عندما تفرض أمريكا على وسائل الإعلام عدم نشر صور جنودها وهم يضربون معتقليهم فهذا وحده جُرْمٌ ثلاثي،
أوله إقرار بالتعذيب، الثاني حماية المذنبين بعدم إظهار صورهم، والثالث شل حرية الإعلام وفرض قيود عليها.
الكونجرس الأمريكي سمح لوزير الدفاع بقرار المنع، ووزير الدفاع طلب، والإدارة الأمريكية أبلغت المحكمة العليا بالأمر. وهذا كافٍ لاعتباره مدخلاً للشروع في جولة تحقيقات ميدانية في ما يرتكبه جنود الاحتلال خصوصاً في العراق المحتل منذ مارس/ آذار العام 2003.
للأمريكيين سوابق في غير بلد غزوه واحتلوه، أو سعوا إلى احتلاله، والبريطانيون شركاؤهم ذوو باع طويل أيضاً، ولهذا تتجدد الدعاوى والتحقيقات حول قيام جنود بريطانيين بارتكاب أفعال مشينة ضد من يعتقلونهم، خصوصاً في العراق، على غرار تلك الفظائع التي ارتكبها جنود أمريكيون في معتقل أبو غريب، والتي قوبلت بالسخط في أنحاء العالم كافة.
غير أن المؤسف في التحقيقات التي جرت أو تجرى أنها تذهب في اتجاه تقديم كبش فداء، لأن المجرم الحقيقي هو القيادة التي شاركت في الغزو والاحتلال، والتي أعطت الضوء الأخضر لممارسة هذه الأساليب تحت ستار “الحصول على معلومات”، في وقت أظهرت الصور التي تم الإفراج عنها أن المجرمين الذين مارسوا التعذيب، كانوا يتسلون بضحاياهم بسادية ما بعدها سادية.
التحقيق الحقيقي والمسؤول هو ما يذهب إلى الرأس مباشرة، إلى القيادة السياسية والقيادة العسكرية التي يجري كل ما يجري تحت نظرها وسمعها، وفي الأساس تحت إمرتها، سواء في عمليات قتل المدنيين، أم في عمليات التعذيب الممنهج، أم من خلال شركات القتل التي استقدموها إلى العراق، على غرار “بلاك ووتر”، لتمارس نازيتها وعنصريتها ضد العراقيين.
ما كُشِف ويُكشَف، عما ارتُكب من فظائع في العراق المحتل، يستدعي فعلاً جاداً من الشرعية الدولية ومنظماتها للانخراط في تحقيق مسؤول. ولماذا لا يكون هناك ريتشارد غولدستون آخر، يجول في العراق ويستمع إلى الشهادات الحية، ويرفع تقريره إلى المحكمة الدولية لمساءلة القتلة والمعذبين، كائناً مَنْ كانوا وأياً كانوا؟
غولدستون عراقي...صحيفة الخليج
