الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في أفغانستان التي أعلنها أوباما مؤخرًا والقائمة على وضع جدولٍ زمني للانسحاب من هناك وفي غضون 18 شهرًا حسبما أعلن، تعكس الانقسام الحاد الحاصل داخل الإدارة الأمريكية حيال قضايا السياسة الخارجية وخاصةً الجدل الدائر حول جدوى الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان.
إن من أهم ما تضمنه خطاب أوباما هو إدراك (القوة العظمى) الوحيدة في العالم، وبعد سنوات من الحروب والغطرسة الأمريكية أن القوة وحدها لا تكفي في تحقيق المصالح والأهداف للولايات المتحدة، وهذا ما أكده أوباما خلال حديثه عن ضرورة أن يتزامن الجهد العسكري مع (العمل المدني) السياسي، والشراكة الفعالة مع الأطراف الأخرى.
لهجة التراجع التي غلبت على خطاب أوباما تكشف بوضوح الاعتراف بالعجز والقدرات المحدودة خلافًا لما اعتاد عليه العالم من اللهجة المتغطرسة لسلفه بوش الذي أدخل الولايات المتحدة في حربين استنزافيتين يصعب الخروج من مستنقعهما، وبناءً عليه بدأت إدارة أوباما تدرك حجم الخسائر والتكلفة الكبيرة التي سببتها تلك الحروب، وهو ما جعله يتحدث بوضوح عن واقعية الأهداف في اعتراف صريح أنه لا يمكن (وضع أهداف تتجاوز مسؤولياتنا وقدراتنا ومصالحنا) حسب تعبيره.
السؤال المهم هنا هو: ما الذي جعل أوباما وإدارته يعيدان حساباتهما ومراجعة الأهداف والاستراتيجيات بهذه الطريقة؟!
لا ينكر أي عاقل أو منصف أن الذي وقف في وجه الغطرسة الأمريكية وأجبرها على التراجع وأعادة الحسابات وافشل مشاريعها في كل من العراق وأفغانستان هي المقاومة في كل من البلدين، فهما اللتان أجبرتا الجنرالات العسكريين وواضعي الاستراتيجيات على أعادة النظر في حسابات القوة والقدرة وإعادة قراءة واقعية الأهداف الأمريكية على مستوى العالم كله.
مما لا شك فيه أن مقاومة الشعوب للعدوان أقوى وأعظم من كل القوى المادية الأخرى، فالمقاومة العراقية والأفغانية نالتا شرف الدفاع عن كل المستضعفين في العالم وحجب الشر الأمريكي عنهم من خلال كسر شوكة الغطرسة الأمريكية وعقدة غرور القوة التي دفعت أمريكا للاستخاف بشعوب العالم والاستهانة بحقوقهم، هذا في الوقت الذي تفتقد هذه المقاومة إلى الدعم المادي والمعنوي على المستويين الدولي والإقليمي، لكنها استطاعت خلال الاعوام الستة الماضية من اكتساب قدرات ومؤهلات جعلتها الرقم الأصعب المغير للمعادلات الاقليمية والدولية على حد سواء.
الاستراتيجية الأمريكية والرقم الأصعب ...رأي مركز الأمة للدراسات والتطوير
