مقدمة :
1/ لحين استقالتي في كانون الثاني / يناير 2007 من منصبي كسفير جامعة الدول العربية والمبعوث الخاص الى العراق ، لاحظت ان جميع العراقيين ومن مختلف الأعراق الدينية والطائفية لا يعانون فقط ، بل
انهم اصبحوا مهددين في انهيار أسس تراثهم و مجتمعاتهم وجذورهم القديمة في بلاد ما بين النهرين ، الازمة العراقية اصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة لمئات الآلاف من الناس ، بل هو أيضا تهديدا لجزء حاسم من تاريخ البشرية والحضارة .
ان الغرض من هذا التقرير عن الأقليات ليس مزيد من تقسيم ما بين ابناء الشعب العراقي ، ولكن إلقاء الضوء على معاناتهم ، الذي يتعرضون له ، وإن كان ذلك بطرق مختلفة.
2 / اينما يتم استخدام مصطلح الأقليات في هذا التقرير ، فإنه يشير إلى عشرات من الجماعات العرقية والدينية التي هي جزء لما خلفته قوات الاحتلال حيث التقسيم النوعي من ( الشيعة والسنة والاكراد) ، هذا النظام السياسي الذي تم على أساس حصص عرقية ودينية جعلت من الأقليات أكثر عرضة للمخاطر التي تواصلت منذ ذلك الحين.
3 / ومن الواضح أن هذا التقرير لن يكون التقرير النهائي في تقييم تطور الاوضاع على الاراضي العراقية ، وتأثيره على جميع العراقيين ، أن هذا التقرير يجب ان يبقى مفتوحا للمستقبل في تحديث والتصويبات والأحكام ، هدفنا هو تقديم صورة وان يكون بأكبر قدر ممكن من الدقة ، لتحديث استنتاجاتنا والاستمرار في تطويرها ، لتقييم وتوجيه الأحداث ، كما نقدم اقتراحات لاتخاذ إجراءات للتخفيف من الظروف الصعبة جدا التي تجد الأقليات نفسها فيها.
4 / كانت بلاد ما بين النهرين مهد ، لآلاف السنين ، وبالنسبة لعشرات الأعراق والديانات ، والتي شكلت معا ثقافات ومجتمعات وديانات جميلة في وقت التي جاءت لتكون جزءا هاما من هوية الدولة الحديثة في العراق ، في ظل الأنظمة المتعاقبة والصراعات ، بقيت هذه الأقليات لا تزال ، تزدهر بها العراق .
5 / العنف الطائفي المستمر وعدم قدرة القيادة العراقية الحالية لتحقيق المصالحة الوطنية وتأمين بيئة اجتماعية ، جعلت الأقليات العراقية تواجه قدرا كبيراَ من العنف وعدم الاستقرار ، الأمر الذي يهدد إخراجهم من العراق بشكل دائم ، حيث ان الاقليات العراقية تشكل نسبة اكثر من 5% من سكان العراق .
6 / مسألة الأقليات دائما قضية حساسة جدا في الشرق الأوسط ، وكانت الخطة الأصلية لدينا لإجراء البحوث الميدانية حول الأقليات في العراق والأردن وسوريا ومصر في تشرين الثاني / نوفمبر وكانون الأول / ديسمبر 2008 . للأسف لم نتمكن من أن نصل الى سورية ضمن هذا البرنامج لان مساعينا محددة ولم نستطع الحصول على تأشيرة دخول الى سوريا ، ولكننا تمكنا من الاجتماع مع زعماء وأفراد آخرين في العراق ، والأردن ، ومصر.
7 / يوجد في الشرق الأوسط خليطا من الطوائف الدينية والعرقية ، والقبلية والأقليات ، والتي كانت موجودة عبر التاريخ ، واثبتت الحفاظ على هوياتها وتقاليدها على مر العصور ، على الرغم من تنويع ثقافاتهم وفكرتهم في وازدهار المجتمعات التي يقيمون فيها ، فان الأقليات هي محور الكثير من الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط ، الكثير من الأقليات في منطقة الشرق الأوسط تواجه تزايد العنف على يد الجماعات المتطرفة ، بل على ايادي الهيئات الحكومية ايضاَ.
8 / لم نشاهد لحد الان دستوراَ يبنى على اساس المساواة والمواطنة وينفذ بنوده في الدولة او المنطقة بأسرها ، ومن الأمثلة على ذلك هو أن مواطني أغلب دول الشرق الأوسط يكتبون انتماءاتهم العرقية أو الدينية ، أو كليهما ، على هوياتهم أو وثائقهم الرسمية وفي بعض الحالات ، تفرض عليهم تسميات لا تشير إلى أن الانتماء لا يعبر عن الواقع ، لأن الحكومات لا تعترف لا بدياناتهم ولا بأنتماءاتهم.
9 / وقد اخترنا التركيز على القضية العراقية ، ليس فقط لأنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لمئات الآلاف من الناس ، بل أيضا لأن هناك أزمة تهدد جزءا هاما من التاريخ البشري والحضارة.
10 / وقد تبلورت في العراق قوى من التوترات الجيوسياسي والجيوستراتيجي التي تنقسم الى ثلاث طبقات:
الأولى : تنفتح على الأزمة السياسية والاجتماعية الداخلية العراقية وجوانبها المختلفة.
الثانية : الغاية من طبيعة جذوره من البعد الإقليمي ، والتفاعل مع الجوانب الداخلية للازمة العراقية.
الثالثة : هو التفاعلات الدولية الكامنة في موقف العراق من المنطقة ، ويضاعف من أهميتها في الاقتصاد العالمي بسبب مواردها النفطية وموقعها في الشرق الأوسط.
11 / هذه التوترات في الجغرافية السياسية والجغرافية الاستراتيجية هي صميم التهديدات التي تواجهها الأقليات ، هم رهائن ، وتستخدم كرقعة شطرنج من قبل جميع الأطراف في العراق الجديد ، إن وجد ان هناك اهتمام كبير لاحتياجاتهم الحقيقية ، فانهم يضيعون شيئاَ اخر بالمقابل .
12 / إذا كانت هناك حاجة على االتحريك لوضع مجال جديد في التفكير لمواجهة تحديات الحكم في العراق ، على ما هو عليه الآن ، فان ناقوس الخطر دق على الأقليات في أكثر من محنة في العراق ، ومن المؤمل أن يبدأ هذا المشروع لتنشيط الحاجة إلى حوار جدي من شأنه أن يعزز التغيير الإيجابي و حماية الاقليات المعرضة للخطر.
بحوث ميدانية :
13 / هذا هو أول تقرير يركز على الأقليات التي تقيم أو تلجأ الى كردستان العراق ، ان العنف الطائفي الذي كان موجوداَ في مناطق تواجد الشيعة والسنة قد قل الان ، الا ان العديد من الأقليات الدينية لا تجد الحماية في أي من هذه ، ونتيجة لما تعرضت له حاولت الفرار من البلاد أو الانتقال إلى كردستان العراق.
14 / خلال تواجدي في اقليم كردستان العراق لمدة خمسة أجريت لقاءات عديدة مع اشخاص نزحوا بسبب العنف الدائر في العراق ، ومن ضمنهم عوال الصابئة المندائيين الذين فروا الى أربيل عام 2006 ، وكذلك الأسر المسيحية التي فرت من الموصل الى عين كاوة خلال ذروة العنف الثانية عام 2008 ، و قمنا بزيارة الايزيديين في قضاء الشيخان وعقدت اجتماعات معهم بحضور أميرهم كما قمنا بريارة معبد لالش وهو معبد الديانة الايزيدية الذي يبعد عن قضاء الشيخان نحو 15كم .
15 / بعد انتهاء زيارتنا من كردستان العراق ، التقينا مع ممثلين لمختلف الأقليات من النازحين العراقيين في عمان والقاهرة كما التقينا مع عدد من العوائل العراقية التي أجبرت على الفرار من البلاد ، ولجأت في الأردن فيما التقينا مع عدد من المسؤولين في الأمم المتحدة ، وأعضاء البرلمان العراقي ، فضلا عن القادة العراقيين داخل وخارج العملية السياسية القائمة الان .
16 / استلمنا معلومات كثيرة من مصادر مختلفة عديدة خلال البحث ، والتي كان لا بد من التحقق منها بشكل مستقل قبل أن يدرج في هذا التقرير.
الوضع الحالي للأقليات :
17 / جميع العراقيين يعانون ولكن هناك خصوصيات لحالة الأقليات التي تضعهم في التهديد الاستثنائي ومن ضمنها الطائفية وذلك بسبب التغييرات التي أجريت مؤخرا في المجتمع العراقي ، ما يصل نسبة الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم إلى 25-30 % من السكان ، وكانت حصة الاقليات فيها أعلى من ذلك بكثير ، أكثر من 80 % من سكان المندائيين أجبروا على الفرار ؛ وان نحو 60 % من المجموعات العرقية أو الدينية من مسيحيين وغيرهم ، هم الان بدون مأوى .
18 / الأقليات في العراق معرضة لخطر الانقراض"فعندما يفكر المسلم بالمغادرة من منزله او خروجه لعمل ما فانه يفكر في العودة الى منزلة عندما ينتهي ذلك العمل المكلف به ، وهو في العادة على خطط العودة بمجرد استقرار الحالة ؛ لكن الأقليات المسيحية أو غيرها من الإقليات لا تريد العودة ، ومما يؤسف له ، فان المفوضية أكدت ان أقل من 1 % من النازحين في عام 2007 تمكنوا من العودة ، لكنه لا يوجد ضمن هذا العدد شخص من الاقليات .
19 / وضع الأقليات ازدادة سوءا نتيجة الحرب وما تلاه من احتلال عام 2003 ، ان المشاكل التي تواجهها الأقليات ، ليس فقط في العراق بل في جميع أنحاء الشرق الأوسط ، ومثال على ذلك هو طرد الأكراد الفيلية من العراق خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية ، كما إن الحرب والاحتلال نجمت عنهما تغييرات جديدة خطرة على البيئة المحلية والتي كان لها أثر سلبي على الوضع المتوتر بالفعل في كثير من الأقليات في العراق ،استمرار مناخ الخوف وانعدام الأمن ، فضلا عن ترسيخ الطائفية المستجدة في العملية السياسية العراقية حفزت على نزوح أعداد كبيرة من السكان .
20 / رغم ان العنف والتشرد في العراق مستمرة منذ عام 2003 ، الا انه ازداد بشكل مضاعف خلال السنوات الست الماضية ، وان الكثير من العوائل بدأت تعاني من أعمال العنف والتهجير القسري ، حيث شهد عام 2006 ، ذروة العنف بين السنة والشيعة ، ما اضطر الاف العائلات للفرار هربا من التطهير العرقي الذي حدث معظمه في العاصمة بغداد وضواحيها ، حيث اضطرت الأقليات في البلاد للفرار إلى الخارج أو إلى شمال العراق .وفي عام 2008 عادت موجة أعمال العنف ضد المسيحيين في مدينة الموصل التي شهدت فرار آلاف الأسر المسيحية وتوجهها الى مناطق اخرى من العراق ، وخلال هذه الفترات ، شهد العراق على نطاق واسع تشريد السكان ما ادى الى تغيير في التركيبة الديمغرافية لمعظم أنحاء البلاد ، ومن المهم أن نلاحظ أن موجات النزوح بين عامي 2006 و 2008 ، كانت مجرد قمم في المد والجزر للعنف المستمر ؛ وان الناس ما زالوا يعانون من انعدام الأمن والعنف في جميع الأوقات.
21 / هذه الرحلات المكثفة الى كردستان العراق وضعت ضغطاَ كبيراَ على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في اقليم كوردستان على وجه الخصوص ، وإن الحكومة جاهدة لتوفير الحماية والخدمات الأساسية لأعداد كبيرة من النازحين الفارين نحو حدودها ، ومن الأمثلة على ذلك مسالة التعليم ، حيث وجدت الأقليات صعوبة في العثور على مقاعد دراسية لابنائها ؛ حيث ابلغنا المسؤولون الكرد بأن لديهم أكثر من عشرة آلاف طالب بدون مقعد دراسي .
22 / جميع الاقليات التي التقينا بها خلال البحث ، وسألناها عما إذا كانت حقوقها ستصون او ستبقى في العراق في حال اثبتت في الدستور المواطنة المتساوية لجميع العراقيين بغض النظر عن انتماءاتها العرقية أو الدينية ؛ قالت بالإجماع انها لا يعتتقد ان يكون ذلك في العراق ، على الرغم من أنها تريد البقاء ، وهذه حالة بالغة الخطورة ، وان الحل الوحيد هو الخروج والإقامة في بلد آخر نتيجة اليأس والخوف الذي تشعر به هذه الأقليات ، اضافة الى العديد من المشاكل الخاصة التي يعاني منها النازحون سواء داخل العراق أو خارجه والتي من بينها :
نقص فرص التعليم الأساسي للأطفال ؛ وعدم الوصول على الجامعات ، وعدم الحصول على فرص العمل ، وعدم الاندماج في المجتمع الأوسع ، ومستوى عال جدا من الاحباط في عدم الاهتمام من الخارج عن وضعهم.
الايزيديين :
23. الايزيديين هم من الامثلة الممتازة على مجموعة محددة للغاية ، مع بعض الامور المحددة. جميع الايزيدية يعيشون معا في كردستان العراق وتسمى مناطقهم التي يعيشون فيها بالمناطق المتنازع عليها والتي تقع على الحدود ما بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان ؛ رغم أنهم أقليات على الصعيد الإقليمي أو على المستوى الوطني ، فهم يعيشون داخل قراهم. وهذا لا يعني بانهم لم يجبروا بشكل كبير عام 2003 وما بعد على مغادرة ديارهم في نفس النسب كغيرها من المجموعات التي هي أكثر انتشارا في انحاء العراق ، مثل المندئيين أو المسيحيين.
24. ولكن هذا لا يعني ايضاَ انهم نجو من الاضطهاد. حيث قيل لنا أنه ، بسبب أعمال العنف من قبل الجماعات المتطرفة ، فان جميع الايزيديين هربوا من مدينة الموصل عام 2007. على عكس المسيحيين الذين يمكنهم أن يدفعوا ضريبة على البقاء في منازلهم ، اما الايزيديين فكان قدرهم هو اما الموت او الهجرة من هذه المدينة. في عام 2007 ، استهدف الايزيديين ، وقتل 23 منهم على حافلة كما حدثت عمليات ارهابية في عدد من القرى مما أدى إلى مقتل المئات من ابنائهم الابرياء.
25. وفقا لمعتقداتهم ، فأن الايزيدية يتعمدوا فقط في معبد لالش ؛ هذا المعبد هو مركز دينهم ومكان لشعائرهم الدينية. وهذا ما يفسر فيها شدة تعلقه بأرضهم. الفوضى الاجتماعية التي انتشرت في جميع أنحاء العراق يهدد بتقويض هذا التعلق ، وبالتالي قدرتهم على ممارسة شعائرهم الدينية. في قضاء الشيخان كان الايزيدية يشكلون الاغلبية ؛ وهي الآن تتجه نحو التحول إلى أقلية في قريتهم بسبب التدفق الضخم من النازحيين الذين يفرون من العنف الطائفي في أجزاء أخرى من البلاد. هذا التوازن الديموغرافي صعب بالنسبة للايزيدية .
6. المجتمع الايزيدي معرض للخطر بسبب حساسية التوازن الديموغرافي. دينهم لا يسمح التزاوج مع غيرهم ؛ أكثر من ذلك ، ثمة نظام الطبقات داخل مجتمعهم لا يشجع الزواج بين الطبقات المختلفة. هذه قواعد صارمة حول الزواج للايزيديين ، نظام الزواج هذا والتهجير القسري للبعض منهم الى خارج البلاد جعل من التأثير على عدم ازدياد عددهم .
27. بالفعل نتيجة لصغر حجم سكانهم ، و تمسكهم بأرضهم ، وعلى نحو صارم في صفوف متراصة ، فان العنف والتشدد الذي يمرون به قد يؤدي الى انقراضهم في السنوات القادمة. الايزيديين الذين يمتلكون موروث ثقافي كبير وهوية معترفة بها يجب حمايتهم من قبل الحكومة الاقليمية والحكومة الوطنية (المركزية). انهم يريدون حماية مكان عبادتهم لالش ومناطقهم . بسبب ارتباطهم الديني بارضهم لا يريديون المغادرة و السفر الى خارج العراق، وان الحل الافضل لهم في نضرهم هو الحكومة العلمانية التي من شأنها حماية حقوقهم على قدم المساواة مع حقوق المجموعات الأخرى.
المندائيين :
28. لدى المندائيين بعض الامور المحددة. لا يتركز في العيش عدد قليل من القرى فانهم منتشرون ، وحتى اندلاع اعمال العنف الطائفية في عام 2006 كانت منتشرة في العديد من المراكز الحضرية في العراق ، وخاصة في بغداد. بسبب توزيعهم هذا جعلهم معرضون لاعمال عنف طائفية بين مجموعات أكبر ، وأن عشرات منهم الالاف فروا من البلاد ، الى الشمال هربا العنف حيث يقدر عددهم هناك بنحو 70,000 ، في جميع أنحاء العالم وأكثرهم يعيشون في العراق لكن بقي منهم اقل من 5000 بعد حرب 2003.
29. ان معتقدات المندائيين اصبحت هدفاَ سهلاَ من قبل الجماعات المتطرفة التي تستهدفهم. ومع ذلك ، ليس فقط المتطرفين الذين يستهدفونهم حيث لديهم الشهرة بأن غالبيتهم اثرياء ليس مثل العراقيين العاديين حيث كانوا يملكون اسواق الخمور و حلات بيع المجوهرات و الذهب و يتعاملون مع التجارة المربحة. وهذا ما جعلهم هدفا لعمليات الخطف من قبل العصابات إلاجرامية والمطالبة بالفدية مقابل اطلاق سرحهم .
30. في كل المقابلات التي جرت مع العائلات المندائيية ، كانوا يؤكدون رغبتهم القوية في البقاء داخل العراق . لكنهم معرضون للخطر بشكل كبير جدا. ولا يوجد دستور من شأنه أن يحدث تغييراَ في ظروفهم او اوضاعهم ، أو أن احتياجاتها الأمنية يمكن تحقيقها على المدى القصير أو المتوسط. انهم يريدون المساعدة على الخروج من العراق والاستقرار في بلد آمن مثل استراليا أو الولايات المتحدة.
31. في مناقشات مع مجموعة من عوائل المندائيين اللاجئين في الاردن . تم الكشف عن ان نحو 650 أسرة مندائيية اجبرت على الفرار إلى الأردن ، و 2,100 الى سوريا فيما لجأت202 أسرة الى الولايات المتحدة واستراليا كما حصلت 172 على موافقة لنقلها الى دول اخرى وان هناك 30 اسرة ما زالت تنتظر اكمال معاملاتها من اجل السفر الى الخارج.
32. واحدة من المخاوف باعتبارها جماعة دينية مغلقة ، هي أنها قد تنتشر في جميع أنحاء العالم ، وان ديانتهم ستزول مع مرور الوقت. يعتبرون ان التطرف يشكل خطرا على وجودهم فيفكرون في الهجرة،. انهم يفضلون البقاء في العراق ، ولكن إذا تعذر ذلك ، وهم يحاولون الفرار إلى مكان آمن حيث يمكنهم ممارسة شعائرهم الدينية في الأمن والمحافظة على هويتها.
المسيحيون :
33. قبل عشرين عاما ، كان هناك نحو 1.4 مليون مسيحي في العراق ، وبعد حرب عام 2003 بقي اقل من 700,000 اي اقل من نصف العدد ، واجه المسيحيين أعمال العنف بشكل كبير حيث بلغت ذروتها مرتين : الأولى في عام 2006 عندما ازداد العنف في معظم أنحاء البلاد والثانية ، في عام 2008 ، عندما طردوا معظمهم من مدينة الموصل الى عين كاوة وأجزاء أخرى من العراق وكردستان.
ان المسيحيين ايضاَ بعثروا في جميع انحاء العراق والكثير منهم يقيمون الان في المناطق التي تسمى بالمناطق المتنازع عليها ، وهذا قد أضاف بعدا سياسيا داخليا لاضطهادهم. في عدة مقابلات لبحث كيفية تعرض المسيحيين لاعتداء وقتل حيث ان هناك انواع مختلفة من العنف تعرضوا اليه ومنها الخطف ودفع الضريبة حيث ان الكثير منهم اضطر لدفع الضرائب ، وفي بعض الحالات تعرضوا للتهديد حتى بعد دفع الضرائب ، ولهذا حاول معظمهم مغادرة البلاد او اللجوء الى كردستان العراق.
34. الهوية المسيحية ليست متجانسة كبعض هويات الأقليات العراقية الأخرى. الكثير من المسيحيين لا يعتبرون أنفسهم دين فحسب ، بل أيضا يوصفون انفسهم جزءا من الاعراق الاربعة و منها ( الكلدانية والآشورية والأرمنية ، أو السريانية ). الكلدان اتباع الحق الشرقي للكنيسة الكاثوليكية ؛ السريان الأرثوذكس الشرقيين يعتبرون أنفسهم ؛ جزء من الأرمن ، سواء الكاثوليكية أو الكنائس الأرثوذكسية الشرقية ، والآشوريين هم جزء من الكنيسة من الشرق أو Nestorian. لا تزال تعتبر نفسها غير ذلك من المسيحيين العرب والمسيحيين وأقليات دينية ولكنها ليست منفصلة عن انتمائهم العرقي. المجتمع المسيحي هو واحد من أكبر الأقليات في العراق ، وأنه من الصعب التوصل إلى توافق في الآراء لمشاكلهم.
35. بعد التعقيدات الداخلية على الهوية المسيحية في العراق ، هناك قوى خارجية قوية تدعم المسيحيين. هذه القوى اوالمجموعات قد ساعدت على زيادة الوعي لتهيئة الظروف للمسيحيين في العراق ، ومع ذلك ، فإنها زادت طبقة دولية على المشاكل الداخلية التي يواجهها العراقيون . على وجه الخصوص ، وهذا الدعم الخارجي شكل جدلا سياسيا ، مثل سهول نينوى في الاقتراح الداعي إلى إنشاء منطقة حكم ذاتي مستقل ، والذي زاد من التعقيدات على الساحة السياسية.
التركمان :
36. التركمان هم مجموعة عرقية متميزة ؛ نحو 60 % منهم من السنة ، وأقل من 40 % من الشيعة ، والباقي من المسيحيين. كالمسيحيين في الموصل ، حيث ان التركمان يعيشون داخل مناطق ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها ، وضعت تحت ضغط من قبل العديد من الجماعات في محاولة لتحقيق مكاسب سياسية على بعضهم البعض . نحو 85 في المائة من سكانهم يعيشون في مناطق حول الموصل وكركوك وأربيل وتلعفر ؛ والباقي في بغداد والقرى الصغيرة ، مثل طوزخورماتوا .
37. التركمان ، مثل غيرهم من الأقليات العرقية ، ليس لديهم ثقافتهم التي تعترف به من قبل الأنظمة السابقة .تعرضت الى "التعريب" و "التصويب" وحملات رفضت الاعتراف بالهوية التركمانية.
38. وفي الوقت الحالي ، فإن المجتمع التركماني يجد نفسه في قلب المسائل السياسية الخلافية ، وهو مصير مدينة كركوك الغنية بالنفط. بعض الاكراد والتركمان يطالبون بأن تصبح جزءا من اقليم كردستان. البعض الآخر يعارض ذلك بشدة خوفا من استيعابهم الهوية الكردية. وهي ، بالتالي ، يري البعض إنشاء منطقة ذاتية الحكم وتؤيدها حكومة مركزية قوية تحترم تراثها الثقافي . وان المجتمع التركماني كثيرا ما يستخدم من قبل مختلف الاحزاب الداخلية والخارجية من دون أي اعتبار لاهتمامات خاصة بهم.
الاقليات الاخرى :.
39.الأقليات التي نوقشت أعلاه ليست سوى بعض من كثير من الجماعات التي تشكل اطياف او موزائيك الشعب العراقي. البعض الآخر لم يذكر على وجه التحديد وتشمل (الشبك ، البهائيين ، الأكراد الفيليين ، و الكاكائيين) ، وغيرها. قدرتنا على الوصول إلى هذه المجموعات كانت محدودة ، وبعضهم لا يقيمون في ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها وأنها تعاني من نفس نقاط الضعف التي ناقشناها مع الاقليات الاخرى ولهم حصة متساوية في تقييم الهوية الوطنية في العراق الذي يقوم على أساس المساواة في المواطنة ، وليس الطائفية.
40. شأنها شأن غيرها من الجماعات تتعرض لهجمات بسبب هويتها العرقية أو الدينية وأجبر الكثير من ابنائها على مغادرة منازلهم جراء اعمال العنف. بالنسبة للشبك فإن معظمهم يعيشون في إطار ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها في الموصل وسهل نينوى ؛ مثل المسيحيين والتركمان أيضا الذين يقيمون هناك ، وقد وقعوا في مخاطر سياسية عنيفة بين ألاحزاب. حيث ان هناك شك في هويتهم فمنهم من يقول بانهم اكراد واخرون يدعون انهم من الشيعة وقد تحملوا الكثير من المعاناة من القاعدة خلال الفترة الواقعة بين عامي 2006 و 2008 في المناطق المحيطة بالموصل. الديانة البهائية لا تزال غير معترف بها من قبل معظم حكومات الشرق الاوسط وليس لديهم الحق في التعبير عن هويتهم . الكرد الفيليين ، لا زالوا يكافحون من أجل العودة إلى منازلهم التي صودرت.
41. كل هذه المشاكل من جذورها هو عدم وجود الهوية العراقية المشتركة. وهناك ثمة حاجة إلى نهج الحكم الذي يشدد على أساس المساواة في المواطنة واحترام حقوق الإنسان ، وليس الانتماء الطائفي . وفي نهاية المطاف فان المساواة في الهوية الوطنية هي الحل الوحيد طويل المدى الذي يمكن أن يعالج كل مشاكل الأقليات في العراق. ولسوء الحظ ، فإن هذا النهج لم يعتمد من جانب كبير من الاحزاب السياسية والدينية ، والحكم والتحديات التي ازدادت سوءا مع مرور الوقت.
الإدارة والتحديات
42. العلاقات بين مختلف مكونات الشعب العراقي السياسية ( الاحزاب السياسية ) والجماعات الدينية نمت على مستوى عال من عدم الثقة. مستقبل غير اكيد ، حيث ان جميع الفئات تطالب بتحقيق أكبر قدر ممكن من المطالب في محاولة لضمان أن يكون الحد الأدنى لتلبية الأهداف ، غير أن هذا النهج هو يسبب من المشاكل أكثر مما يحل لجميع الأطراف المعنية.
43. كل طرف يحاول استخدام هذه القضايا لإدانة أطراف أخرى. التنافس على المطالب السياسية تزيد الوضع سوءا بالنسبة للأقليات لأن كثيرين منهم يعيشون في ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها الأقليات في العراق هم ضحايا لا للطائفية والتطرف ، ولكن في المنافسة على جداول الأعمال السياسية ؛ تشردهم هو نتيجة كل ذلك.
44. جميع الأطراف السياسية لديها عواقب سلبية عميقة تجاه الاقليات من هذه المعاناة التي تواجهها الأقليات ؛ بدلا من السعي إلى معالجة الأسباب الجذرية للبؤس فالأحزاب السياسية الرئيسية تستخدم هذه المعاناة من أجل تحقيق مصالحها السياسية الخاصة.
45. تعاني الأقليات في خضم بين هويتها أو تلقي قدر محدود من الاعتراف المشروط بها ما بين الهوية الكوردية او العربية ، أو أنه يجب عليهم تغيير دينهم ويتوقف ذلك على المطالب للأغلبية السياسية في المجموعة أي وقت من الأوقات. تصاعد نفوذ الأحزاب السياسية الدينية ، لا يجعل من الاقليات في العراق ان تتفاءل بمستقبل العراق الذي لا يتيح لها الاعترف والاحترام الكامل لهويتها وتالعامل معها على قدم المساواة لغالبية المجتمعات.
46. هذا الوضع الذي يوجد في العراق في تناقض تام مع الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. هناك شرطان برزا على وجه الخصوص ، هما المادة 3 : لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه . والمادة 18 : لكل شخص الحق في حرية الفكر والدين.
47. وعلاوة على ذلك ، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول / سبتمبر 2007 ، ويحدد بوضوح العديد من النقاط لحماية ثقافات الشعوب الأصلية في المادة 8 :
1. للشعوب الأصلية وأفرادها الحق في عدم التعرض للاستيعاب القسري أو لتدمير ثقافتهم
2. على الدول أن تضع آليات فعالة لمنع ذلك والانتصاف من :
(أ) أي عمل يهدف أو يؤدي إلى حرمانها من سلامتها بوصفها شعوبا متميزة أو من قيمها الثقافية أو هوياتها الإثنية ؛
(ب) أي عمل يهدف أو يؤدي إلى نزع ملكية أراضيها وأقاليمها ومواردها ؛
(ج) أي شكل من أشكال نقل السكان القسري والذي يهدف أو يؤدي إلى انتهاك أو تقويض أي حق من حقوقهم ؛
(د) أي شكل من أشكال الاستيعاب أو الإندماج القسري ؛
(ه) أي شكل من أشكال الدعاية الرامية إلى تشجيع أو التحريض على التمييز العنصري أو العرقي الموجه ضدهم.
48. ومن الواضح أن أيا من هذه الاتفاقيات لم تحترم في العراق اليوم. الأقليات مهددة باستمرار ، وان انخفاض العنف قد يكون مؤقتا ، والحكومة المركزية حتى الآن عاجزة عن معالجة الأسباب الجذرية لهذا التمييز. وهذا يجعل احتمال كبير بأن العنف سوف يستأنف في المستقبل غير البعيد ، لا سيما وأن معالجة المسائل الخلافية مثل مصير الحدود الإقليمية في المستقبل وعودة بعض النازحيين. لم يتم التوصل الى حل دائم يمكن أن يوفر الأمن لها .
49. وفي هذا السياق ، فإن النقاش حول المادة 50 من الدستور العراقي شهدت القلق بشأن وضع الأقليات والمجتمع في النظام السياسي العراقي. المادة 50 تنص على الحد الأدنى لتمثيل الأقليات في مناصب منتخبة لمجالس المحافظات ، وتم تصديق القانون و اهمل فيها الاقليات بصورة كبيرة. في النهاية ، تدخل رئيس جمهورية العراق شخصيا لضمان إعادة القانون الى البرلمان. حقيقة أن هذا هو عمل اخر من أعمال العنف المستمرة ضد الأقليات الدينية والعرقية وانها رسالة واضحة الى الاقليات بأن غالبية الأحزاب لا يهتمون بهم و لا بوجودهم. هذه الازمة بعدت الاقليات من العملية السياسية ،ترك لهم قدر محدود جدا من التمثيل أو رمزية في حين أنها مهددة بالانقراض.
50. الجدل الدائر حول المادة 50 ينبغي أن تكون في أفضل الأحوال مؤقتا. أفضل وسيلة للحماية هي المساواة والمواطنة ، وان تكون غير طائفية. التشريعات التي تنص على الحصص لكل أقلية إلا بمثابة تدبير مؤقت حتى يتم تحقيق المساواة. وهذا يعني أن كل عراقي ، بغض النظر عن دينه أو العرق ، وينبغي أن يكونوا احرار في السعي لتحديد اي موقف من داخل العملية السياسية ، وألا يقتصر على مقاعد مخصصة لفئات محددة.
استنتاجات
51. جميع العراقيين عالقون في تعدد الروايات المتناقضة عن العنف والضحية. الاحتلال الامريكي وأخطائه ، ادى إلى تدمير و هشاشة النسيج الاجتماعي العراقي والطبقة السياسية الجديدة في العراق ليست بعد في هدوء. وهذا الجو هو معقد باتجاهين :
1. الاستمرارية وعدم استقرار داخل الساحة السياسية والاجتماعية قد وصل إلى نقطة يستحيل حتى تحديد الأطراف الفاعلة فيها ، و
2. التركيز الضيق للاحزاب الرئيسية على ترسيخ قواعد السلطة وليس الالتزام الحقيقي في عملية المصالحة الوطنية ، الضمان الوحيد لمستقبل العراق.
52. اذا لم يفعل شيئا ، فان خطر التطرف من جانب واحد يمكن أن يؤدي إلى إبادة بعض هذه الأقليات ، فضلا عن تدمير آلاف السنين من عمرها على التراث الثقافي للحضارة بلاد ما بين النهرين. على الجانب الآخر ، وبروز الأحزاب الدينية السياسية الرئيسية الفاعلة في العراق الجديد قد ترك الأقليات في حالة انعدام الأمن ، ويلقي ظلالا من الشك على قدرة الحكومة الحالية أو أي استعداد للتصدي لهذه التحديات الجديدة وحدها.
53. الحل لا يمكن أن يكون جزئيا فقط. لا يمكن أن تسعى إلى معالجة مسألة الأقليات دون وضعه في الإطار الأوسع الذي هو أزمة الوطنية العراقية ، وعبر التاريخ هشاشة وضع الأقليات في العراق ، والعواقب الوخيمة من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وما نجم عنه من تدمير للنسيج الاجتماعي العراقي. الطريق إلى الأمام ويجب أيضا أن يأخذ في الاعتبار المخاطر الكامنة في الوضع الراهن ، فضلا عن تضارب جداول أعمال كل من العناصر الداخلية والخارجية.
54. الانتقال الى الادارة الاميركية الجديدة على أساس وعد التغيير قد توفر إمكانية التفكير الواقعي السابق للسياسة الامريكية تجاه العراق. هذا التغيير في الادارة الاميركية قد يشكل فرصة ملموسة لتنفيذ التصحيحات التي تشتد الحاجة إليها أكثر فعالية ويمكن معالجة الأزمة العراقية برمتها ، بما فيها جهدا حقيقيا من أجل تحقيق المصالحة الوطنية. وبالتالي ، فإن قضايا الأقليات ويمكن أن تدار على نحو أفضل.
55. لهذه الأسباب جميعا ، فان إنشاء هيئة دولية مستقلة ولجنة المتابعة سيكون من المفيد والخطوة الأولى في التصدي لهذه التعقيدات ، والمضي قدما في وضع مقترحات بناءة. لجنة مؤلفة من العراقيين فقط ستكون محدودة بسبب تضارب في جداول الأعمال وعدم الثقة التي تتخلل هذا الجو. لهذا يجب أن تكون لجنة المراقبة الدولية مكونة من كبار الشخصيات المعروفة جدا بكفائتهم المهنية والمصداقية بهدف تسهيل الوصول إلى كبار صانعي القرار ، محليا وإقليميا ، ودوليا.
56. التعقيدات المرتبطة بالازمة العراقية لا تزال تسير نحو الاسوء وان معدل مستوى آليات المصالحة اثبتت عجزها في معالجة هذه الأزمة على نحو يمكن أن يؤدي إلى حل دائم من شأنه أن يصحح الوضع الراهن ، او تكون مقبولة لجميع الأطراف الفاعلة. وان القول في ان الأقليات العراقية ستنقرض لا يشكل مأساة لهذه الاقليات فقط ، أو فقدانهم للعراق ، بل للبشرية جمعاء.
الدراسة تعبر عن رأي كاتبها
ح
الاقليات في العراق الضحية الاخرى / مختار لماني
