المؤسسات الإعلامية الأمريكية دقت طبول الحرب وبادرت عبر منافذها الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة إلى استمالة الرأي العام العالمي للإيقاع بالدول الرافضة للرضوخ للهيمنة الأمريكية وسخرت معها الكثير من الأجهزة الإعلامية المأجورة وجنّدت جيوشاً من خبراء الدعاية والإعلام والاستخبارات والتقنيات قُسِّمت على فيالق مهدت لاجتياح أي هدف ترغب أمريكا لاحتلاله،
وبذلت الجهود المتواصلة كي تهيئ الأرضية المناسبة لغزو أي بلد في العالم، واستخدمت أرذل الأساليب لحشد الكراهية ضد الدول الفقيرة، ومهدّت للجيوش الغازية لأن تبيد شعوباً بكاملها، ولم تبال في يوم من الأيام من تعبئة المجتمعات الغربية تعبئة حماسية مفرطة وبطابع عاطفي مقيت لشحن الكراهية في الأوساط الغربية، وكسب الرأي العام العالمي عبر أكاذيبها وافتراءاتها، ولم تتردد من استخدام الأكاذيب المخزية والمهولة في سبيل تحقيق غاياتها بإغراء دول الغرب وشعوبها بقبول قناعات تفرضها السياسة الأمريكية التي تقضي بسحق وإبادة كل دولة تقف بوجه زحف ديمقراطية إمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية.
ونتج عن الحرب الأمريكية وهي تغزو العراق وفق الإحصاءات الحكومية أكثر من مليون قتيل، وخمسة ملايين يتيماً، ومليون وخمسمائة ألف أرملة، ومئات الآلاف من المعتقلين من رجال ونساء العراق، عشرات الآلاف من الولادات المشوهة، وانتشار السرطانات الغير مسبوقة وبأعداد شكلت ظاهرة جديدة بين أبناء الشعب العراقي، وتحقق كل ما خرج به الإعلام الأمريكي وهو يبشر الغرب بحرب قذرة، ويتبنى حرب الدعاية الأمريكية والتضليل الإعلامي لشن حرب لا تبقي ولا تذر ومهدّت للإرهاب الأمريكي الذي صرحت له بأنه لن يتردد من استخدام الأسلحة الذرية، وإن الإدارة الأمريكية وحلفها الاحتلالي لن تتردد من استخدام الأسلحة الجرثومية، وحدث ما خطط له جنرالات الإعلام الأمريكي الإرهابيون بأن الإرهاب الأمريكي لن يتوقف حتى يرجع العراق ودول محور الشر إلى عصر ما قبل التصنيع، نتيجة للحرب الصليبية التي بشر بها بوش المجرم وإجرام رؤساء الولايات المتحدة الذين توالوا على رئاستها.
كانت حصيلة التهيئة الإعلامية للكراهية على دول العالم وتجنيد الجيوش أن سحق الحقد الأمريكي ومرتزقته في ظل قرع طبول الحروب الإعلامية، أن سحقت تلك الجيوش شعوب الدول وجوعتها وأهلكت الحرث والنسل فيها وتجاوزت حدود الإجرام والإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان، وارتُكِبَتْ مجازر الإبادة بحق جميع الشعوب التي تأبى الرضوخ للإذلال الأمريكي واستعباد الشعوب.
واليوم يعرف العالم بأن تدمير العراق وأفغانستان والصومال وباكستان، إنما جاءت ممهداته ومقدّماته عبر الشحن الإعلامي للمؤسسات الإرهابية الإعلامية الأمريكية وأذرعها المستأجرة من الأجهزة الإعلامية المستعبدة للسياسة الأمريكية.
ولم يتم التحرك العسكري الأمريكي الإرهابي لإبادة الشعوب، إلاّ بعد أن سبقه عمليات قصف مكثّف بالدعايات المكذوبة وصواريخ المعلومات المزوّرة والأفكار والحجج لتسويغ كل الأعمال العسكرية الإجرامية، وزخات المدافع الإعلامية هي التي عبأت الكراهية ضد الدول التي غزتها أمريكا، والمؤسسات الإعلامية الأمريكية قتلت وأبادت قبل قتل البنادق والصواريخ والمدافع الأمريكية، وذبحت الشعب العراقي قبل أن تصل الجيوش الأمريكية لأرض الدول التي خطط الإرهاب الأمريكي لغزوها وتدميرها.
واليوم توغل الإدارة الأمريكية في إجرامها وعدوانها وهي تناقش في أروقة مجلس نوابها قراراً لمنع قنوات فضائية عربية كالرافدين، والرأي، والأقصى، وغيرها، التي تنقل المآسي والكوارث التي تعانيها الدول التي تنعم قتلا وإرهاباً وإجراماً في ظل الإرهاب الأمريكي، وتنال نصيب الديمقراطية الأمريكية والنظام العالمي الجديد الذي تفرضه على المنطقة، وتتكلم هذه الفضائيات بصوت الملايين من القتلى واليتامى والأرامل الذين لا صوت لهم إلاّ عبر هذه القنوات الرافضة للإجرام الأمريكي وحملات الإبادة والتدمير، مع العلم أنها لم تنقل إلاّ النزر اليسير مما يحدث من صرخات الأطفال وآهات الأرامل وضياع المستقبل وتدمير البلد ونهب خيراته وتبذير ثرواته وإشاعة الأخلاق الفاسدة وتفكيك الروابط المجتمعية، وفشو المخدرات الخمور والنوادي الليلية انتشار عصابات الخطف والاغتيال وعصابات السمسرة الحكومية التي أوصلت الدول إلى الضياع المرعب الذي لا تصلحه القرون من الزمان.
واليوم يراد تكميم الأفواه والمنافذ الإعلامية من أن تنقل الواقع المتردي الذي خلفه الاحتلال الأمريكي ومهد له إعلامها الإجرامي الذي تستّر عن الصورة الحقيقية البشعة لصورة الجيوش الغازية جرائمها بحق الشعوب، وإذا كان مشروع القرار قد حصل على الموافقة في مجلس النواب الأمريكي فإنه سيصدر على شكل قرار ملزم عندما يطرح للنقاش في مجلس الشيوخ الأمريكي، لمنع المنافذ التي تنقل آلام وشكوى المستضعفين الذين تسحقهم أحلاف الولايات المتحدة الأمريكية.
أمريكا تحاول اليوم أن تمنع العرب والمسلمين من أن يمتلكوا استراتيجية إعلامية نافذة ومؤثرة ومستقلة تعبـِّر عن إرادة الشعوب في اعتزازها بهويتها وتمسكها بكرامتها، وهي التي استطاعت أن تملك أدوات الإقناع على بساطة إمكاناتها وأجهزتها،وبمفردها وبلا أدنى دعم.. استطاعت أن تقهر المؤسسات الإعلامية الأمريكية وتهزمها، وهي التي تمتلك إمكانات دول وتدعمها أمم وتمتلك أزمّة القرارات التي توفر لها الحصانة التي تغطّي لها نفوذها ونفوذ جنرالاتها الإعلاميين وفيالقها الذين غطّوا كل المساحات الإعلامية زماناً ومكاناً، ولم تمكن الفرصة لغيرها فلا تتيح لها أي مجال لقول الحقيقة، وتريد أمريكا عبر قفزاتها على الأحداث وفتح ملفات ملفتة للنظر من اجل الهروب من واقعها وملفاتها السياسية المتأزمة والمعقدة إلى فتح ملفات خارجية، وأزماتها المالية المتوالية التي تزلزل الدعامات الاقتصادية والمصارف والشركات العقارية.
المؤسسات الإعلامية الأمريكية راعية الإرهاب:
عندما كان العالم الغربي يرفض الحملات الغربية وذلك التحامل غير المبرر على دول المنطقة من دون معرفة الأسباب لتلك الأحقاد التي لم تقم على مقدّمات مقنعة، إلاّ لمجرد إشغال المنطقة بنزاعات جانبية تجر العالم إلى مزيد من المآسي والكوارث، فأخذ العالم الغربي يستنكر تلك الكراهية التي تستعر في مجتمعاتهم من دون سابق علم، وعندها رأى الجهاز الإعلامي الأمريكي أن يقوم بصنع المبررات واختلاقها ومن ثم تضخيمها لصناعة قناعات موهومة عند المتلقي الغربي وكسب الرأي العام العالمي، ولذلك كانت المنابر الإعلامية الأمريكية تتسابق في صناعة الأكاذيب وتهويلها لزيادة نقمة المجتمعات الغربية على الدول التي تريد أمريكا احتلالها.
ومما لا شك فيه أن المؤسسات الإعلامية الغربية هي التي باشرت الحملات الإعلامية الإرهابية الإستباقية وشجعت مجتمعاتها على الإرهاب وحشدت جيوش الغرب لأن يجتمعوا على تحالف إجرامي احتلالي على الشعوب التي تكاد لا تملك قوت يومها، وبواسطة الإمكانات التي تتمتع بها الأجهزة الإعلامية الغربية وفي مقدمتها الجهاز الإعلامي الأمريكي، منها المشاهد من الفضائيات والأرضيات والمسموعة والمقروءة وكذلك بقية المنافذ الإعلامية الغربية والأوربية قاطبة، استطاعت أن تحرض مجتمعاتها على أن هذه الدول تشكل خطراً كبيراً على أمنها وتمثل التحدي الأكبر لاستقرار العالم، وعبـر الأجهزة الإعلامية استطاع قادة المجتمع الغربي أن يكونوا أول من يكـذب على شعوبهم وكانت تلك المنابر الإعلامية تنقل تلك الأكاذيب على أنها حقائق ولا بد أن يسلم لها المجتمع الغربي، وإلاّ ستحل بهم الكارثة النووية التي يخفيها عنهم العراق وستنقل لهم الأسلحة الجرثومية"البيولوجية" وأن العراق يملك أسلحة الدمار الشامل وسينقلها عبر الإرهابيين من أفغانستان مستغلاً علاقته مع الإرهابيين الأفغان، ومعها جملة كبيرة من الأكاذيب والخدع التي تبين مستوى ضحالة قادة الدول الغربية والأوربية، وتفاهة من يصدّق بتلك الافتراءات التي لا تنطبق مع الوقائع على الأرض في العراق أو في أفغانستان، ولكنهم أرادوا أن يقنعوا شعوبهم بضرورة سحق الدول التي تمثل محور الشر، وأعدّوا خططاً ومشاريع لاستباحة وتدمير أرض وشعوب تلك الدول الفقيرة.
واستطاع الإعلام الأمريكي أن يقنع المتابعين بأن حرب الإبادة التي تشنها أمريكا إنما هي دفاع عن أمن الولايات المتحدة، وأن من تقتلهم أمريكا في بلدانهم إنما هم إرهابيون لا يستحقون الحياة ويشكلون الخطر الأكبر على أمن الدول.
وكانت المؤسسات الإعلامية الأمريكية تتكلم بصراحة على إبادة الشعوب التي لا تخضع للهيمنة الأمريكية وتحرض المجتمعات الغربية على شن الحملات الاحتلالية على دول المنطقة، وهي التي أعلنت عبر المنافذ الإعلامية جميعها بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تتردد من استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الشعوب، للحيلولة دون وصول الخطر الداهم الذي ضخمته وهولته الآلة الإعلامية الإرهابية عبر الأكاذيب التي صدرت من رؤساء وقادة وإدارات الدول الغربية والأوربية.
ولم تقدِّر تلك المجتمعات أو شعوب تلك الدول الكبرى أكاذيب قادتها ومنظريها، لأنهم ترددوا أمام الأجهزة الإعلامية الكبرى التي خدعت الشعوب الغربية وقلبوا الحقائق وهيؤوا المجتمعات والشعوب لأن يقبلوا فكرة قادتهم المتعطشين للدماء ونهب ثروات المنطقة والسيطرة على خيراتها والهيمنة على مقدراتها، وصاروا لا يكترثون لشعوب الأرض كلها بطفولتها ونسائها حتى وإن أدّى ذلك إلى سحق جماجمهم تحت ركام بيوتهم، وصار المجتمع الغربي يرى جيوشه تسحق شعوب الصومال وأفغانستان والعراق وشعوب دول أخرى عبر قصفها بالطائرات والقنابل"الذكية" ولا يرفض تلك الحملات الإجرامية وجرائم الإبادة لدول بأكملها، لأن الإعلام الأمريكي وعبر منافذه كلها ومعه الإعلام الخاضع لإرادته وقراراته من دول أخرى هي من قلب الحقائق وفقد الحيادية والإنصاف في النقل الإعلامي، وشارك في التحريض على جرائم الإرهاب وقصف المدنيين الآمنين وسحق الشعوب.
ومع كل الهجمات التي كان الجيش يسحق فيها المدنيين كان الإعلام يخرج على المجتمعات ويدّعي بأن هجماته وطائراته ومدافعه ضربت الأوكار الإرهابية وقطّعت أوصال الإرهابيين في المدن التي يتواجدون فيها واستطاعت أن تصل إلى الإرهاب وهو في عقر داره، وربما أخطأت الهجمات بعض أهدافها لأن الإرهابيين يستخدمون المدنيين دروعاً بشرية، وفي تعداد رسمي لبيانات قوات الاحتلال الأمريكية تبين بأن المدنيين الذين قتلوا في غزو العراق قتلوا بواسطة القصف الأمريكي العشوائي الذي كان يقتل لمجرد القتل، وتبين أن أكثر من نصف أعداد القتلى قتلوا بواسطة هجمات قوات الاحتلال الأمريكية.
والإعلام الأمريكي جعل المقاوم الذي يقاوم الاحتلال بأنه هو من يريد الإرهاب وهو من يؤيد الأصولية والتطرف وانه يعتدي على الجيش الذي جاء ليصنع السلام في المنطقة وحرب جيوشه إنما هي من اجل السلام.
وأخذت الشعوب التي خرجت بالملايين وهي تعترض على حروب الإبادة التي تحاول أمريكا أن تشنها على دول المنطقة، تتغيّر مواقفها تجاه السكوت أو التأييد لحروب أمريكا وحلفائها، وأخذت تسكت عن الجرائم الأمريكية وجرائم الجيوش المرتزقة معها، على الرغم من هولها وضخامة فاجعتها على الدول الفقيرة والتي تجاوزت إلى يومنا هذا ملايين الأرامل وملايين اليتامى وملايين المهجرين ومئات الآلاف من المعتقلين وأحالت شعوب المنطقة إلى الفقر المدقع وتجاوزت نسب الفقر في المجتمعات التي قامت أمريكا بغزوها إلى 50% خمسين من المائة من الشعوب.
والعالم الغربي يسكت عن كل هذا الإجرام والذي أسكتها هو إجرام المؤسسات الإعلامية الأمريكية، في حين يعد الجهاز الإعلامي الأمريكي من أكبر العوامل التي صنعت الصمت المطبق عند الهيئات الأممية والمنابر الدولية وقلبت الحقائق أمام أصحاب القرار، وعرف العالم كيف أن الهيئات الأممية بررت لنفسها ذلك الصمت عن كل ما يجري في العراق وأفغانستان وباكستان والصومال ودول أخرى من مآسي وجرائم وكوارث لأنها تتكئ على المبررات التي صاغتها المؤسسات الإعلامية الأمريكية التي تجاوزت حد الإجرام.
ولـَكَم كانت أجهزة الإعلام الأمريكية تتناقل وهي تهيئ المجتمعات الغربية الرافضة للعدوان وتبشِّر بقدرات التحالف الأمريكي لتدمير العراق وسحق قدراته وإن استدعى ذلك استخدام الصواريخ الذرية وتسخير القدرات النووية الذرية، والحلف لا يبالي إن أدّى ذلك إلى إبادة الشعب العراقي بأكمله، وأدخلت العراقيين وشعوب الدولة المجاورة في دوامة الخوف المرعب من الضربات النووية الأمريكية التي توعدت أمريكا بها دول المنطقة، وأنها لن تتردد من استخدام الأسلحة الجرثومية لأن العدو العراقي يمتلكها ولن يتردد من استخدامها، ولذا فإن أمريكا ستُقْدم على الضربات الإستباقية لأنها مضطرة على ذلك.
والإدارة الأمريكية أعدت خططاً متكاملة للإعلام قبل احتلالها للعراق وأفغانستان وقبل أن تعلن حملاتها الإرهابية للهيمنة على دول العالم ونشر مخططاتها وتنفيذ مشاريعها، بأن يرافق تلك الحملات إعلام مدروس بمستوى تلك الحملات وغاياتها، وتعمل على صناعة الحجج والتبريرات لجميع الأعمال التي تقدم عليها قوات الاحتلال من مجازر وحملات إبادة لقتل المدنيين، وتعمل على مواجهة الإعلام الذي يقف ضد مشاريعها ويفضح جرائمها، وبالمقابل فإن الهيئات الأممية ستكون حاضرة إذا ما شعرت بأن الجانب الأمريكي أصبح محرجاً أمام ضربات المقاومة العراقية ومهزوماً أمام الإعلام المضاد ويرفع عنه الأزمات بقرارات إرهابية لإسكات الأصوات التي ستبين بشاعة الإجرام الأمريكي.
ويعرف المراقبون للشأن العراقي بأن جيش الاحتلال الأمريكي جاء وبرفقته فيلق كبير من الإعلاميين ومن جميع التخصصات، وتجاوز عدد المراسلين الحربيين أكثر من (5) آلاف مراسل حربي، ولم تسمح للوكالات الإعلامية الأخرى أن ترافق التحركات الميدانية التي يقوم بها الجيش الأمريكي، وكان باب القتل والإبادة مفتوحاً أمامه على مصراعيه ومصرح له بالقتل وضرب كل هدف متحرك، وأبادوا الأطفال والنساء وقتلوا حتى الحيوانات وفي جميع الطرق التي يمر فيها الجيش الأمريكي، ولم تكن هناك خطوط حمراء تحد من إجرام وإبادة الجيش الأمريكي ومرتزقته، وكان الإعلام الأمريكي يبرر كل هذه الجرائم ويدعو إلى المزيد منها ويحرض جيوش الاحتلال على القيام بمزيد من حملات الإبادة على الشعوب، ولم يسمحوا لأي وكالة بان تنقل خبراً لا تسمح الولايات المتحدة بتداوله، وأبرز دليل على ما نقول ذلك القصف العنيف الذي وجهه الجيش الأمريكي لمقر مراسلي الفضائيات ووكالات الأنباء في بغداد، عندما كانوا يتواجدون في بغداد قبل الغزو الأمريكي والذي راح ضحيته مراسل قناة الجزيرة الفضائية، ومن خلال هذا الحادث أراد الجيش الأمريكي أن يرسل رسالة إلى جميع المؤسسات الإعلامية بأن لا تتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها جيوش الإرهاب والمرتزقة، ومع كل هذا الإجحاف والجبروت ضد حق الإعلام وحرية الرأي لم يلمس العالم موقفاً مشرفاً من المؤسسات الإعلامية الأمريكية ليقف بالضد من اغتيال الفضائيات من أن تنقل الحقيقة كما هي أو أقل من ذلك بكثير، والحق يقال بأن الجهاز الإعلامي الأمريكي حاصر وبشكل كبير نقل الأخبار بشكل موضوعي ومحايد وكان يشن الحملات الإرهابية التي تستأصل كل وكالة تخرج عن الحدود التي تضعها المؤسسة الإعلامية الأمريكية.
ويبدو أن فيالق الإعلام الأمريكيين كانوا متفقين على خطة عمل واحدة ومنظمة بحيث تتجاوز كل الأخطاء التي وقعت للجيش الأمريكي أبان غزوه لفيتنام بحيث أن الأخبار التي كان يتناقلها الإعلاميون في تلك الحرب جعلت قلوب الشعب الأمريكي في هلع وخوف، وزعزعت صفوف الجيش الأمريكي، على الرغم من أن المؤسسات الإعلامية كانت تسير وفق خطة الجيش الأمريكي، ولكن ولكثرة القتل الذي يقع في صفوف الجيش وبشاعته، وكانت الخطة الإعلامية تقتضي أن ينقل تفاصيل العمليات للإحاطة بها في كل المناطق التي يتواجد فيها الجيش وبذلك يصنع الإعلام إقداماً في الجندي الأمريكي في ميادين القتال، ولكن تناقل أخبار القتل وغرق الجيش الأمريكي في غياهب غابات ومجاهل الأنفاق الفيتنامية جعل من الشعب الأمريكي ينهار أمام توالي ضربات المقاتلين الفيتناميين، وأراد الجيش الأمريكي أن يتجاوز مثل هذه الأخطاء فجعل الإعلام وما يتناقله من أخبار ومشاهد وصور وعمليات يقوم بها المجاهدون العراقيون حكراً على الأجهزة الإعلامية الأمريكية المرافقة للجيش.
جنرالات الإعلام:
تجمع الأوساط الإعلامية حديثاً أن المؤسسين للماكنة الإعلامية الأمريكية التي أصبح لها الريادة فيما بعد، هم جنرالات الإعلام الذين واكبوا الحروب الأمريكية الداخلية بين الولايات الجنوبية والولايات الشمالية، والحرب الأمريكية المكسيكية في عام 1913-1914 التي رافقها الإعلام وواكب جميع الهجمات التي شنها الجيش الأمريكي، وكذلك مرافقة الإعلام للجيش الأمريكي في الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية بواسطة المراسلين الحربيين الذين واكبوا تلك الحروب، وأسسوا لإعلام إرهابي يتمكن من اختلاق الحجج والأعذار التي تصنع قناعات عجيبة عند المتلقي الغربي وصناعة الرأي العام العالمي، واستطاعت نلك المؤسسات الإعلامية أن تهيمن على جميع المؤسسات الإعلامية الأخرى وتخضعها إلى السياسات الأمريكية الإجرامية، وأن تخرجها من عن المهنية المستقلة والحيادية الإعلامية إلى الإجحاف بنقل الحقيقة والخضوع لإرادة الإرهاب الأمريكية ومخططاته ومشاريعه للهيمنة على المنطقة.
وهذا التاريخ الإجرامي للمؤسسات الإعلامية الأمريكية يدل دلالة واضحة على أن من يستحق الإدانة إنما هي الأجهزة الإعلامية التي حرضت على الكراهية وشحنت الجيوش العالمية ومهدت للحروب على غزو دول المنطقة، وقامت تلك المؤسسات بعمليات استباقية لاستباحة دماء الأطفال وقتل المدنيين الآمنين في دولهم وبيوتهم، وأن من شجع الغرب على تجييش الجيوش لتعبر آلاف الأميال وتتجاوز المحيطات والبحار لتحتل الدول وتنتهك سيادتها، وتتعدى على عقيدتها وهويتها وتسلبها إرادتها وتنهب ثرواتها وتدمر مستقبلها، وتجاوزت تلك المؤسسات الحدود الإجرامية وهي تصنع وتمهد للإرهاب الذي يسحق الدول ويهلك الحرث والنسل، وجراء ذلك كله وصلت الكراهية لأمريكا وأحلافها إلى حدود لا ينطبق عليها وصف ولا يحدها حد.
ومع هذا التاريخ الإجرامي للولايات المتحدة الأمريكية ومؤسساتها الإعلامية والأجهزة الإعلامية الخاضعة لها، فإن الملام هنا هو مصادر الإرهاب ومن قاد الحملات الإجرامية على الدول الآمنة في حدودها، والإعلام والفضائيات التي صنعت الكراهية على شعوب مستضعفة وفقيرة وهي تقلب الحقائق وتضخم من الأكاذيب وتهوّل من امتلاك تلك الدول لإمكانات أسلحة الإبادة الشاملة، والأسلحة البيولوجية، وقالت بأن العراق يمتلك أسلحة الجرثومة الخبيثة وأسلحة"الكيمياوي المزدوج"، والنتيجة أباد الحلف الأمريكي الاحتلالي شعب العراق ودمّره تدميراً كاملاً ولم يكن هناك أي سلاح من هذا النوع، لا بل تبين العراق لم يكن يمتلك السلاح الذي يدفع به المحتلين عن حدوده ويرفع الذبح عن شعبه، ولم يتمكن العراق من رد الهجمات الإعلامية التي كان يظهر التباكي الأمريكي والبريطاني ودموع المجرم بوش الأب والابن والكلب الخاضع الذليل وهم يذرفون دموع التماسيح على أمن أمريكا ودول الغرب من العراق الذي لا يملك شيئاً إلاّ أنه يشكل خطراً على"دولة الصهاينة" وأنه يصنع عامل الصمود في شعب فلسطين، وبلغ الإجرام في الإعلام الأمريكي عبر الفضائيات والصحف وغيرها بأن يدّعي بأن أمن الغرب وأمريكا وأوربا لا يتحقق إلاّ عبر سحق العراق وأفغانستان ودول أخرى تشكل خطراً عليهم.
وعندما يحاول مجلس النواب لإصدار قرار يعاقب فيه فضائيات تتكلم اليوم عن آلام الدول التي احتلتها أمريكا وحلفها، لكي يضع المصدات الكبرى من أن تطالب دول في أن تحاسب المؤسسات الإعلامية الأمريكية على إجحافها وأكاذيبها، وتقدم على ضربة إعلامية استباقية لإسكات الأصوات الخيرة عند العرب والمسلمين لمحاسبة المؤسسات الإعلامية التي كذبت الأكاذيب الشنيعة لتسويغ الهجمات العسكرية واحتلال الدول وتدميرها، والحرب التي يهيئها النواب الأمريكيون ومجلس شيوخهم إنما هي لإسكات صوت الحق الذي يتكلم على مآسي الشعوب وجرائم أمريكا، وأن من ينبغي أن يحاسب إنما هي الفضائيات الغربية والأمريكية وليس الفضائيات العربية التي تتكلم باسم الأصوات الأبية وتنقل آهات الملايين من اليتامى والأرامل وتطالب بحق شعب أباده إجرام غطرسة الديمقراطية الأمريكية وأزهق أرواح الملايين من أبنائه وأطفاله، ويتكلم بصوت الحق المتمثل بالقوى المناهضة للاحتلال والرافضة لهيمنته، وإن دل المشروع على شيء آخر فإنه يدل على خوار وضعف الحجج والذرائع التي سوغت لقتل الشعوب، ويدل على ضعف أمريكا لأنها وصلت إلى الحد الذي لا تستطيع أن تقف بوجه الحقائق التي تتناقلها هذه الفضائيات المقاومة.
Naser_alfahdawy_(at)_yahoo.com
فضائيات عربية في مواجهة الاغتيال الأمريكي... الأستاذ:ناصر الفهداوي
