هيئة علماء المسلمين في العراق

أكلتم يوم أكل الثور الأبيض...بقلم: د.عبد الحميد الكاتب
أكلتم يوم أكل الثور الأبيض...بقلم: د.عبد الحميد الكاتب أكلتم يوم أكل الثور الأبيض...بقلم: د.عبد الحميد الكاتب

أكلتم يوم أكل الثور الأبيض...بقلم: د.عبد الحميد الكاتب

ليس عجيبا أن تختلف الآراء، وليس غريبا أن تتنوع الاجتهادات فيما لا نص فيه، فمن الطبيعي أن الرؤى مختلفة وأن الأهداف متعددة وأن الجذور الفكرية التي يتم الانطلاق منها متنوعة، ويزداد هذا التنوع والاختلاف حين يتعلق الأمر بالغيب واستشراف المستقبل، لكن من أغرب الغرائب وأكبر العجائب والمخالف للطبيعة أن يشذ أفراد على جموع العقلاء، وتزداد الغرابة في إصرار من شذ على رأيه رغم كل محاولات الحوار بدعوى حرية الرأي واختلاف الرؤى ومنهجية التفكير.
وفق المنطق (الغريب والعجيب) هذا دخل أناس بقوة في (العملية السياسية) التي رسم جميع مفاصلها المحتل والتي كانت تغازل بوضوح بعض الأطراف التي لها أطماع انفصالية وارتباطات خارجية، ورغم الجموع التي بحت أصواتها محاولة إقناعهم بعدم جدوى هذه العملية، وأن خسائرها أكبر من الربح المؤمل منها، وأن الظن الراجح في المسألة أنهم سيكونون سلما ليصعد عليهم الآخرون، وأنهم سيعطون العملية السياسية هذه من الشرعية أكثر مما سيأخذون، وأن دفع مفسدة المشروع الأمريكي هنا هي الأولى فلا رجاء من أي مصلحة أخرى.
لكن من منطلق (حرية الاجتهاد) والتعلل بـ(المصالح والمفاسد)، واستنادا بأن لهم رأيا كما للآخرين آراء ولهم عقول كما عند غيرهم، ومعهم خبراء في السياسة وعلماء شريعة يساندونهم ويؤيدون اختيارهم واجتهادهم فما كان منهم إلا تنفيذ ما رأوا والسير في طريقهم.
ولكن حين تكشف الأيام خطأ اجتهادهم، وتثبت الأحداث فشل تجربتهم، ويكون الحصاد مرا علقما دون أي ثمار ترتجى، وتأتي نتائج الحسابات لنجد أن الخسائر أضعافا مضاعفة لـ(الأرباح)، حينها يكون الاستمرار في هذا الطريق ضربا من الجنون أو إصرارا على الانتحار.
قالوا أن دخولهم في (العملية السياسية) سيحقق التوازن ويمنع الظلم عن المضطهدين وإطلاق سراح المعتقلين ويقفون بوجه العابثين الساعين إلى سرقة ثروات العراق، وطلبوا أن لا نتسرع في الحكم على تجربتهم وإعطائهم المهلة الكافية للقيام بواجبهم، فانتظرنا حتى انتهت (الحكومة) وما تحقق أي شيء مما قالوا، فلا توازن تحقق بل التطهير على قدم وساق في المؤسسات، ولا ظلم رفع بل أخذت الأجهزة (الحكومية) تجاهر بالأعمال التي كانت تقوم بها الميليشيات تحت جنح الظلام، أما إطلاق سراح المعتقلين فكان على استحياء وسرعان ما يعاد اعتقال من يطلق سراحه فضلا عن ازدياد عدد المعتقلات التي تضاعف فيها أبناؤنا بشكل رهيب، وفيما يخص السرقات فما كشف للإعلام منها يفوق الخيال وما خفي كان أعظم.
وبالمقابل كانت تتحقق توقعات المانعين المحذرين من دخول (العملية السياسية)، وبالفعل فقد أنتجت تلك (العملية السياسية) العديد من المآسي بحق العراق وشعب العراق، يزاد على ذلك فقد توقع هؤلاء لإخوانهم المندفعين للمشاركة أن يستخدمهم الاحتلال مرحلة وتنتهي صلاحيتهم، وأنهم إذ لن يتمكنوا من تحقيق شيء لمن انتخبهم فستتراجع قناعات الناس بهم، وسرعان ما سيتخلى عنهم شركاؤهم في (العملية السياسية)، وأن وجودهم لن يتعدى ورقة لتجاوز مرحلة التأسيس لهذا المشروع ثم يتفرد الآخرون والغلبة لمن يكون أكثر ولاء للمحتل، وهذا الذي تحقق وهو عين ما جرى ووقع.
ليس شماتة بمن (اجتهد) ودخل تلك العملية التي جرت العراق إلى المزيد من الفساد والويلات، وليس فرحا بمن طرد من تلك العملية أو هدد بالطرد منها، وإنما نناقش واقعا نتج عن سلوك سياسي، لا نتحاسب استنادا على ما سبق من التوقعات، وإنما نتحدث عن وقائع أدت إلى هذه النتيجة والتي عنونَا لها هذا المقال، ونحن هنا إذا نذكر هذه الأحداث فهي بقصد التذكير لا التحقير أو التشهير.
مأساتكم (السياسية) لم تبدأ اليوم في ظل الصراع على (الانتخابات) القادمة، بل كانت البداية منذ مشاركتكم لهم (اللعبة)، ابتدأت يوم رضيتم بقوانين تلك (اللعبة) القائمة على المحاصصة الطائفية وفق حسابات خاطئة ونسب مجحفة، ابتدأت يوم فرطتم بثقلكم (الطائفي) حين كان المحتل وأذنابه متلهفين على مشاركتكم لإعطاء (لعبتهم) صفة (المشروعية الوطنية)، وحين فرطتم بحقوقكم في (نقض) أخطر مفاصل مشروع الاحتلال السياسي ومنها (الدستور)، ثم تلاه ما سمي بـ(الاتفاقية الأمنية).
واتضحت نية أعوان الاحتلال بالاستغناء عنكم وبدت معالم تفردهم بـ(اللعبة) منذ وقت مبكر، توضحت منذ بدأت سياسة (رفع الحصانة) عن أفراد منكم صدقوا أن هناك (ديمقراطية) فارتفعت أصواتهم من داخل (اللعبة) بالتنديد وفضح الجرائم الطائفية وسياسات الإقصاء، لن أذكر أسماءهم فهي كثيرة وأنتم أعلم بهم من غيركم لاسيما وأنه لم تنبس لكم بنت شفة حينها.
فإذا كان ما يجري اليوم ليس بالجديد فلم التشكي والبكاء اليوم؟ لماذا السكوت على قائمة الإقصاءات تلك حتى وصل الدور لكم؟ ألستم متأخرين جدا على ذلك؟ بل إن الوقت متأخر جدا حتى على الندم (ولات حين مندم).

أضف تعليق