في نهاية كل عام أو مرحلة وفترة تبرز أهمية أن يقوم الإنسان بجرد حسابي يعرف من خلاله الداخل إليه والخارج منه، وهذا الجرد بحد ذاته يعد في عرف الناس مقياسا للربح أو الخسارة لأنه يعرض كل شيء قابل للحساب إلى المساءلة والاحتساب .
وهنا والعراقيون اليوم على مشارف انتهاء عام حمل بين ثناياه كثيرا من المعاناة والضحايا والخسائر والتفافا بالاستحواذ على ثرواته النفطية وسرقات بأرقام لم تعرفها أكثر الدول فسادا ومتاجرة بهموم الناس بالاستغفال وسرقة أعمارهم وأصواتهم بفبركات سياسية ومسرحيات مستهلكة الغرض من ورائها استمرار وجود من اعتمد على المحتل وصار وجوده سببا لوجودهم، على مشارف هذا العام وقبل أن يستقبلوا آخر لابد من وقفة للحساب وجرد سياسي للأدوات المستخدمة في مشروع الاحتلال.
إن حسبة الجرد السياسي تبدو اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى فالفترة التي عاشها العراق تحت ظل الحراب الأمريكية وأداء الأدوات التي لا تعرف الانحراف عن التوجيهات إلا بمقدار ما تمكنها مواقعها من مزاوجة الأداء الاحتلالي بين قوتين الأولى احتلالية والثانية امتدادية إقليمية، ويختلف الأداء بينهما بحسب الدور المنوط بهذه الأدوات.
تخندق طائفي وتناحرات اقطاعات اقليمية وطائفية وتشظية وتقسيم للعراق بحسب الطائفة والعرق والانتماء، قتلى فاقت أعدادهم خسائر حروب دولية، جرحى ومعوقون عجز الطب عن إيجاد علاج ناجع لهم، فساد إداري ومالي فاق كل التوقعات، سجون غصت بالمعتقلين صغارا وكبارا وسجون سرية أخرى تابعة لكل حزب وفئة تحاكم الشعب العراقي بطريقة الانتقام، هدم وخراب للبنى التحتية واستغفال تحت عنوان إعادة الاعمار، هذه المنجزات التي يتشدق بها أصحاب العملية السياسية في ظل الاحتلال وهم باقون عليها ويعدونها مكتسبات لا يمكن التنازل عنها .
إن مكتسبات هؤلاء بعيدة كل البعد عن تطلعات أبناء العراق فهم في فترة لم يكونوا يحلمون بها، اعتماد من قبل المحتل واستفراد بشؤون دولة ولعب بمقدرات شعب اُخذ من الباب الذي كان يعاني منه، فتحت عناوين المظلومية والتوازن وإقامة أحلام لا تتحقق صادروا إرادة هذا الشعب بالاستقواء بالمحتل واعتماده عليهم في تسيير عملية شوهاء عرجاء لم يجن منها شعب العراق سوى القهر والظلم والاستعباد .
بقي أن نقول إن أبناء العراق من شماله إلى جنوبه على يقين ثابت من أن هؤلاء لا ينتمون إلى هذا الوطن بل أنهم عاجزون عن تمثيل أنفسهم فضلا عن تمثيل غيرهم، إن حسبة بسيطة تؤكد ما يذهب اليه المتابعون لهذه العملية السياسية في ظل الاحتلال بأنها عنوان هزيل لسرقة العراق والإبقاء عليه ضعيفا مشتتا تتنازعه الخلافات المستديمة التي أسس لها الدستور الملغوم المؤسس لمشاكل طويلة الأمد.
إن المشكلة الأساس اليوم تكمن في التجديد لهذه الاقطاعات السياسية والبيوتات الاحتلالية والشخصيات المنتمية الى غير موطنها والسؤال الذي ينبغي أن يجيب عليه هؤلاء ماذا جلبتم للعراق غير الدمار والخراب ونهب البلد وتكبيله بمعاهدات واتفاقيات مذلة ؟ إن الشعب العراقي اليوم اقرب إلى الاتفاق الوطني منه إلى متابعة هؤلاء في تبعيتهم للمحتل وقوى اقليمية تريد النيل من العراق باستثمار وجود المحتل نفسه، وما حدث من ثورة الغضب الشعبي العارم على احتلال بئر الفكة ما هو إلا شرارة البدء لانتفاضة كبرى على الأوضاع المنبوذة بدء من الاحتلال وانتهاء بأصغر عملائه... وكلهم صغار.
حسبـة الجــرد السيــاسي...كلمة البصائر
