الأخبار التي كانت تنشر في الصحيفة. ويضاف إلى ذلك تولد قناعة عالمية مؤخراً لدى معظم شعوب العالم بأن الإعلام الأمريكي لا يوثق به في تغطية الأحداث الهامة في العالم؛ لأنه أصبح أحد أذرع الإدارة الأمريكية في تمرير سياساتها وفرضها على شعوب العالم.
التباين الزائف في الإعلام الأمريكي
لقد أدت سيطرة قوى الضغط وأصحاب المصالح السياسية على وسائل الإعلام الأمريكي إلى ما يسمى “بالتباين الزائف”. ويعني ذلك وجود تبايناً في المواقف الإعلامية لوسائل الإعلام الأمريكية فيما يتعلق بالقضايا التي تهم مصالح فئة معينة في بعض الأحيان، وهو ما يظهر وكأنه حياد وموضوعية في التغطية الإعلامية. لكن المتمعن في هذا التباين يجد أنه في النهاية يقدم ما يخدم هذه الفئة وإن ظهر أن هناك اختلافاً في الرؤى والمواقف.
ويمارس اللوبي الموالي لإسرائيل هذه الخدعة بطريقة متكررة ومؤثرة أيضاً. فعند تغطية أخبار الشرق الأوسط في الإعلام الأمريكي يلاحظ أن بعض المحللين يتبنون الموقف الإسرائيلي بحرفية تامة. وفي المقابل يقدم البعض الآخر انتقادات هادئة للموقف الإسرائيلي من وجهة نظر متعاطفة. ويظهر طرف ثالث بصورة محايدة ودون اتخاذ موقف واضح. ولكن لا يوجد ضمن هذا التباين من يتبنى الموقف العربي أو الإسلامي في أي من هذه القضايا، ولذلك فإن المواطن الأمريكي يشعر بإحساس زائف بتباين المواقف، ولكنها في النهاية بمجموعها تصب في صالح التيار الصهيوني.
إن نسبة اليهود بين الشعب الأمريكي لا تتجاوز 2.8% من إجمالي عدد السكان أي أن اليهود لا يزيدون عن مواطن واحد فقط من كل 36 مواطن أمريكي. ولكن الباحث عمن يمتلك ويؤثر على أجهزة الإعلام يجد أن نسبة الوجود اليهودي فيها تزيد عن 60% من المناصب القيادية، وفي بعض الوسائل الإعلامية تصل هذه النسبة إلى ما يقارب 90%. فهل من قبيل المصادفة البحتة أن تتولى فئة لا تتعدى 2.8% من الشعب الأمريكي القيادة والسيطرة على 90% من بعض وسائله الإعلامية؟!!.
الهيمنة الصهيونية على الإعلام الغربي - باسم خفاجي - المجموعة الإعلامية الدولية - 1998م
إن أحد أكبر مشكلات الإعلام الأمريكي فيما يتعلق بالشؤون الخارجية تكمن في السيطرة الأحادية للوبي الموالي لإسرائيل على مختلف وسائل الإعلام الأمريكية التي تسعى دائماً إلى تعتيم الحقائق وإخفائها بصورة شبه كاملة عن المواطن الأمريكي فيما يتعلق بالقضايا التي تهم هذه الفئة. كما أن وصول الرسالة الإعلامية نفسها من خلال عدد من الوسائل الإعلامية المختلفة، ومن خلال شخصيات ومؤسسات تظهر في الواقع وكأنه لا يوجد بينها أي رابط يعطي المتلقي إحساساً زائفاً بصدق الرسالة الإعلامية.
وهناك سبب آخر لتفسير هذا التباين في المواقف وهو أن اللوبي الصهيوني يمكن أن يكون له أكثر من موقف حيال نفس القضية. وقد يكون لاختلاف الآراء داخل التيار اليهودي في أمريكا أثراً على بعض المواقف الإعلامية. ولكنها في النهاية مجموعة آراء تهدف إلى خدمة فئة بعينها ولا تعبر بالضرورة عن تباين الرأي العام الأمريكي، ولكنها تحاول تشكيله ليبقي في كل أحواله داخل منطقة خدمة مصالح الصهاينة.
وقد عبر عن ذلك أنتوني لويس – وهو كاتب متعاطف مع الفكر الصهيوني - ومحرر في صحيفة النيويورك تايمز عرف ببعض النقد الحاد للحكومة الإسرائيلية خلال الانتفاضة الفلسطينية قائلاً: “إذا كنت تحب إسرائيل فأنت تريد لها أن تكون على صواب دائما”.
ولذلك فقد يظهر في النهاية تباين في المواقف ولكنه في كل أحواله لا يخرج عن مناصرة مصالح اللوبي الصهيوني بصورة أو بأخرى. وللأسف فإن المواطن الأمريكي لا يشعر في الغالب بهذا العبث وإخفاء الحقائق.
خاتمة
إن الإعلام الأمريكي أصبح يفتقر إلى المصداقية في نظر المفكرين والباحثين الغربيين فضلاً عن الرأي العام الأمريكي، لذلك فمن المهم عند التعامل مع هذا الإعلام أن يكون لدى القارئ أو الباحث القدرة على تمييز الخدع الإعلامية التي تهدف إلى ليّ أعناق الحقائق وتغييرها لخدمة أهداف من يحركون هذا الإعلام ويقفون خلفه.
إن بين الحق والباطل صراعاَ وتدافعاَ إلى أن تقوم الساعة. ويسعى أصحاب كل فريق إلى استخدام كل الوسائل الممكنة لتحقيق النصر. فأما أصحاب الحق فإنهم يلتزمون بمبادئ الأخلاق والصدق في كل أعمالهم ومنها وسائل الإعلام والتغطية الإعلامية للأحداث، وأما أصحاب الباطل فيميلون دائماً إلى استخدام الكذب والخداع في محاولاتهم الحثيثة للانتصار على الحق. وقد يحققون بعض الانتصارات المرحلية، لكن النهاية والغلبة تكون للحق وأهله:
«ويمحُ الله الباطل ويُحق الحق بكلماته» [ الشورى: 24]. «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» [ الأنبياء: 18]. «إن الله لا يُصلح عمل المفسدين» [ يونس: 81].
وكالات
24/11/2005
مصداقية الإعلام الأمريكي.. د. باسم خفاجي
