هيئة علماء المسلمين في العراق

انتخابات مصر.. صعود الإخوان وأفول الأحزاب ... محمد جمال عرفة
انتخابات مصر.. صعود الإخوان وأفول الأحزاب ... محمد جمال عرفة انتخابات مصر.. صعود الإخوان وأفول الأحزاب ...  محمد جمال عرفة

انتخابات مصر.. صعود الإخوان وأفول الأحزاب ... محمد جمال عرفة

جبل الجليد لا يظهر منه غالبا فوق الماء سوى قمته، ومع هذا فكثيرًا ما تشير قمة هذا الجبل إلى حجمه وملامحه.. وهكذا يبدو الأمر عقب انتهاء المرحلة الأولى من نتائج انتخابات برلمان 2005. فالملامح والصورة تشير بوضوح إلى:
1- انقسام الحزب الوطني ليس فقط بين الحرس الجديد والقديم، ولكن أيضا بين "الوطني" و"المنشقين" أو "المستقلين" عنه، وصعود الإخوان بشكل كبير ليحتلوا المركز الثاني في برلمان 2005، وانهيار قوى أحزاب المعارضة عمومًا سواء القديمة أم حتى الحديثة (الغد) ما يثير تساؤلات حول التجربة الحزبية ككل في ظل وجود 21 حزبًا لا نفوذ ولا تأثير لها.
2- برزت أزمة ستواجه النظام المصري فيما يتعلق بمشاركة الأحزاب في انتخابات الرئاسة وفق تعديل المادة 76 من الدستور في ظل التوقعات بفشل هذه الأحزاب في الحصول على نسبة 5% اللازمة للترشيح في انتخابات الرئاسة (23 مقعدًا في مجلس الشعب و9 في مجلس الشورى) ما سوف يطرح عيوب الدستور مرة أخرى وعيوب المادة 76.
3- أزمات خارجية ربما تواجه الحكومة بالنظر إلى تعليقات أدلى بها مراقبون غربيون خاصة رئيس وفد البرلمان الأوربي "إدوارد ماكليلان سكوت" تشير إلى أن الجولة الأولى من الانتخابات "افتقرت لمعايير العدالة والنزاهة"، خاصة أن هناك حالة ترقب أمريكية وأوربية لنتائج الانتخابات.
4- تغير معايير واتهامات "التزوير" والتلاعب التي جرى تبرئة أجهزة الأمن منها هذه المرة وإلصاقها -وفق اتهامات منظمات المجتمع المدني ومرشحي الإخوان- ببعض أعضاء الهيئة القضائية من "موظفي" هيئة قضايا الدولة والنيابة من غير القضاة الجالسين على منصة القضاء، وأعلن نادي القضاة المصري أنه بدأ التحقيق فيها.
5- ظهور الدور السلبي الذي تلعبه كشوف الناخبين القديمة وعمليات القيد الجماعي، وما يسمى "البطاقة الدوارة" على مراكز الاقتراع في إجهاض بعض أسباب نجاح التجربة الديمقراطية المصرية الأولى من نوعها منذ 53 عامًا التي تحظي بإشراف قضائي ومنظمات حقوقية محلية وعدم تدخل الأمن.
6- ظاهرة شراء الأصوات بمبالغ مالية وأجهزة منزلية وشقق ورحلات حج وعمرة وغيرها(!) التي تمت جهارًا أمام الجميع واعترف بها مرشحو كافة التيارات، والتي أصبحت ظاهرة مستفحلة وخطيرة في انتخابات 2005 حتى باتت توصف بأنها "أغنى" و"أغلى" انتخابات مصرية، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم ما أنفق فيها بلغ حوالي 5 مليارات جنيه مصري (580 مليون دولار)، رغم أن القانون حدد نفقات كل مرشح بـ70 ألف جنيه فقط!.
ويمكن تفصيل هذه النتائج والتحديات المستقبلية في ضوء انتخابات البرلمان علي النحو التالي:
أولا: انقسامات الحزب الوطني
رغم أن الحزب الوطني الحاكم كان أكثر الفائزين في المرحلة الأولى (26 مقعدًا وإعادة على 97) فهو قد خسر عمليا 41 مقعدًا من أصل مقاعد هذه المرحلة الـ164 بنسبة الربع تقريبا (25%) ما يعني فوز ترشيحاته بنسبة 75% فقط وليس 85% كما قال صفوت الشريف أمين عام الحزب لصحيفة الأهرام 12 نوفمبر 2005.
أيضا لوحظ أن عدد المستقلين الذي دخلوا إعادة انتخابات المرحلة الأولى بلغ عدد 120 مستقلا منهم 76 مستقلا، و44 مستقلا "من الحزب الوطني سابقًا"، وهو عدد يفوق أعضاء الوطني الذين يدخلون الإعادة (97 مرشحًا)، وينبئ بأزمة على غرار تلك التي حدثت عام 2000 عندما فاز الوطني بـ 38% فقط من مقاعد البرلمان فضم الفائزين المستقلين المنشقين عن الوطني الذين زاد عددهم عن 200 عضو ليرفع نسبته من المقاعد في البرلمان إلى 85% ويسيطر عليه.
والأزمة التي يواجهها الوطني هنا ثنائية: جانب منها يتعلق بهؤلاء المستقلين المنشقين، والجانب الآخر يتعلق بالصراع داخل الحزب نفسه بين الحرس الجديد والقديم، وفوز الرموز القديمة في الحزب في الجولة الأولى في ضوء تحجيم دور الحرس الجديد في انتخابات البرلمان ربما يشير إلى معركة تكسير عظام بين الفريقين.
ثانيا: صعود الإخوان
من بين الـ52 الذين رشحتهم الجماعة في هذه المرحلة الأولى، فاز لها أربعة ودخل الإعادة 42 ولم يسقط سوى ستة فقط، ومعني هذا أن نسبة خسارة الجماعة في هذه المرحلة مقارنة بالوطني هي 11% فقط مقابل نسبة فوز 89% حتى الآن.
ولو استمر تقدم الإخوان بهذا المعدل، ولم تحدث تدخلات وتجاوزات، فربما تفوز الجماعة بنسبة مقاعد كبيرة ربما تبلغ 70 مقعدًا كما يطمح قادتها لتشكل المعارضة الأساسية وتحتل المرتبة الثانية في البرلمان من حيث عدد المقاعد بعد الوطني كما هو الحال في برلمان 2000، وتعيد بالتالي طرح التساؤلات بقوة حول وضعها القانوني، وتسمية "المحظورة" التي التصقت بها ولم تعد تناسب الواقع على الأرض.
ثالثا: انهيار المعارضة التقليدية
من بين 89 مرشحًا رشحتهم (الجبهة الوطنية للتغيير) التي تضم أحزاب المعارضة الرئيسية: الوفد والناصري والتجمع والعمل وسبع قوى سياسية أخرى ليبرالية ويسارية في المرحلة الأولى للانتخابات، فشل كل هؤلاء المرشحين في الفوز بمقعد واحد.
ومن بين حوالي 114 مرشحًا إجماليًّا لـ12 حزبًا وقوة سياسية عامة في هذه الجولة، لم ينجح أحد، واقتصر الأمر علي 7 مرشحين للمعارضة فقط دخلوا انتخابات الإعادة.
وفي ظل توقع أحزاب المعارضة التقليدية -كما قال أمين حزب التجمع حسين عبد الرازق لصحيفة روزا ليوسف- عدم الفوز أيضا في المرحلتين الثانية والثالثة، تصبح النتيجة المنطقية لهذا هي فشل الأحزاب المصرية الـ21 في تحقيق أي وجود حقيقي في الشارع المصري، وهو ما يعزز إخفاقها الذي ظهر في انتخابات الرئاسة الماضية التي فاز فيها ثمانية أحزاب مجتمعة بنسبة 1% فقط من أصوات الناخبين.
رابعا: المشاركة السياسية.. صفر
رغم تبرير نسبة المشاركة الضعيفة في انتخابات الرئاسة السابقة (23%) بأن هذه الانتخابات لا تمس احتياجات المواطن المصري العادي وحياته اليومية، فقد جاءت نسبة المشاركة المتدنية أيضا في انتخابات البرلمان لتطرح تساؤلات أعمق عن سر عزوف المصريين عن المشاركة السياسية عمومًا، سواء عبر العمل الحزبي أم عبر التصويت في الانتخابات.
وبلغت نسبة التصويت رسميًّا 24.9% فقط في المرحلة الأولى، وقد أدى هذا لفوز وزراء ونواب بنسبة هزيلة مثل وزير المالية يوسف بطرس غالي الذي فاز بـ5% من أصوات دائرته، في حين فاز وزير الإسكان إبراهيم سليمان بـ 8% من أصوات الناخبين.
ويفسر د. محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية بالأهرام هذا العزوف الجماهيري -لصحيفة المصري اليوم 11 نوفمبر 2005- بأنه "يعزز ثقافة اللامبالاة السائدة ونظرة الكراهية للسياسة والسياسيين باعتبارهم انتهازيين ولصوصًا وبراجماتيين يبحثون عن مصالحهم الخاصة".
خامسا: الرقابة المحلية والأجنبية.. مشكلة
رغم تركيز الصحف الرسمية المصرية على رصد إشادة مسئولين أمريكيين وأوربيين بالانتخابات، فقد صدرت تصريحات أخرى من رئيس وفد البرلمان الأوربي ينتقد فيها التجاوزات، حيث أكد "افتقار هذه المرحلة للنزاهة والعدالة"، منتقدًا في الوقت ذاته "تحيز الإعلام المصري لصالح مرشحي الحزب الوطني الحاكم". وأشار إلى أن فلسطين أجرت انتخابات نموذجية تحت الاحتلال الإسرائيلي، وكان بإمكان المصريين أن يكون أداؤهم أفضل بكثير"!.
المصدر: وكالات
19/11/2005

أضف تعليق