-مركز الأمة للدراسات والتطوير-قسم الدراسات
عبد الله العنزي
بعد كل كارثة من الكوارث المرعبة التي تشهدها الحياة في العراق، والتي يسقط على إثرها المئات من القتلى والجرحى؛ يحتدم السجال والجدل بين الساسة حول تحديد مكامن الخطر الداهم، والمشكل القائم، وآفاق الحل المطلوب، وترتفع في ثنايا ذلك الجدل والسجال المتواصل النبرات، وتتعالى فيه الصيحات، وتخرج بعد ذاك البيانات والتصريحات، وتنطلق الشعارات، ثم تعقد الجلسات تلو الجلسات لأعضاء ما يسمى بـ "مجلس النواب" للتداول في أسباب القصور والانهيار، والخروج من هذا الواقع المتأزم والمتفجر للبلاد.
وعلى مدى سنوات مضت من عمر هذا "المجلس" وعمر ما ترشح عنه من حكومة ووزراء، أخفق الجميع في الوصول إلى آفاق الحل المنشود، وبناء دولة تنعم بالأمن والأمان، والرخاء والازدهار، وما زادتهم تلكم المجادلات والمناكفات إلا تنافراً وتباغضاً وخصومة. وما زادت الأحوال في هذه السنين إلا إلى المزيد من التأزم والتعقيد والضراوة.
وفي خضم هذا الواقع البائس يتبادر إلى الأذهان سؤالان عفويان؛ لمَ يحدث كل ذلك؟
ولمَ لم يوفق أولئك الساسة لحل المشاكل والقضايا المتعلقة بحياة الناس وأرواحهم وممتلكاتهم، بل وممتلكات الدولة التي إليها يديرونها، وتأمين الأمن والأمان الذي هو من أبسط مستلزمات العيش للإنسان؟!
وللجواب على السؤال الأول؛ نقول وببساطة: أن مجيء مئات الألوف من أقاصي الأرض لغزو بلادنا واحتلالها ما كان لأجل إشاعة العدل والحرية والازدهار، كما تروجه أبواق الدعاية الغربية، ويردده المنتفعون من أرباب العملية السياسية، فذلك ما لا يصدقه أحد ممن يعايش الواقع العراقي، أو ممن يتابعه بعناية، فضلاً عن المنصفين من عقلاء الساسة والخبراء والباحثين في مراكز الدراسات والبحوث المتخصصة في العالم، فالاحتلال كان لدوافع وأهداف كبيرة وخطيرة؛ أولها: تدمير العراق بكل معالمه وبنائه ومؤسساته، والقضاء عليه كدولة تحظى بقوة اقتصادية وبشرية وعسكرية، ثم تمزيق المجتمع العراقي وتشويه قيمه وإفساده، وإغراقه بالفتن والنعرات المستثارة بين مكوناته، الطائفية منها والعرقية.
وعليه فإن بقاء المحتلين جاثمين على أرض العراق يعني مضيهم في تحقيق أهدافهم تلك، وإيغالهم في التدمير والتقويض لعرى الدولة وبنيتها، والحيلولة دون سعيها للنهوض أو التقاطها الأنفاس، بإسناد أمرها إلى غير أهله، وتغذية الفساد والنهب لمقدرات البلاد ومواردها، والإمعان في تمزيق النسيج المجتمعي العراقي، وإبقاء الناس على ما يكابدونه من فقر ومرض وبؤس وشقاء.
وعلى هذا تختفي من كنف "العراق الجديد" جلُّ الخدمات، ويُعدم الأمن والأمان، وتغيب الطاقة التي بها قوام الحياة، لتغرق البلاد في ظلام وسبات، ثم تتوالى النكبات والأزمات، والكوارث المهلكات، لتستنزف الإنسان، وتجهز على ما تبقى له من أثر حياة، هذا ما يريده الحاقدون والمحتلون الغزاة.
أما السؤال الثاني الذي أوردناه؛ فللجواب عليه نقول: أن ثمة بديهية عقلية مفادها: "إن من يرضى بالواقع لا يمكن أن يغيَّر الواقع". وقد تعلمنا أن من لوازم الإيمان ومقتضياته؛ الكفر بالطاغوت، فلا يستقيم معنى الإيمان إلا بالكفر بالطاغوت، (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) [البقرة: 256].
إن مَن يرضى بالاحتلال ويرضخ لسلطانه ويستجيب لمشروعه لا يمكن أن يغيَّر ما يريده المحتل، ويسعى لأجله، ليحقق - كما يدعي - السيادة لبلده، والكرامة لشعبه.
كما أن من يقتل الناس ويمعن في إيذائهم وظلمهم بدعوى التصدي لما يسمى بـ"الإرهاب" ، لا يمكنه إزالة المظالم، وإقامة العدل، والمحافظة على احترام القانون، وحقوق الإنسان.
وكذلك من يقوم بإقصاء الآخرين وتهجيرهم من منازلهم ومدنهم، ومصادرة حقوقهم لأسباب طائفية وغير موضوعية لا يمكنه السعي لإقامة دولة مستقرة تنعم بالأمن والسلام.
إن ما يجري بين الساسة في العراق وتحت سقف ما يعرف بـ " مجلس النواب" من جدل فضفاض عقيم ينزلق في أغلب الأحيان إلى المنازعات والمهاترات لن يوصل إلى آفاق الحل المنشود لما حدث وسيحدث من كوارث وأزمات، ذلك أن المقاييس الصحيحة التي يصار إليها لحسم الخلاف وإصلاح الأمور مغيبة في ظل الاحتلال وطغيان الظلم على العدل، والشر على الخير، فيتعين البحث عن حل شامل ومتكامل يبدأ بأس المشكلة و"رأس البلاء" ليستقيم بعد هذا البحث في آفاق الحلول والمعالجات لما تفرع عن ذلك من مشكلات، ووفق المعاير المنطقية الصحيحة. وبخلافه فإننا ندور في حلقة مستمرة لا نهاية لها، ولا مخرج منها إلى أفق حل.
ضياع الأمن في العراق وغياب الحل المنشود...
