هيئة علماء المسلمين في العراق

التغيـير سـمة العراق \"الجـديد\" - الجزء الثاني...عبـد الله العنـزي
التغيـير سـمة العراق \"الجـديد\" - الجزء الثاني...عبـد الله العنـزي التغيـير سـمة العراق \

التغيـير سـمة العراق \"الجـديد\" - الجزء الثاني...عبـد الله العنـزي

مركز الأمة للدراسات والتطوير– قسم الدراسات ذكرنا في الشطر الأول من مقالنا هذا ما جرى ويجري بفعل الاحتلال وأدواته من إزاحة وتغيير ممنهج للعناصر الإدارية والفنية المهمة في جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، واستبدالهم بمن هم أقل كفاءة وخبرة، بل ربما غير مؤهلين أصلاً لشغل تلك المناصب، وذلك لصبغ تلك الوزارات والمؤسسات بصبغة مذهبية حزبية، أشرنا إلى بواعثها وما وراءها من أهداف قريبة وبعيدة، تصب بمجملها في تكريس النهج الطائفي البغيض، والقاضي بإحداث الفرقة، وإيقاد الكراهية بين أبناء البلد الواحد، لتمزيق النسيج المجتمعي بغية تقسيم العراق، وإضعافه، وإنهاء دوره التاريخي في نصرة الأمة، والتصدي لما تواجهه من تحديات إقليمية ودولية.

وإكمالاً لما قد ذكرنا نقول:

إن التغيير في عناصر الهياكل الإدارية العامة في العراق؛ وعلى الأسس الطائفية والحزبية التي جرى الحديث عنها؛ لم تُستثن منه الوزارات والمؤسسات التي تنازلت عنها - في الظاهر -  الأحزاب الطائفية الحاكمة بموجب ما يُسمى بـ"المحاصصة"، أو ما يطلقون هم عليه بـ"التوافق السياسي"، والذي خلص بتشكيل ما أطلقوا عليه "حكومة الوحدة الوطنية". مما يعني أن وجود وزير أو مسؤول من خارج منظومة الأحزاب والتيارات الطائفية على رأس وزارة أو مؤسسة هو في حقيقته وجود صوري، لا قيمة له من الناحية العملية، فالأمر في رسم سياسة تلك الوزارات أو المؤسسات محسوم لأصحاب الغلبة والنفوذ؛ من وكلاء الوزراء، والمستشارين، والمدراء العامين، والمنتمين في الأغلب إلى تلك الأحزاب والمليشات الطائفية، والذين يقوى نفوذهم وتأثيرهم - بطبيعة الحال - على نفوذ الوزير نفسه وتأثيره. هذا فضلاً عن الدور الأكبر لرئيس الوزراء في قمع إرادة "الوزير" الذي جاءت به "المحاصصة" - أو "التوافق" - وتحديد صلاحياته، ومحاصرته، وإحباط قراراته التي لا تنسجم مع الهوى الطائفي والنَفَس الحزبي الذي يحكم السياسة العامة في البلاد، ومن الأمثلة الشاهدة على ذلك إقالة رئيس الجامعة المستنصرية السابق منذ مدة من قبل "وزير" التعليم العالي لأسباب قيل أنها تتعلق بالفساد المالي والإداري، والأمر في حقيقته أكبر من ذلك وأدهى بكثير، والذي حصل أن رفض رئيس الجامعة تلك الإقالة متحدياً إرادة "الوزير" بكل ثقة وكبرياء! ثم بارك رئيس الوزراء رفض الامتثال لقرار "الوزير"!! بحجة أنه لم يكن بالتشاور! وأنه يجري البحث عن الأفضل. ومثل هذا لم يحصل في حكومة من حكومات العالم "المتحضر" إلا تلك التي أوجدها المحتلون وصبغوها بما يريدون.

فإن كان "وزير" التعليم العالي لا يستطيع أن يستبدل رئيس جامعةٍ أو مؤسسةٍ تعليميةٍ بآخر يرى أنه الأكفأ والأجدر بالإدارة وفق تقديراته المتخصصة؛ فما قيمة وجوده كوزير؟ وما دوره في الإصلاح ومحاربة الفساد الذي هو الحجة الظاهرة لبعض القوى المنخرطة في العملية السياسة والمقرة بفكرة "المحاصصة"، أو ما يسمونه هم بـ"التوافق السياسي"؟

لقد أدرك هؤلاء المشاركون في الحكومة على أساس "المحاصصة الطائفية" حجم الخديعة التي وقعوا بها، فراودهم غير ما مرة الانسحاب مما سُمِي بـ"حكومة الوحدة الوطنية"، بل وقرروا ذلك فعلاً عندما أيقنوا أن "التوافق السياسي" الذي طمحوا إليه، ما هو في الواقع إلا كذبة كبرى من الأكاذيب التي خُدِعوا بها، إذ فرَّغه المتغلبون – بتأييدٍ من أسيادهم - من كل معاني المشاركة الحقيقية في الإدارة وصنع القرار، كشأن كل المفاهيم والمصطلحات الزائفة التي روج لها المحتلون من خلال أبواقهم الدعائية وهي مفرَّغة في الواقع - كلياً أو جزئياً - من معانيها الاصطلاحية؛ كـ"التعددية" و"الديمقراطية" و"الحرية" وما إلى ذلك.

إن "المحاصصة الطائفية" في إدارة البلاد؛ بقدر ما هي فكرة جاء بها المحتلون لتكريس الانقسام المذهبي وترسيخ التعصب الطائفي في المجتمع العراقي، هي كذلك لا تعدو أن تكون خُدْعةً لتطمين النفوس المتطلعة للعدل والتكافؤ في فرص الحكم والإدارة في البلاد، بعد الذي أظهرته الأحزاب والتيارات المتحكمة من صور الاستبداد الطائفي والإقصاء المذهبي، وكذلك جاءت "المحاصصة" خُدْعةً لإرضاء النفوس الحالمة بالمشاركة في اتخاذ القرار، وسن القوانين وفق "التوافق" المتوهم الذي بان عوره، وانكشف زيفه.

أقول: لقد آن الأوان لقراءة جدِّية واعية لواقع التغيير في العراق، وعدم الانخداع بالشعارات الزائفة والادعاءات الكاذبة لأرباب النفاق و"التقية" السياسية، وترك الانجرار لمشاريع الاحتلال الموهمة، والتي لا تخدم إلا أهدافه التي يسعى لتحقيقها على أرض الرافدين، وفي المنطقة عموماً، والتصدي بجرأة وشجاعة لكشف ما يجرى من تزييف للواقع، وطمس للحقائق، وتلبيس للمفاهيم، )لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا( [الأنفال: 37].

أضف تعليق