قد تبدو عناصر الصراع في العراق من الناحية الظاهرية تميل إلى الاستقرار ، إلا إنها في حقيقة الأمر لا تزال تنطوي على كثير من بؤر العنف وعدم الاستقرار التي تستمد مولداتها من جوهر الصراع نفسه المتمثلة في عدم إنجاز الأطراف المنخرطة في هذا الصراع لأهدافها السياسية النهائية ،
فإخفاق الولايات المتحدة في مشروعها ، وعدم تمكن القوى الوطنية المقاومة للاحتلال من بلورة بديلها السياسي المكافئ لغاية الان ، وتصاعد حدة التنافس الإقليمي لملء الفراغ ، كل ذلك يؤكد بما لا يقبل الشك استمرارية الصراع الذي يمتد تأثيره خارج حدود العراق ويتخذ أشكالا وصيغا أخرى تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية .
ويغري الوهن الحالي للعراق وضخامة ثرواته دول الجوار وفي مقدمتها إيران وتركيا للتدخل في شؤونه ويشجعهم على ذلك عاملين الأول: انحسار وتراجع الدور الأميركي في العراق ، وثانيا: غياب دور عربي فاعل طيلة السنين السابقة .
ولاشك إن خيارات العرب في العراق باتت محدودة مقارنة بالنفوذ الإيراني الواسع والدور التركي المتنامي ، فمنذ انهيار النظام الرسمي العربي وتعطيل معاهدة الدفاع العربي المشترك عندما تم احتلال وابتلاع دولة عربية في نيسان 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية دون قرار دولي شرعي ، لم تمارس الدول العربية في العراق سوى دور ثانوي إتسم بالاكتفاء بالمراقبة .
واليوم أيقن العرب إن خسارة العراق كحجر زاوية قد خلخل الضغط في معادلة القوة المعقدة في المنطقة برمتها ومن شأن استمراره كشف الجناح الشرقي للعرب أمام القوى الإقليمية المتنافسة لمد نفوذها أبعد من العراق ، مما يجعل من حالة التغافل واللامبالاة جراء ما يجري في العراق أشبه بالانتحار البطئ الذي ستطرق تداعياته تدريجيا أبواب الكثير من العواصم العربية ، فليس من المصادفة أن يتعاقب رئيس كل من إيران وتركيا في ظل الصمت العربي ليعرض كل منهما خدمات بلاده لملئ الفراغ في العراق عند رحيل قوات الاحتلال الأمريكي .
ولكن هل هناك فرصة لدور عربي محوري في العراق في ظل متغيرات محلية وإقليمية ودولية مشجعة؟ الجواب نعم بالإمكان تحسين شروط الدور العربي فيما لو تم الانتباه إلى الحقائق التالية :
أولا : دأبت كل من إيران ولاحقا تركيا على إعتماد إستراتيجية ناجحة في الساحة العراقية من خلال المناورة داخل العملية السياسية وخارجها ، فكلاهما يدعم أطراف داخل العملية السياسية ولكن في نفس الوقت يتبنى ويدعم أطراف خارج العملية السياسية سواء بالدعم العسكري أو التوسط بين فصائل مقاومة والإدارة الأمريكية . ومن باب أولى أن يغادر العرب حالة الخوف والعجز والخجل ويبادروا إلى تحفيز ركائز الحركة الوطنية العراقية السياسية والعسكرية للتبلور وتوفير الظروف المناسبة لها كي تعقد لقاءاتها ومؤتمراتها بصورة علنية كحركة تحرر وطني ، الأمر الذي سيهيئ للعرب موطئ قدم قوي داخل الساحة العراقية .
ثانيا : يشكل الملف الأمني ووجود جيش مهني المفتاح الرئيسي الذي يفتح الطريق أمام بقية الملفات المعلقة السياسية والاقتصادية ، حيث يتفق الجميع على إخفاق القوات الحكومية العراقية الحالية وعدم تجاوز نسبة جاهزيتها لأداء مهامها القتالية أكثر من 10% ، فهي أقرب إلى قوات مكافحة شغب منها إلى جيش ذو عقيدة عسكرية وطنية جامعة ، ولدى العرب ورقة لن يستقيم العراق بدونها، تتمثل في قيادات وكبار ضباط الجيش العراقي الوطني المجربة، والتي تحظى باحترام وقبول معظم قطاعات الشعب العراقي ، وهي قادرة بوقت قياسي ربما لا يخطر ببال أحد على تنقية القوات الحالية وبمهنية عالية ، وتحويلها إلى صمام أمان للوحدة الوطنية فوق الميول السياسية والعرقية والطائفية .
ثالثا: من الضروري إعادة الحسابات وترتيبها والتعامل على أساس الحقائق وليس إفرازاتها أو النتائج ، فالاحتلال الأمريكي هزم عسكريا في العراق وطمر مشروعه السياسي من خلال إخفاق حكوماته المتعاقبة في التقدم خطوة واحدة على المسارات الأمنية أو الخدمية أو الاقتصادية ، والشعب العراقي اليوم أكثر وضوحا في تعبيره عن رفض مشروع الاحتلال وطبقته السياسية ، ومن العبث عدم الانسجام مع تطلعات الشعب العراقي أو القوى التي تعبر عنها ، وعلى العرب عند التعاطي مع الشأن العراقي التوقف عند خطوط حمراء غير قابلة للمساومة أو التصرف وفي مقدمتها وحدة العراق والحفاظ على هويته العربية لان ذلك وحده كفيل بإعادة العراق إلى وظيفته التاريخية الجيو – إستراتيجية والمتمثلة بالعمل كسد ومانع جغرافي وديموغرافي لصد الاندفاعات الإقليمية التوسعية بكافة أشكالها نحو العمق العربي .
رابعا : هناك بؤر ومحركات مستديمة للعنف وعدم الاستقرار في العراق وبدون وضع حل جذري لها فإن الحديث عن استقرار العراق والمنطقة يبقى في إطار التمنيات ومعالجة النتائج وترك المسببات ، تتمثل البؤرة الأولى في استمرار حالة الاحتلال والتواجد الأجنبي على أرض العراق بغض النظر عن المسميات والأشكال الوهمية التي يتخذها ، البؤرة الثانية تتمثل في وجود عملية سياسية فاشلة تقوم على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية وتخدم أحزاب وقوى وجهات ذات نزعة انفصالية .
خامسا : تعد إيران اليوم بنفوذها في العراق اللاعب الرئيسي بعد الولايات المتحدة ، وقد تمكنت بدهاء شديد وبراغماتية عالية من احتواء مأزق الاحتلال وتسخير طاقاته ليقدم لها العراق على طبق من ذهب دون أن تنزف قطرة دم واحدة أو قطرة بترول ، وبإمكان العرب استغلال المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الايجابية المتمثلة بالفشل المتكرر وتخبط حكومات الاحتلال المتعاقبة ورفض الشعب العراقي لها ، وكذلك اشتعال الجبهة في أفغانستان ورغبة الإدارة الأمريكية تقليص خسائرها وتحقيق انسحابات تؤمن لها الحد الأدنى من ماء الوجه والمصالح في العراق، على المستوى الإقليمي فإن إيران منشغلة بمواجهة الغرب حول ملفها النووي وكذلك معالجة التصدع الداخلي المتفاقم على المستوى الشعبي والسياسي والديني ، في حين تحتاج الاندفاعة التركية إلى التصويب قبل التفكير في احتوائها أو التنسيق معها لأنها لا تدور بعيدا عن الفلك الأمريكي وقد تسفرعن تقاسم للنفوذ مع ايران على حساب مصالح الشعب العراقي .
لم يعد ملف العراق شأنا محليا عراقيا بقدر ما هو شأنا عربيا وإقليميا ، فالوضع في العراق مفتوح على كافة الاحتمالات وشظايا النيران المشتعلة التي يكتوي بها الشعب العراقي اليوم لن تلبث أن تتجاوز حدوده عاجلا أم آجلا ما لم تتضافر جميع الجهود ، ويبدو إن الدول العربية لا تزال تعتمد أسلوب العزف المنفرد في القضية العراقية وتدعم هذا الطرف داخل العملية السياسية أو ذاك لاعتبارات إما مذهبية أو نتيجة إملاءات خارجية ، في حين هناك حاجة لمغادرة هذا النمط والمباشرة بالعمل الجمعي وصياغة مشروع عربي واضح ، وقد تشكل دعامته الأولى وحجر الزاوية فيه أولا التقارب السعودي – السوري الذي يصب مباشرة في مصلحة العراق ثم الانطلاق لاحقا على المستوى الإقليمي والدولي ، لاسيما وأن هناك قرارا دوليا بالرقم 1770 بتاريخ 10 آب 2007 تم بموجبه نتيجة الفشل الحكومي المتكرر إحالة ملفات المصالحة الوطنية وإعادة النظر بالدستور إلى مجلس الأمن الدولي، مما يعطي فرصة مضافة للتحرك العربي لمعالجة القضايا الخلافية التي يدور حولها الصراع ، فقضية العراق من الخطورة بحيث يجب أن لا تترك بيد جامعة الدول العربية التي تعاني من الهرم والشيخوخة ، ويعد اللجوء إليها نوع من العبث و الملهاة التي لا تنسجم وحجم المأساة الإنسانية التي يعاني منها الشعب العراقي ، إضافة إلى إن موقفها يتسم كثيرا بالبيروقراطية والعجز أحيانا في معالجة قضايا الأمة الملحة .
خيارات العرب المفقودة في العراق ... د . خالد المعيني
