لا يزال مسلسل الإغتيالات واسكات الاصوات المناهضة للاحتلال من اكاديميين وصحافيين أوخطباء الجوامع الوطنيين ساريا في العراق المحتل، سواء بكاتم الصوت أو بغيره، وان كان مغلفا بضجيج الدعاية بإستقرار الأمن وإستتباب السلام. ويبدو أن الأستعماريين يعتقدون أن ما يروجونه إعلاميا، هو ما ستقتنع به الشعوب ويصبح بالتالي واقعا مسلما به عبر هذه القناعة.
ولايقتصر التضليل والزيف الاعلامي على العراق لوحده اذ لا يمر يوم الا وتطرح الأمبريالية الامريكية فيه، بمساعدة الكيان الصهيوني، مخططا جديدا 'للسلام' وتحت مسميات مختلفة. هذه المخططات، غالبا، ما تدعى امريكا بأنها ' لصالحنا'، أي صالح الشعوب المستعمرة من قبلها وفي الوقت الذي تشن فيه عليها حربا شعواء تقترب من الابادة، كما في العراق وفلسطين وافغانستان.
ويتم طرح 'خارطة السلام'، على الشعوب المستعمرة ( بفتح الميم) بعد تمريرها على مؤسسات 'السلام' الامريكية وعلى عدد من 'الخبراء المختصين' بشؤون البلد المستعمر، ومعظمهم لا يتحدث لغة أهل البلد، او يتحدثها كما السائح الذي أقصى ما يريد تعلمه هو طلب وجبة طعام اثناء قضائه فترة اسبوع سياحي في بلد غريب، ليتفقوا عليها فيما بينهم ثم تطرح على الشعوب المتعرضة يوميا للتجويع والارهاب والاهانة باعتبارها 'خيارا ديمقراطيا'.
هذا السلوك الامبريالي الامريكي (الحامل في رحمه للصهيونية) عنصري يستقوي بتكنولوجيا صناعة السلاح ضد الشعوب المستعمرة وهو استمرار للاستعمار القديم، وابرز ملامحه الاستيطان (لايزال من خصائص الاحتلال الصهيوني لفلسطين) والسيطرة العسكرية المباشرة للاستيلاء على الثروات والمصادر الاولية وتحويل ابناء الشعب الى خدم وعبيد مهمتهم الاولى الاخيرة هي تزويد آلة الاستعمار بما تحتاجه من قوة بشرية. الا ان الاهم من ذلك كله خلقه لطبقة من العملاء الذين يديرون او يخربون البلاد بالوكالة تحت مسمى 'الديمقراطية'.
وكنا نظن، نحن الجيل الذي عاش فرحة حركة التحرر الوطنية في بلادنا وافريقيا وآسيا، في فترة الخمسينات والستينات، ان الشعوب المحررة قد نجحت في تقليم مخالب الاستعمار وفي طريق القضاء عليه عبر انهاء الهيمنة الاقتصادية وبناء النظام الاشتراكي العادل الذي لن يتحقق السلام العالمي بدونه، غير اننا كنا قد استعجلنا الاحتفال. اذ تعرضت حركات التحرير الوطنية للانتكاسة تلو الانتكاسة اما بسبب عدم خبرة الثوار في ادارة مرحلة ما بعد التحرير أي مرحلة البناء والتنمية (كما في معظم دول افريقيا) او لنمو طبقة جديدة من المنتفعين الفاسدين محليا والمتحالفين مع الاستعمار أو الدكتاتوريات القمعية لربط حكومات التحرير نفسها بقوى خارجية ارتأت بانها ستحقق التوازن الدولي، أو لنجاح المستعمر، في استعادة دوره، عبر تطوير آلية خلق الصراعات والاقتتال الداخلي وبيع الاسلحة وتفتيت الدول والتركيز على الهيمنة الاقتصادية والمجتمعية، في مرحلة الامبريالية التوسعية ووجهها الاحدث نسبيا أي النيوكولونيالية. كما وقد تلجأ الامبريالية الى استخدام كافة الطرق، مجتمعة، لتحقيق اهدافها.
وقد شاهدنا، منذ ايلول /سبتمبر 2001، وجوها متعددة للامبريالية. كان أحدها اثناء خروجها من غرفة الرعاية المركزة الى ردهة النقاهة اولا (مع تصاعد التعاطف الشعبي العالمي اثر تفجير البرجين في نيويورك) ومن ثم الى احد اجنحة المستشفى العادية توقعا لاستعادة العافية، كما في الايام الاولى من غزو العراق، حين تمكنت من حشد 'ائتلاف' دولي يعاونها على شن الغزو. الا ان امريكا تعرضت الى نكسة شديدة فتمت اعادتها الى ردهة النقاهة نتيجة تصاعد مقاومة الشعب العراقي الوطنية وما ترتب على ذلك من استنزاف اقتصادي. بحيث باتت اللغة المتداولة، في حساب الخسارة، تقدر بمليارات الدولارات وطرق اسماعنا، لاول مرة، مبلغ التريليون دولار. اذ صارت تكلفة الجندي الامريكي (الموعود بالنصر خلال ثلاثة أشهر) في العراق وأفغانستان مليون دولار سنويا (مضروبا بسبع سنوات) وتكلفة المرتزقة أكثر من ذلك. واضيفت الى نكسة النيوكولونيالية نكسة اضافية. فبدلا من ان تكون حفنة اليتامى من العراقيين الذين وظفتهم الامبريالية لخدمتها عونا يقومون باداء الخدمات المطلوبة منهم بالنيابة عنها، وذراعا يدرأ عنها خطر اهل البلد المستعمر، صاروا عبئا اضافيا، يقضي المستعمر وقته في رحلات مكوكية مهددا متوعدا (كما يفعل بايدن هذه الايام) لاجبارهم على المصالحة فيما بينهم. وسبب ذلك ليس الموقف الوطني الموحد ضد الاستعمار، بل لادراكهم جميعا بان موارد النفط لن تكفي لاشباع الجشع المتزايد للسيد والعميل معا، خاصة بعد ان فشل العميل المرافق للسيد من الخارج في تثبيت جذوره في ارض العراق فصار يعتمد في بقائه على طبقة اخرى من العملاء المرتشين، ليرتفع مقياس الفساد من الآلاف الى مليارات الدولارات، ومعها ازداد حجم الانغمار في الفساد وكيفية التغطية عليه. ونشأت الحاجة الى استخدام آليات جديدة للتمويه على الفساد المستشري ولتهدئة غضب المواطنين على الرشوة والمحسوبية والمنسوبية والعقود الوهمية، فتم تشجيع اساليب الفساد المتداخل بمختلف الجرائم الكيدية والتصفية الجسدية او الاعدام الفوري أو التفجيرات في الاماكن العامة. والامثلة كثيرة، من بينها: حين دخل مسلحون من حماية 'نائب رئيس الجمهورية' والقيادي في المجلس الاسلامي الاعلى عادل عبد المهدي، فجر الثامن والعشرين من تموز (يوليو) الماضي، في عملية مخطط لها، فرع الزوية لمصرف الرافدين في منطقة الكرادة وسط بغداد، وهي منطقة مغلقة النفوذ للمجلس وقتلوا ثمانية من الحراس وسرقوا ما يقارب الأربعة ملايين دولار. وقايض ' مسؤولون عراقيون' دماء 17 مواطنا عراقيا قتلهم مرتزقة شركة بلاكووتر الامريكية للمقاولات الامنية في ساحة النسور ببغداد في عام 2007، برشوة قيمتها مليون دولاربعد ان اكد شهود عيان بأن المتهمين لم يطلقوا نيران اسلحتهم الاوتوماتيكية على المارة فحسب، بل اطلقوا قنابل يدوية على مدرسة مجاورة ايضا. وذكرت أمانة بغداد في بيان لها تفاصيل عن سرقة مبالغ تصل الى مليار ونصف المليار دينار عراقي تقدّر بـ(11 مليون دولار) من قبل 13 موظفا (بمعدل مليون دولار للموظف تقريبا) وتشير عملية تدقيق البيانات المالية للاعوام الماضية الى احتمال وصول المبالغ الى سبعة عشر مليار دينار. فكم من الجرائم ارتكبت خلال الاعوام الماضية للتستر على هذه السرقات التي تعتبر في بلد لا يحكمه القانون من اكثر سبل الربح سرعة وسهولة؟ وماذا عن نهب الثروة النفطية وسباق التهريب من قبل الاحزاب والميليشيات، على اختلاف انواعها، بدءا من الحزبين الكرديين وعقودهما المخصومة الربح مسبقا لصالح القيادات ومرورا بحزب الفضيلة والدعوة وانتهاء بالمجلس الاعلى الاسلامي؟ وهو نهب مغلف بـ' تطمينات' وتأكيدات وزير النفط حسين الشهرستاني بان 'العراق وصل الى الاكتفاء الذاتي بانتاج المشتقات النفطية' وان 'الكازولين المطلوب لجميع قطاعات النقل اضافة للمولدات البيتية لدينا انتاج كاف وفائض' حسب تصريحه يوم 9 آب/اغسطس 2009. وهي تطمينات كاذبة طالما نبه اليها وزير النفط الاسبق عصام الجلبي وفندها يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر تقرير'اويل غرام نيوز' في موقع بلاتس المتخصص بمعلومات النفط والمعادن، حيث ذكر بان العراق يستورد ستة ملايين ونصف مليون ليتر من الكازولين يوميا. هنا يعمل الشهرستاني بجد على تزوير واقع المستعمر امام المواطن ويعمل بجد اكبر على محاولة تحسين صورته الشخصية وحزبه على حساب المواطنين والوطن. وهو نموذج لكيفية عمل بقية الوزراء والنواب الهادفين الى تمديد بقاء المستعمر عن طريق المساهمة في تجديد آليات بقائه، مما يذكرنا بمقولة المفكر فرانز فانون بان 'التاريخ يبين ان مامن امة كولونيالية تقبل بالانسحاب من دون استنفاد امكانيات بقائها كافة'.
ان الامبريالية الامريكية، في مرحلة النيوكولونيالية، في العراق، لن تدخر جهدا في البقاء حتى ولو تخلصت من آخر مواطن عراقي يعارضها، وما حملة التفجيرات والاختطافات والقتل والترويع واستهداف المدنيين غير وجه آخر من وجوه المستعمر الخاسر بقناع عراقي يرتديه ليبعد الاستقلال مسافة سنين عن الشعب المقاوم.
وما نشهده من ضجة المعارك المفتعلة حول ما يسمى بالدستور والانتخابات واعتراضات المعترضين وموافقة الموافقين لايزيد عن كونه جعجعة بلا طحن.
جعجعة المعارك الوهمية في ظل أكبر سفارة امريكية في العالم ...هيفاء زنكنة
