حاوره: عاطف الجولاني وأمجد العبسي
لقاؤنا في «السبيل» مع فضيلة الدكتور حارث الضاري كان وهو يحزم حقائبه ذاهبا الى مؤتمر «الوفاق»، الذي دعا اليه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بمشاركة أطراف في الساحة العراقية، وكان الضاري حينها غير متفائل ولكنه عازم على المشاركة ليبين «للعالم ما يمر به العراق من اوضاع مأساوية في ظل الاحتلال» حسب قوله.
أما الانتهاكات التي كشف عنها مؤخرا بحق أبناء السنة العراقيين في سجن الجادرية فهي من وجهة نظره «ما هي الا جزء قليل من العذابات الواقعة على الشعب العراقي» وأنها «تصاعدت الى ان بلغت قمتها في عهد الحكومة الانتقالية الحالية». وتاليا نص الحوار
السبيل: أنتم متوجهون لمؤتمر الوفاق الذي دعت اليه الجامعة العربية ماذا تتوقعون من هذا المؤتمر وهل ثمة تحسن في الموقف العربي الرسمي اتجاه العراق؟
- بسم الله الرحمن الرحيم، دُعينا الى هذا المؤتمر ووافقنا على حضوره وان كنا لا نأمل منه الكثير، لكنا رأينا أنه يفتح نافذة على العالم العربي والاسلامي من المصلحة ان نلجها، لنبين للعالم ما يمر به العراق من اوضاع مأساوية في ظل الاحتلال، من خلال بياننا للاوضاع والمآسي الحقيقية التي تجري في هذا البلد، والتي قد تخفى على الكثير من اخواننا في العالمين العربي والاسلامي.
الاحتلال ومن على شاكلته يدعون أن الارهاب مدعوم من قبل القوى الوطنية التي أيضا يصفونها بالارهاب، وارادوا ان يفهموا اخواننا في العالمين العربي والاسلامي ان الرافضين للاحتلال بشتى اتجاهاتهم هم ارهابيون، وانهم هم الواقفون ضد الوفاق الوطني والاصلاح وتعمير العراق ، والأمر ليس كذلك، لأن المعارضين للاحتلال ليس لهم من هدف الا خروج الاحتلال واستعادة سيادة بلدهم، ومن ثم ّيأخذ العراقيون جميعاً بمختلف فئاتهم ومكوناتهم واتجاهاتهم على عاتقهم مصلحة العراق ورعاية شؤونهم بتوافق وتفاهم فيما بينهم، دون تدخل من أي قوة خارجية سواء كانت اجنبية او غيرها.
لذلك جئنا لهذا المؤتمر لنقدم فيه ما ينفعنا وينفع بلدنا الذي يمر بهذه المرحلة العصيبة.
السبيل: حديثكم ينطوي على قدر كبير من العتاب للموقف العربي الرسمي، ما الاعتبارات والاسباب التي تقف خلف ذلك؟
- لدينا اعتبارات كثيرة، ولكن تقليب صفحات الماضي لا يجدي، نحن نعتقد الى حد كبير الى ان الدول العربية اسهمت الى حد كبير فيما نحن فيه الآن، ولكننا لا نريد ان نقف عند اطلال الماضي، علينا ان نركز على الحاضر والمستقبل.
نريد من العرب عودة الى الحكمة والضمير والمصلحة، انا متأكد اليوم من ان المسؤولين العرب متألمون مما يجري وربما هم نادمون على بعض ما جرى منهم للعراق، لذلك اقول العراق اليوم في اشكال خطير واذا بقي على ما هو عليه، سيتوسع ويمتد الى اطراف عربية مجاورة وسيصبح العراق مشكلة اقليمية وربما دولية.
ولذلك على كل من يستطيع ان يفعل شيئاً ولو بالكلمة ان يعاون العراقيين في هذه المرحلة، للخلاص مما هو فيه من احتلال، لأن الاحتلال هو اساس المشكلة، وبدون خروجه من العراق لا يمكن ان تستتب فيه الاوضاع و السلام في العراق والمنطقة.
السبيل: هل تعتقد ان النضوج الذي اشرتم اليه وصل الى الحالة التي ستتجاوز فيها الدول العربية خوفها من معارضة الموقف الامريكي؟
- انا اعتقد ان هذه الاصوات وهي ما زالت قليلة وضعيفة تعبر عن شعور نحن نحس به، وهو الشعور بالخوف من مستقبل هذه المشكلة، التي ستتجاوز حدود العراق وهناك عدة ادلة على هذا.
ولهذا اقول للعرب أن عليهم ان يتجاوزوا مرحلة الشعور بالخوف من الآخر، وكذلك سوء الظن بقدرة العراقيين على تحرير بلدهم، وان يتعاملوا مع الوضع بجدية وصراحة، والظرف اليوم اكثر مناسبة لأن يقولوا الحق ولأن يقفوا المواقف المعقولة لمصلحتهم ولمصلحة العراق وحتى اقول لمصلحة المحتل نفسه.
السبيل: في ظل الغطاء الامريكي للتحرك العربي، هل يمكن الحديث عن آفاق لحل عربي للمشكلة العراقية؟
- التحرك العربي الأخير المتمثل في دعوة الجامعة العربية نرجو له ان لا يكون مجرد انعكاس لرغبة امريكية، وان كان كذلك نرجو ان تستغل هذه الرغبة، لأن تدخل الدول العربية في عمق القضية العراقية وفهمها وحلها بالشكل الذي يرضي العراقيين وينهي هذه المشكلة التي ارقتهم وارقت الكل وهذا امر محمود.
السبيل: ما الذي حمله عمرو موسى اليكم حين زاركم في بغداد؟
-انا اعتقد ان عمرو موسى جاد في مسعاه وهو من اكثر المسؤولين العرب اهتماما بقضية العراق واكثرهم رغبة في ايجابية العمل على حلها، والجامعة العربية كما هو العالم كله كانت مستبعدة من القضية العراقية.
فامريكا بعد السقوط السريع للنظام شعرت بأنها استولت على العراق بسهولة، وبالتالي لاتريد ان تشارك احداً في هذه الغنيمة ولهذا وضعت خطوطاً حمراً للتدخل في شؤون العراق، لا للدول العربية فقط بل حتى لاوروبا وللأمم المتحدة، وحتى لشريكتها بريطانيا التي قالت لها بعد الاحتلال مباشرة قفي عند حدودك «البصرة».
ولكن مع نشوء المقاومة واستمرارها وتصاعدها وشعور امريكا بالحاجة لآخرين، أذنت لبريطانيا بمشاركتها، ثم لجأت بعد ذلك الى مجلس الأمن فاستدعت الأمم المتحدة، ثم طلبت من الاتحاد الاوروبي التدخل وامتنع، وطلبت من الناتو كذلك وامتنع ايضا عن التورط في المستنقع العراقي.
واخيراً رفعت الخط الاحمر عن الدول العربية وجامعة الدول العربية، فاستعانت بها لحل الاشكال العراقي وللمساعدة في ذلك ولكن بالشكل الذي يخدمها ويخدم المصالحة، فجاءت هذه المبادرة ونحن عارفون بهذا وواعون له كما قلت قبل قليل. ونحن اردنا ان نستجيب لهذه المبادرة وان نستغلها بالقدر الذي يخدم قضيتنا ومصالحنا، اضافة الى رغبتنا في التدخل العربي وفي بقاء العلاقة العربية بالعراق والذي يراد له ان ينقطع.
السبيل: بالنسبة لفضيحة سجون وزارة الداخلية العراقية، كنتم قد اشرتم في الهيئة الى مثل هذه الانتهاكات،هل تتوقعون ان تتطور تفاعلات هذه القضية لتشكل ضغطاً على الحكومة الامريكية والعراقية لوقفها؟
- الانتهاكات التي اكتشفت ما هي الا جزء قليل من العذابات الواقعة على الشعب العراقي، وتصاعدت الى ان بلغت الى قمتها في عهد الحكومة الانتقالية الحالية، فهناك العديد من الصور التي توضح ان الانتهاكات لحقوق الانسان العراقي شيء لا يدانيه اي انتهاك لحقوق الانسان في عالم اليوم.
هناك ما يزيد على 100 سجن ومعتقل تابع لسلطات الاحتلال والحكومة العراقية ولميليشيات احزاب مشاركة في الحكومة، فهناك سجن ابو غريب ويوكا والكاظمية وملعب الشعب والاستخبارات والكوت والحلة وسجن النسور ومقرات الاحزاب التابعة للحكومة وبعض الجنسيات ومنها جامع «بوراثا»،ِ والكثير من السجون والمعتقلات الخلفية.
هذه الأماكن تمارس فيها ابشع انواع التعذيب من تقطيع الجسم وكهربته وتزريف (حفر) بـ«الدريل» وحرق بالسجائر من القدم الى الرأس الى غير ذلك من الاعمال التي ذهب ضحيتها الالاف من المعارضين للاحتلال، واغلبهم من أهل السنة.
هذا جرى منذ تشكيل الحكومة والى اليوم وقد نبهنا عليه كثيراً في وسائل الاعلام والمؤتمرات والمقابلات وفي الرسائل والانترنت، اوصلناه لمن يهمه الامر والحكومة كلها تعرف هذا ورئيس الجهمورية يعرف هذا.
والاكثر من ذلك ان هناك سجوناً في شمال العراق تحتوي على اكثر من عشرة آلاف سجين من اهالي الموصل وكركوك ممن تعتقلهم الميليشيات الكردية او سلطات الاحتلال وتودعهم في هذه السجون.
كل هذا يجري والأمم المتحدة تعرف من خلال ممثلها في العراق الذي نطلعه على الامور ، ونطالبه بايصالها الى الأمم المتحدة (أشرف القاضي) الذي يقول اوصلتها، ولكن لا توجد استجابة ولا يوجد أي تنديد بل الأمم المتحدة مشغولة بقضايا جزئية بسيطة لن تصل الى مستوى ما يرتكب من انتهاك لحقوق الانسان في العراق، فهي مشتغلة بدارفور وقضية سوريا ولبنان بحيث اصبحت وسيلة للضغط على الشعوب المستضعفة.
السبيل: اين منظمات حقوق الانسان؟
- لجان حقوق الانسان ومنظمة العفو الدولية تعرف بهذه الجرائم ومزودة من عدة جهات بتفاصيل عنها ولكننا لم نجد ردود افعال محسوسة.
السبيل: اذا هناك تواطؤ للتغطية على ما يحصل؟
- نعم، كان هناك ضغط امريكي على الأمم المتحدة وعلى كل لجانها واجهزتها، وكذلك على الانظمة العربية ووسائل الاعلام في المنطقة، فالكل مشتركون في التستر على مايجري في العراق من انتهاكات فاضحة لحقوق الانسان.
السبيل: كيف تنظرون الى احداث عمان الأخيرة؟
- هذا مؤشر خطير ونحن في العراق تحملنا الكثير من مثل هذه الاعمال، اما ان تخرج خارج حدود العراق فهذا مؤشر خطير وله ما وراءه.
هذا التطور سيصل في نهاية الامر الى التشكيك في المقاومة العراقية واهدافها المشروعة، و قد تسيء الى العلاقة بين الشعب العراقي والاردني، وذلك لأن اطراف عديدة ستسغل مثل هذا الحدث وتضخمه وتتظاهر ربما بالحزن اكثر من حزن المصابين، لكي تحدث فجوة كبيرة بين البلدين، فالعراق شريان الاردن الذي هو بوابة العراق.
كما ان مثل هذه الأعمال قد تسعف سلطات الاحتلال في زعمها ان الارهاب يهدد العالم، وها هو بدأ الخروج من العراق لينتشر في العالم، كما بدأ في الاردن. وبالتأكيد ان مثل هذه الاعمال ستعطي للاطراف المؤيدة للاحتلال ذريعة الى ان المعارضة في العراق هي كلها هكذا، وبالتالي اعطاء هذه الذريعة التي طالما تمنوها.
والحقيقة اننا شعرنا بالألم والحزن بل كل العراقيين الشرفاء حزنوا حينما سمعوا بهذه الاخبار المؤلمة ورأوا الصور المزعجة التي اودت بارواح العشرات من الابرياء.
السبيل
23/11/2005
حارث الضاري: على العرب ان يتجاوزوا مرحلة الشعور بالخوف
