القى فضيلة الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور حارث الضاري كلمة في المؤتمر الخامس للأحزاب العربية الذي عقد في العاصمة السورية دمشق للفترة من 11-12 تشرين الثاني الجاري ، في ما يأتي نصها :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى وآله وأصحابه ومن اهتدى بهداه،
أيها الحضور الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
في البداية أتقدم بشكري الجزيل لأمانة المؤتمر ورئاسته والقائمين عليه بدعوتي لحضور هذا المؤتمر الذي أتمنى له التوفيق والنجاح في كل أعماله..
كما أتقدم بشكري الجزيل لسوريا، حكومة، وشعباً، وقيادة، على استضافتها هذا المؤتمر، وغيره من المؤتمرات الشعبية، التي تهتم بقضايا الأمة..
أيها الأخوة الكرام..
كان بودي أن أتحدث عن أوضاع العراق، لأن أوضاع العراق أوضاع شاذة، لا مثيل لها اليوم في كثير من الدول العربية والإسلامية، سياسياً وأمنياً واجتماعياً، ولابد لي من أن أشير الى بعض النواحي، إذا سمحتم لي أن أتحدث عن هذه الأمور، وبإيجاز..
العراق ومنذ الاحتلال يتنقل من سيء الى أسوأ، ويتردى في الهاوية المظلمة، أمر العراقيين ليس بيدهم، وإنما هو بيد الاحتلال، ومن جاء بهم الاحتلال، والمستفيدين من الاحتلال ووضع العراق الحالي في ظل هذا الاحتلال.
ذهب الى الآن وبتقارير دولية نحو مليوني شهيد من العراقيين، ويُعتقل اليوم في سجون العراق، في سجون حكومة الاحتلال الرابعة، أكثر من ستمائة ألف سجين، ويزدادون يومياً بالعشرات، وهذه الاعتقالات معلنة، ورسمية، ويتوزعون على أكثر من مائة وعشرين سجناً من جنوب العراق الى شماله، والسجون السرية أكثر من السجون العلنية، وفيها مساجين سجنوا منذ أربع سنوات وخمس سنوات ولم يعلن أو يعرف عنهم شيء، وأكثر من مليون أرملة، وأكثر من خمسة ملايين طفل يتيم..
أربعين بالمائة من الشعب العراقي عاطلون عن العمل.. خمسون بالمائة يعانون الفقر والحرمان، وهم دون خط الفقر.. الاغتيالات يومية، خطف الأطفال والبنات من المدارس، ومن الطرقات، وقتلهم، وأحياناً اغتصابهم، أو مفاداتهم، كل هذا يجري والأمة العربية، بأنظمتها، ومنظماتها الشعبية، وأحزابها، لم نسمع منها إلا القليل.. لن نجامل على العراق.
من الجهات التي دمرت العراق، وأسهمت في بقاء الاحتلال، وهي متمسكة في بقائه، هي الأحزاب للأسف الشديد، الإسلامية والعلمانية على حد سواء، تتسابق على خدمة الاحتلال وتقديم ما يرضيه، أو ما يجعل هذا الحزب أو ذاك قريباً منه، وحظيّا برعايته والاعتماد عليه.. إذن الأحزاب ليست كلها وطنية، وكثير من الأحزاب همها الحزبي، والسيطرة الحزبية غالب على همها الديني العقائدي، وغالب على همها الوطني، بل وعلى همها - إن كان لديها هم - الأخلاقي والإنساني، أصبحت الأحزاب ملحقة بجيوش الاحتلال، وعيوناً له على المعارضين للاحتلال من سياسيين ومقاومين، ولا أريد ان أطيل..
أقول المقاومة واجب على الأمة أن تقاوم، الأمة مستهدفة، والأمة يراد لها الفناء، الأمة يراد لها أن تزول من على الخارطة السياسية والفعلية، وربما حتى الوجودية، لذلك فالأمة مرغمة على أن تقاوم..
يقول أحد الغربيين لماذا يقاومنا العرب والمسلمون، فنقول له، نقاومكم لأنكم اعتديتم علينا، ولأنكم تحتلون الكثير من أراضينا وبلداننا، ولأنكم تريدون أن تستولوا على هذه الأمة أرضاً وحضارة ومقدرات، تريدون أن تسير الأمة أو من يبقى من الأمة في فلككم ووفق سياساتكم وثقافاتكم، لذلك الأمة تقاوم، فمتى ما عدتم إلى عقولكم، وتركتم هذه الأمة، واعتذرتم لها على ما فعلتم ، وعوضتموها عما أخذتموه منها، وما سرقتموه من أموالها وثروتها، وما سفكتموه من دماء أبنائها، عند ذلك المقاومة تنتهي، لأن العرب والمسلمين ليسوا عدوانيين، العرب والمسلمون ينتمون إلى دين يدعو إلى السلام، دين رحمة، دين إنساني، جاء رحمة للإنسانية (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) لذلك فالمقاومة ينبغي أن تبقى في كل مكان من العالم العربي والإسلامي المحتل أو المهدد بالاحتلال أو المهدد بالعدوان عليه، ينبغي أن تبقى المقاومة مستمرة في فلسطين ولبنان وأفغانستان وفي كل مكان، وفي العراق أيضاً، وأخرت العراق لأنه يبدو لي أنه مؤخر في كل حضور، لذلك تواضعاً فإني أشارك الآخرين في تأخير العراق، هذا العراق السباق إلى قضايا الأمة، هذا العراق الذي يشارك في معضلات الأمة الكبيرة، هذا العراق الذي قدم للأمة، هذا العراق الذي انتشرت مقابر شهدائه في الكثير من الدول العربية لنجدتها يؤخر وينسى، لذلك أقول، العراق لا يهمه هذا، ماضٍ في طريقه، ولا يزعل على الأمة، وإنما يعتب عتب الأخ على أخيه، العراق سيبقى في طليعة الأمة، وسيبقى أخاً، وابناً للأمة، وستبقى فلسطين ديناً في أعناق العراقيين، بعون الله تعالى، العراقيون لم ينسوا فلسطين، ولن ينسوها على الرغم مما هم فيه، وهذا ليس تزلفاً، ولا أريد به أن أستعطف الآخرين، إنما قضية فلسطين تجري في دماء العراقيين كلهم، بكل أطيافهم، عربهم وكردهم، بمسلميهم ومسيحييهم، شيعتهم وسنتهم، المقابر المنتشرة زرت بعضها في بعض الدول العربية، فوجدت الكردي إلى جانب العربي، والمسيحي إلى جانب المسلم وهكذا هم العراقيون دائماً، ولذلك أقول العراقيون يعتبون ولا يزعلون، والعراقيون كافون بعون الله تعالى لأن يقاوموا أعداءهم، العراقيون رفعوا رأس الأمة أيها الأخوة، العراقيون قاوموا الاحتلال الأميركي، وحققوا نتائج، ومن هذه النتائج، المقاومة العراقية أنجزت عدة أمور:
الأمر الأول / وقوفها في وجه أكبر قوة عسكرية وتكنولوجية في العالم وأرغمتها على تغير خططها عدة مرات وهذا ما أقرت به بعض القيادات العسكرية الأميركية.
ثانياً / إفشال المشروع الأمريكي للهيمنة على الشرق الأوسط، تحت شعار الشرق الأوسط الجديد، الذي يبنى على تقسيم العراق، ومن ثم تقسيم الدول الكبيرة في المنطقة بعد العراق، بناء على إيحاءات صهيونية وغربية متأثرة بهذا، فالمقاومة العراقية أفشلت هذا المشروع، ولا أقول هذا أنا، ولا أدعيه، وإنما هناك محللون سياسيون، وعسكريون، بل واقتصاديون، حينما وقعت أميركا في أزمتها الاقتصادية الحالية، كلهم أشاروا إلى الحرب مع العراق، وإلى ورطتها في هذه الحرب في العراق، وخسارتها المادية والعسكرية.
ثالثاً / دفعها لشرور الاحتلال الأميركي عن كثير من دول المنطقة التي كانت تهددها في بدايات احتلالها العراق، وبهذا قال أحد العسكريين الأميركيين، الموصوف بأنه قائد الفرقة واحد وثمانين المحمولة، والتي احتلت الموصل، سأله أحد الصحفيين: وإلى أين بعد الموصل؟!
فقال له، سنسير إلى دمشق، وبعدها إلى غيرها، لولا مسمار جحا، فقال له الصحفي: وما مسمار جحا ؟ فقال له الفلوجة!
رابعاً / أثبتت المقاومة العراقية أن العراقيين لم يستقبلوا الجيش الأميركي بالزهور والأوراد كما كان يتمنى الاحتلال الأميركي، أو كما كان يُخيل إليه، وإنما قابله العراقيون بالنار، والرفض، والعناد، إلى أن وقع فيه ما وقع من عساكر ومعدات وما إلى ذلك، وأريد ان أذكر رقماً واحداً، هم يقولون خسرنا أربعة ألاف وثلاثمائة وكسر شخص في العراق، ومراكزهم ومنها جمعية المحاربين الأميركيين تقول أكثر من ثلاث وثلاثين ألف قتيل المسجلين لدى الجيش الأميركي، ونحو مائة وعشرين ألف جريح، وقيل مائتين وفي تقرير سابق قالوا ثلاث وسبعين ألفاً، ولكن من حرب الخليج الأولى إلى الثانية، على كل حال، نعتمد الرقم الثاني..
ذهب لهم أكثر من خمسة آلاف وخمسمائة آلية عسكرية مختلفة، وأكثر من مائة وستين طائرة مختلفة الأحجام والأنواع، وآخرها التي سقطت قبل يومين، والحبل على الجرار إن شاء الله.. ومع هذا، ومع تآمر الاحتلال وعملائه في الداخل والخارج على المقاومة، وإخراجهم ألعوبة الصحوات العميلة، التي آذت المقاومة، وكانت عيوناً للاحتلال عليها، فتسببت في أذاها وتراجعها، ولكنها لم تتوقف، والآن وبعد أن انتهت هذه الألعوبة، هذه الزوبعة، انتهت هذه الفقاعة، فقاعة الصحوات، استعادت المقاومة قوتها، وهي الآن تواصل عملها، وتوقع في الاحتلال خسائر مؤلمة، وهي مصممة إلى أن تسير مع الاحتلال إلى أن يرحل الاحتلال من العراق، حتى أن يرحل آخر جندي للاحتلال سواء جدول أو لم يجدول .. وعلى أي حال نقول:
النقطة الخامسة / التي تعمل على تحقيقها الآن المقاومة هي وصولها إلى الهدف النهائي، إلى تحرير العراق، وهي الآن قاب قوسين أو أدنى إن شاء الله من بلوغ هدفها.. هذا كله والمقاومة العراقية محاصرة، بل ومتابعة من مخابرات كثير من الدول المجاورة، وهي محاصرة مادياً، ومتهمة بشتى التهم، ومنها الإرهاب، ونقول الحمد لله، هذه التهم كلها تلاشت، بعد أن علم شعبنا، وبعد أن زالت الغمامة من وجهه، وبعد أن زالت البراقع عن العملاء، الذين كانوا يمنّون شعبنا بحياة سعيدة، وبإنصافهم، وبإخراجهم من المظلوميات التي كانوا فيها، وما إلى ذلك، هذه المقاومة، والحمد لله، عادت إلى ما كانت عليه، على الرغم من هذا التشويه، علماً أن الإرهاب المزعوم معلومة مصادره، الاحتلال ومخابراته، الشركات الأمنية التي تزيد على مائة وعشرين ألف عنصر في العراق، وعلى رأسها شركة بلاك ووتر، هذه الحاقدة على العرب والمسلمين، والتي يقول رئيسها المسيحي المتعصب، مهمتنا قتل المسلمين في العراق، وهم يفعلون هذا فعلاً، إضافة للأسف إلى بعض مخابرات الدول المجاورة، وإلى الأحزاب ومليشياتها، وإلى الفرق الإجرامية، التي تقف وراء الكثير من التفجيرات، ولا سيما التفجيرات التي حدثت خلال الشهرين الماضيين، في الشهر الثامن، وفي يوم الأحد، الخامس والعشرين من الشهر العاشر، هذه وراءها قوى معروفة، والاحتلال يعرف، ودول كثيرة تعرف الجهات التي نفذت، والجهات التي تقف، والحكومة تعلم بهذا، لكنها ممنوعة من البوح بهذه الجهات، لذلك هي تتخبط وتتهم قوى بعيدة عن المسرح، وقوى لا دخل لها، أو جهات لا دخل لها بهذا الموضوع.
على أية حال، ستبقى المقاومة رغم هذا الحصار، ورغم هذا التشويش، ستبقى وفية لشعبها، وهي مقاومة العراقيين كلهم، أهدافها تحرير العراق، والمحافظة على وحدة العراق، ثم استقرار العراق وأمنه، ثم المحافظة على هويته، والمحافظة على مقدراته، وحدوده، وأن يكون العراق لكل أبنائه، بكل مكوناته وطوائفه، من خلال الاقتراع والتراضي فيما بينهم.
وفي النهاية أقول النصر قادم، والتحرير قادم في العراق، فالله تعالى وعد عباده الصابرين الثابتين بالنصر، قال تعالى (ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز)، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نص كلمة الامين العام للهيئة في المؤتمر الخامس للاحزاب العربية في دمشق
