في يوم 16/11/2006، أصدرت الحكومة القابعة في المنطقة الخضراء ـ منذ تأسيسها والى الساعة ـ مذكرة اعتقال بحق الشيخ الدكتور حارث الضاري أمين عام هيئة علماء المسلمين في العراق، متهمة إياه بدعم الإرهاب وإثارة النعرات الطائفية.
مذكرة الاعتقال التي أصدرتها الحكومة على كل عراقي لم يرتكب جرما حقيقياً هي وسام شرف وعز، والمقاومة لم تكن في يوم من الأيام عاراً، بل هي على مر العصور شرف ورفعة لمن ينتسب إليها بالسلاح والموقف والكلمة والرأي.
وهنا نريد أن نحكم المنطق والضمير، وقبل ذلك القانون، من الذي يستحق مذكرة الاعتقال الشيخ الضاري، أم السيد نوري المالكي رئيس الحكومة الحالية في العراق؟
وبالعودة إلى تاريخ السيد المالكي، نجد أن مرحلة الانطلاق فيما يسمى العمل المناهض للنظام السابق، تظهر بما لا يقبل الشك أن السيد المالكي كان من المسؤولين عن الاغتيالات في حزب الدعوة، وهذا يعني أن الرجل متورط بدماء العراقيين قبل الاحتلال.
ثم هو من قادة ما سمي بـ"المعارضة العراقية للنظام السابق"، وكان من بين الحضور في مؤتمري لندن وصلاح الدين، وعمل بكل قوة من أجل أن ينهار العراق مقابل إستلام حزبه للحكم في العراق، ولو على حساب كرامة أهلنا وشعبنا الطيب الصابر.
وبعد الاحتلال كان المالكي من رؤوس الطائفية والفتنة المقيتة، وبعد أن إستلم منصبه الحالي ظهر على حقيقته، وخصوصا في المراحل الأولى من تسنمه لهذا المنصب، وذلك قبل أن يلبس ـ مؤخرا ـ ثوب العراق الوطني والقانون ودولته المتهالكة في ظل حكومته المحتضرة.
وفي عهد حكومة المالكي نجد ازدهار الظلم والاضطهاد في صور مختلفة وسأكتفي بذكر بعضها:ـ
وفي زمن المالكي إزدهرت فرق الموت بشكل لافت للنظر، على الرغم من محاولاته بعد إكتشاف أمرها ضرب بعضها في البصرة وغيرها من المدن التي تتواجد فيها، لكن بعد أن أدت ما هو مطلوب منها، وحققت جملة من الأهداف التي إرادتها حكومته.
وأنا لن أتكلم هنا عن مقتل أكثر من مليون ونصف عراقي بسبب الاحتلال الذي باركه المالكي ومن معه، بل أتكلم عما جرى بعد الاحتلال، وخصوصاً من قبل فرق الموت، حيث نشرت وزارة حقوق الإنسان "العراقية" التابعة للمالكي، إحصائية أعدتها بالتعاون مع وزارات الدفاع والداخلية والصحة، جاء فيها أن 224 أستاذاً جامعياً قُتلوا خلال الفترة من بداية العام 2004 وحتى نهاية العام 2007، واختطف 69 منهم، كما لقي 269 صحافياً مصرعهم، بينهم 197 قتلوا في بغداد وحدها، وقتل 281 طبيباً بينهم أساتذة في كليات الطب، كذلك بيّنت الإحصائية أن 95 محامياً و21 قاضياً و446 طالباً جامعياً قتلوا خلال تلك الفترة. وأشارت الوزارة إلى أنها "طالبت وزارة الداخلية بتشكيل غرفة عمليات لمتابعة استهداف الكفاءات العلمية، وإجراء التحقيقات المعمقة بذلك، والقبض على المجرمين وإحالتهم إلى القضاء لكي ينالوا جزاءهم العادل".
وفي زمن حكومة المالكي ازدهرت الاعتقالات، حيث اعتقل أكثر من 500 ألف عراقي، وهو حتى الساعة في أوضاع إنسانية سيئة ووقف المالكي ومن معه ضد قانون العفو الذي اقره البرلمان الحالي بحجة أن هؤلاء من الإرهابيين وليس من المصلحة العامة إطلاق سراحهم وهكذا كان المالكي ـ وما يزال ينفث سمومه باسم القانون.
وعلى العموم فان الاعتقالات كانت ومازالت بحجة الإرهاب والقضاء على الإرهابيين والحق أن إرهاب حكومة المالكي للمواطنين يتكرر كل ساعة، وبصور مختلفة، ومنها الاعتقالات، وهذا ما يحدث في كل ساعة تقريبا حيث أن معدل أعداد الذين تعتقلهم أجهزة المالكي الأمنية يتراوح مابين 50 إلى 100 يوميا، وهي على الرغم من ذلك تدعي أن هذه الأوامر تمت بمذكرات اعتقال قانونية وكمثال على زيف هذا الادعاء 2/ 10 /2009، اعتقلت قوة، من قوات التدخل السريع كانت قادمة من بغداد، يوم 2/10/2009، أكثر من (15) مصليا من جامع الفردوس، في حي القادسية بمدينة تكريت، وذلك بعد انتهاء صلاة الجمعة، معظمهم من ضباط الجيش السابق، وهذا ما أكدته مديرية شرطة تكريت.
والغريب أن هذه القوات الحكومية "المليشيات"، تنفذ أوامر الاعتقالات وغيرها، دون الرجوع إلى مديرية الشرطة في المحافظة المستهدفة، ولا إلى مجلس المحافظة "المنتخب"، ولا حتى المحافظ، وهذا ما أكده محافظ تكريت في اتصال مع إحدى الفضائيات العراقية بعد الحملة.
وذات المهزلة تكررت في محافظة الموصل، حيث قامت قوة من الجيش الحكومي -وفي نفس اليوم- بحملة دهم وتفتيش في مناطق متفرقة من المدينة، واعتقلت خلالها (205) مدنيا، أغلبهم من الجيش العراقي السابق.
وفي عهدالمالكي أيضا تم تهجير أكثر من خمسة ملايين، ناهيك عن الاستيلاء على المنازل التي اضطر أهلها إلى مغادرتها هربا من جحيم العنف الطائفي ، وبإختصار فان المليشيات الطائفية المختلفة نزعت الثياب الميليشياوية التي كانت ترتكب بها جرائمها بصورة علنية وبلا خجل، ولبست الثياب الرسمية في " العراق الجديد "، وأصبحت تمارس جرائمها اليوم باسم القانون ومكافحة الإرهاب وتطهير المدن والحملات الأمنية وغيرها من الأساليب التي لحقت الأذى بأهلنا في العراق.
قالت الباحثة الأمريكية إليزابيث فيريس، وهي مديرة مشاركة في مشروع بروكينغز- برن حول النزوح والتهجير في يوم 11/4/2009: تفاقمت أزمة النزوح الداخلي في العراق حتى بات إيجاد حل لها مسألة حيوية؛ فمقابل 2.8 مليون لاجئ خارج العراق، هناك حوالي 2 مليون عراقي نازح ومهجر داخل العراق. ما يعني أن من 15 ـ 20 في المائة من العراقيين يعيشون خارج أماكن سكناهم الأصلية.
أما الفساد المالي والإداري، فانه وحسب معيار درجة الفساد (CPI) لسنة 2008،فان العراق يقع في مقدمة قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم ، و وفق الإحصاءات الأخيرة التي أجرتها منظمة الشفافية الدولية المعنية بمراقبة الفساد في العالم /برلين لسنة 2008،" من بين 180 دولة على مستوى العالم ،فان العراق يحتل المركز الثالث بين الدول الأكثر فسادا في العالم، بعد الصومال وميانمار".
وبتاريخ 19/10/2009 ، أكدت ما تسمى "هيئة النزاهة" في مجلس النواب الحالي اعتقال 814 متهماً من موظفي الدولة الحالية في قضايا فساد إداري ومالي.
وبتاريخ 16 /10 /2009 أكد البرلماني في مجلس النواب الحالي "بهاء الاعرجي" بان هناك أدلة قاطعة تثبت وجود فساد في مؤسسات الحكومة الحالية مما تجعلها الأكثر فسادا.
وأضاف أن" هناك بعض الخلافات السياسية والضغوطات قد منعت استجواب العديد من المسؤولين في الحكومة وان الأسباب التي دعته إلى التصريح عن أن حكومة "المالكي" هي الأكثر فسادا في تاريخ العراق لم يأت اعتباطا وإنما هناك مستندات تثبت ذلك ".
وأوضح أن" "هيئة النزاهة" ومن خلال مراجعة ملفاتها وجد أن هناك 625 قضية تحقيقية تخص وزراء ووكلاء ومدراء عامين وموظفين حكوميين وهذا العدد كبير جدا ".
رئيس ما يعرف بهيئة النزاهة رحيم العكيلي ذكر يوم 13/10/2009، بأن الهيئة تقوم بالتحقيق الأولي في قضية ضبط عشرة آلاف شهادة مزورة لمسئولين كبار في حكومة المالكي.
وفي يوم 17 /10 /2009 أحالت ما يعرف بهيئة "النزاهة العامة " 1500 متهم بالفساد في حكومة المالكي إلى المحاكم .
وذكر بيان لهيئة "النزاهة العراقية":إنه تم اعتقال 814 متهما لحد الآن وهم يخضعون للتحقيق وإن هذا العدد من مجموع 1455 مذكرة اعتقال بحق العديد من التهم وهي نتائج البحوث والملفات الكاملة لمكاتبها.
الحكومة الحالية أذاقت العراقيين الذل ومرّ الهوان تحت مسميات براقة لا أساس لها على أرض الواقع ومنها " العراق الجديد ، وحكومة الوحدة الوطنية ، ومكافحة الإرهاب وغيرها " .
ومن صور التبعية للاحتلال تسمية الاحتلال " تحريراً "، والمقاومة " إرهاباً "، وغيرها من التناقضات التي قادت العراق إلى الحالة التي هو عليها الآن، وفي هذا الإطار جاءت زيارة المالكي الأخيرة إلى أمريكا التي قام بها في الخامس والعشرين من تموز 2009، والتي كانت تهدف إلى كسب الود الأمريكي لحكومته، حيث إن الرجل يطمع ويطمح أن يستمر في هذا المنصب لتحقيق جملة من الأهداف الفئوية والطائفية التي لا يسع المكان لذكرها.
وضمن هذه الزيارة ولتحقيق الرضا الأمريكي التام عنه ، وضع " دولة رئيس الوزراء " ، أثناء زيارته مقبرة ارلينغون بالقرب من واشنطن ، إكليلاً من الزهور على صرح الجندي المجهول في المقبرة التي تضم رفاة نحو 330 ألف أمريكي بينهم 461 جنديا قتلوا في العراق على أيدي المقاومة العراقية الباسلة .
نهب وتخريب الآثار:ـ
منذ الساعات الأولى للاحتلال فتحت قوات الاحتلال الطريق لجنودها وللعصابات الإجرامية التي جاءت معها للسرقة والنهب، والتي كان من ضمن واجباتها حرق الدوائر الرسمية للدولة العراقية، وإتلاف الوثائق الرسمية، وبالأخص ما يتعلق منها بالجنسية العراقية.
المتحف العراقي الذي تأسس عام 1923، كان من الأماكن التي استهدفت منذ الساعات الأولى للاحتلال، حيث وقعت عمليات سرقة منظمة، تمت من قبل جماعات هُيئت سلفا لهذه المهمة، وهُربت آلاف القطع الأثرية إلى بلدان العالم المختلفة، هذا بالإضافة إلى تخريب مكتبة المتحف العراقي، والتي تأسست عام 1933.
وبعد عام 2003، وبعد سيطرة قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية والقوات المتحالفة معها على تسيير الأمور في العراق، تعرضت المتاحف الموجودة في معظم أنحاء العراق إلى النهب والسرقة.
وكان من آثار هذه الجريمة أن أصبحت أكثر من 170 ألف قطعة أثرية في حكم المفقودة، بينها 15 ألف قطعة مسجلة ضمن مقتنيات المتحف العراقي.
و (في هذا الإطار يمكن تسجيل ما ورد في صحيفة الجزيرة السعودية تاريخ 18 أكتوبر 2009 كدليل حيث قالت أن أحمد نوري المالكي وحسين صهر المالكي متورطين في تهريب الآثار وأن الأخير أعتقل في دبي لنقله آثاراً مهربة عبر مطار دبي إلى الخارج).
الوفاء لإيران:ـ
إيران أصبحت اللاعب الثاني في العراق بعد الاحتلال وساهم قادتها في دخوله إلى العراق، وفي كل مرة تعلن الحكومة ومن باب ذر الرماد في العيون إلقاء القبض على بعض الإيرانيين ثم بعد ذلك لا ندري كيف يتم الإفراج عنهم، ومن ذلك ما جرى بتاريخ 30/3/2009 حيث تسللت مجموعة من الإيرانيين عبر منفذ المنذرية الحدودي للقيام بأعمال مسلحة ضد أبناء الشعب العراقي، واغلب الإيرانيين الذين يتم القبض عليهم يخرجون من السجون بسرعة دون معرفة أسباب ذلك بالرغم من الإمساك بهم وهم متلبسون ، إما بتهريب مواد مخدرة ، أو أغذية فاسدة ، أو يعملون مع فيلق القدس الإيراني المسؤول عن العديد من التفجيرات التي تحدث بالعراق.
وإيران مسؤولة بصورة كبيرة عن أعمال العنف التي يشهدها العراق كما أنها ساعدت قوات الاحتلال الأمريكية في غزوها واحتلالها لهذا البلد .
وأكد الجلبي بتاريخ 21/3/2009 في مقابلة له مع صحيفة الحياة اللندنية أن" نظام صدام حسين سقط بقرار أميركي وموافقة ضمنية إيرانية .. موضحا أن الإيرانيين كانوا على علم بالحرب قبل بدايتها ".
المطالبة باستجواب المالكي:ـ
بتاريخ 31/10/2009، طالبت البرلمانية عن القائمة العراقية "ميسون الدملوجي" رئيس الحكومة الحالي "نوري المالكي" بتوضيح ما يحدث في العراق من خرق واضح للأمن وتقصير ظاهر للقوات الحكومية في عملها لاسيما وان مليارات الدولارات صرفت على تلك الأجهزة بدون فائدة.
وأوضحت إننا "يجب علينا أن نستجوب "الوزراء الآمنين" وعلى رأسهم القائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء بسبب غياب التنسيق مابين "الأجهزة الأمنية" وخاصة وزاراتي الداخلية والدفاع ، كما اتضح من خلال التقارير ، بالإضافة إلى الأجهزة الغير دستورية "كقيادة عمليات بغداد وجهاز مكافحة الإرهاب" .
وهنا نريد أن نؤكد على جملة الحقائق: منها أنه إذا كان المالكي حريصا على جمع أطياف الشعب العراقي، فعليه أن يفرغ ويبيض السجون المليئة بعشرات الآلاف من الأبرياء من الذين لا ذنب لهم، إلا أنهم رفضوا الوقوف مع الاحتلال، أو أنهم كانوا ضحية لوشاية من حاقد هنا وهناك.
والحقيقة الثانية: هي التهجير الذي طال أكثر من 5 ملايين عراقي، هجروا في مشارق الأرض ومغاربها بسبب الإجرام التي مارسته ـ وتمارسه ـ الأجهزة الأمنية الحكومية التي يقودها المالكي شخصيا، فمن يرد لهؤلاء فرحتهم بالعودة لبلادهم ووظائفهم أم أن هؤلاء لا يحتاجهم المالكي ولا الساحة العراقية؟!.
أما الحقيقة الثالثة فهي الاعتقالات العشوائية المستمرة يوميا في عموم البلاد بحجج "مكافحة الإرهاب"، التي طالت مئات الآلاف من الأبرياء الذين يقبعون ـ حالياً ـ في سجون وزارتي الدفاع والداخلية.
وأخيراً، نحن لا ندري عن أية قيم يتحدث رئيس الحكومة الحالية، بعدما صار الخونة والعملاء هم ساسة البلاد وقادتها، وصار الرافضون للاحتلال هم الإرهابيون والقتلة، فقد قال في خطابه "لا ننظر إلى معركة بدر على أنها معركة عسكرية فقط، إنما هي عملية تثبيت معايير وقيم، ومعركتنا اليوم أيضاً معركة دفاع عن المعايير والقيم في أمة أراد لها الله عز وجل أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر".
هذه بعض الحقائق عن المالكي وإلا فان محاولة جمع جرائم حكومة المالكي تحتاج إلى الآلاف المقالات.
بعد كل هذه الحقائق من الذي يستحق الاعتقال والمحاكمة، هل هو صاحب الموقف الوطني الأصيل أم صاحب هذه المواقف الذليلة؟
Jasemj1967_(at)_yahoo.com
من الذي يستحق الاعتقال الضاري أم المالكي ... جاسم الشمري
