كما يبدو ان الادارة الامريكية وحلفاءها في المنطقة من الانظمة الشمولية، ليسوا في وارد قراءة الامور كما هي بعيداً عن المغالطات، فغطرسة القوة وادمان استعباد الشعوب يضع الحجب على بصائرهم، ولهذا لا عجب ان تكون استنتاجاتهم مغلوطة ومن ثم تأتي قراراتهم واختياراتهم فجة وربما كارثية ايضاً، لا تستقيم مع عقل او منطق سليم، اللهم الا غرور الاستكبار والامعان في تجاهل الحقائق.
ففي العراق مقاومة استثنائية بكل المقاييس تضرب بشكل مواظب عصب الاحتلال الامريكي، الى الحد الذي باتت فيه ورطة امريكا بادية للعيان، وليس ثمة افق امام بوش وادارته سوى الخروج من العراق واضعين ذيولهم بين سيقانهم الى غير عودة، الا ان بوش يكابر بعدما تحولت اولوياته من تركيع المنطقة واستلاب ارادتها بصورة مباشرة، الى الحفاظ على هيبة الولايات المتحدة وعدم السماح بانتصار «الارهاب».
وبقدر وضوح ورطة امريكا، فثمة حقيقة لم يعد احد قادر على اخفائها، مهما كانت ضراوة حرب التشويه الامريكية وحلفائها، ان من يقاتل في العراق ويجرع الامريكان كؤوس الموت انما هو العنوان الاسلامي، سواء تسمى بحركة المقاومة الاسلامية او جيش الراشدين او المجاهدين او الجيش الاسلامي او انصار السنة، والذين يتصدرون واجهة العمل السياسي الشعبي الاكثر حضوراً وتأثيراً، انما هم ممثلو هذا الخط بكافة تلاوينه.
والمشهد ذاته او قريباً منه يتكرر في فلسطين، فالذين يقاومون ويتوغلون في قلب الاحتلال حتى تخوم الشهادة، يرفعون في غالبهم الراية الاسلامية، سواء تسموا حماساً او جهاداً او كتائب للاقصى، وحتى شهيد العملية الاستشهادية اليتيمة التي نفذتها الجبهة الديمقراطية في احدى مستوطنات غزة، كان واضحاً انها نتاج ثقافة مسجدية وليست نتاج ثقافة رفاقية، وما تخشاه امريكا و«اسرائيل» في الانتخابات هناك، انما هو اكتساح الصوت الاسلامي.
وفي مصر الكنانة حاضرة العرب، رغم شمولية النظام المتوارثة ومركزية ادارته وحضور المؤسسة الأمنية في التفاصيل، وحجب الشرعية الرسمية عن جماعة الاخوان المسلمين فإن المشهد الانتخابي يكاد يختزل في منافسه.. غير متكافئة بين حزب حاكم مهترئ يعج بالفاسدين الذين يملكون المال والنفوذ وعصابات البلطجة، تدعمه كل اجهزة الدولة، وتيار اسلامي شعبي يحظى بثقة الناس، يسعى للمشاركة لا للمغالبة، فتبدو الصورة غاية في الوضوح حول من يملك الشرعية ويحظى بالحضور الشعبي.
المشهد العراقي الفلسطيني المصري، ليس الا عينة، فحيثما وقع في بلد عربي او مسلم احتلال -فإن العنوان الاسلامي، منظماً او شعبياً، للمقاومتة سيكون في المقدمة والطليعة، وحيثما جرت انتخابات حرة ونزيهة او نصف ذلك، فإن العنوان ذاته سيظل حاضراً بقوة وزخم استثنائي.
والسؤال على خلفية هذا المشهد، الى متى سيظل هذا الحال المنكوس في المنطقة العربية مستمراً، الشرعية الشعبية في واد ومن يملك السلطة والقرار في واد آخر؟! من يحظى بثقة الناس واختيارهم الحر ممنوع من العمل و من هو بلا شرعية ولا برنامج في السلطة يحكم بسيفه ودنانيره؟!
ان الحال العربي ينصلح باحترام ارادة الشعوب واختيارها الحر فقط وعبر تكريس مفاهيم تداول السلطة، واحترام حق التعبير والتفكير وحرية العمل السياسي والفصل بين السلطات.
واذا لم تستوعب الانظمة الشمولية الدرس مبكراً وتعدل من مسارها، فإنها ستفاجأ بما لا تستطيع تداركه، في المدى القريب وليس البعيد، وعلاقة الغرب مع المنطقة لن تستقيم وتأخذ مسارها السليم، اذا لم يكف الغرب عن مساعيه في الهيمنة او اسناد الانظمة فاقدة الشرعية او احتضان «اسرائيل». وامريكا التي تكابر في محاولاتها فرض سيطرتها على هذه الجغرافيا والتدخل في شؤونها، واحتلال بعض بلادها، عليها ان تتعلم من درس العراق، في ان قوة الاحتلال الى زوال، وان مجاهرتها بالعداء للاسلام والعرب، في اي صورة، لن تجني منها الا الخراب، واذا استمرت في رعاية ودعم انظمة فاسدة شمولية، فإنها تجر على نفسها ما لا تحمد عقباه. وهو ما يعني ان تجاهل ارادة الشعوب وصفة قاتلة قاتلة، على صعيد الانظمة الشمولية او على صعيد قوى الاحتلال والاستعمار، ومن لا يزال يغالط في الحقائق، فليقرأ المشهد العراقي، الفلسطيني، المصري والحبل على الجرار.
المصدر/ السبيل
23/11/2005
درس المقاومة العراقية وانتخابات مصر
