كان ينظر والالم يعتصر قلبه الى (ابطال الحواسم) وهم يفككون ، اثاث واجهزة (بيته الثاني) في الطابق التاسع من بناية وزارة الاعلام في الصالحية ـ تشغلها حاليا محافظة بغداد ـ وذلك بعد استباحة بغداد عقب الغزو الاميركي للعراق عام 2003.
وبيت الصحفي حميد العطو هو وكالة الانباء العراقية التي شطبها الحاكم الاميركي
بريمر بجرة قلم كغيرها من مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية من قاموس الدولة العراقية لان منتسبيها هم من (ايتام) النظام السابق كما ابلغ بذلك ، ومصير الايتام هو رميهم في الشوارع .. وهذا ما حصل فعلا !
ووكالة الانباء العراقية ورمزها (واع) التي تأسست في التاسع من تشرين الثاني عام 1959 هي الوكالة الاخبارية الرسمية التي استطاعت ان تجمع على مدى تاريخها مجموعة من افضل الصحفيين لمهنيتهم العالية.
فهذه الوكالة التي بدأت بغرفة صغيرة تابعة للاذاعة والتلفزيون في الصالحية توسعت في مراحل لاحقة حتى اصبح لها مراسلون في دول عربية واجنبية استطاعوا رصد احداث كبيرة حدثت وكان لهم السبق الصحفي في نقل الخبر.
ويتذكر جيل الصحفيين المخضرمين كيف ان (واع) كان لها السبق في بث خبر اغتيال الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف اواخر عام 1992 وقبلها حركة جعفر النميري في السودان واحداث عدن في سبعينات القرن الماضي وغيرها.
واخذت الوكالة تنافس العديد من الوكالات العربية بعد ان اصبح لها شبكة من المراسلين وخاصة في نيويورك ولندن وباريس وموسكو وانقرة اضافة الي بيروت ودمشق والقاهرة وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وعدن والكويت وصنعاء والسودان.
ارست (واع) تقاليد راسخة في العمل الصحفي ما جعلها بحق مدرسة لتخريج الكوادر الصحفية ، بل تجاوز الامر الى ان عددا من منتسبيها تبوأ مناصب رفيعة في الدولة كوزراء خارجية وثقافة واعلام وكذلك سفراء وغيرها من المناصب المهمة ومن بينهم الدكتور فريد ايار الذي يشعل منصب الامين العام لاتحاد وكالات الانباء العربية /فانا/.
ولعل ابرز ما ميز (واع) عن غيرها من مؤسسات الدولة هو العلاقة الحميمة بين منتسبيها وعوائلهم والتي استمرت حتى وقتنا الحاضر.
يقول الصحفي سيف الدين الدوري احد صحفيي (واع) المخضرمين : كانت وكالة الانباء العراقية اشبه بعائلة كبيرة .. الجميع منسجمون مع بعضهم ، لم تحدث فيها مشاكل كبقية الاجهزة الاعلامية الاخرى ، بل ان كثيرين من العاملين في الوكالة تزوجوا من الموظفات العاملات فيها ، وبعضهم وخاصة المندوبين تزوجوا موظفات من الدوائر التي كانوا مكلفين بتغطية اخبارها.
تعاقب على ادارة (واع) 14 مديرا هم احمد القطان وشاذل طاقة ويحيى الخطيب ودريد الدملوجي ومدحت الجادر وعامر السامرائي وبهجت شاكر ثم طه البصري ومناف الياسين ثم طه البصري مرة اخرى ثم حسين السامرائي وسعد البزاز وعدنان الجبوري وعدي الطائي وأخيرا أحمد سكران.
وتعتقد اوساط اعلامية ان قرار حل وكالة الانباء العراقية يعد واحدا من اسوأ القرارات التي اتخذها بريمر بحجة ان النظام الجديد في العراق يتبنى طريق الاعلام الحر وليس اعلام الحكومة ، لتبرير حلها وحل وزارة الاعلام.
وتشير تلك الاوساط الى ان الواقع يؤكد ان وزارة الاعلام اعيدت حاليا باسم آخر كهيئة الاعلام او الاتصالات او ما شابه وهي تمارس مهام تلك الوزارة او شيئا مماثلا لها ، وكذلك الحال بالنسبة لشبكة الاعلام العراقي وصحفها وقنواتها التلفزيونية واذاعاتها وغيرها ، الا ان هناك اصرارا ـ على ما يبدو ـ على عدم تأسيس او اعادة الحياة لـ (واع).
ويؤكد بعض منتسبي الوكالة ان جهات عراقية جاءت مع الغزو الاميركي للعراق كانت متحاملة بشكل غير طبيعي على منتسبي (واع) واطلقت عليهم تسمية (ابواق النظام) في وقت لم يكن راتب (بوق) واحد منهم يكفي لشراء طبقة بيض على سبيل المثال !
ويوضح هؤلاء المنتسبين نقلا عن احد كادر الوكالة الذي كان يفاوض مستشارة اميركية لبريمر من اجل اعادتهم للخدمة ، ان هذا الاخير كان مقتنعا بفكرة ان جميع منتسبي (واع) ابتداء من مديرها العام وحتى عاملة الخدمة كانوا من المقربين لصدام حسين ومن اعضاء اجهزته الامنية ، لذلك شملوا بقرار حل مؤسستهم !
وعلى الرغم من ان جميع منتسبي وزارة الاعلام ومنهم منتسبو (واع) اعيدوا للخدمة الوظيفية بعد اكثر من سنتين من الغزو الاميركي ، الا ان اعينهم ترنو الى وكالتهم العتيدة.
ويعتقد مختصون اعلاميون ان وجود وكالات انباء مستقلة في أي بلد ديمقراطي يجب ان لا يلغي وجود وكالة انباء رسمية ، والعكس صحيح.
ويوضح هؤلاء المختصون انه حتى في الدول الغربية توجد وكالات انباء رسمية او شبه رسمية كوكالات رويترز البريطانية والصحافة الفرنسية وانسا الايطالية ووكالة انباء الاناضول التركية وغيرها بالاضافة الى وكالات انباء رسمية في دول عربية الغت وزارات اعلامها من ضمنها قطر والاردن على سبيل المثال.
ويتوزع عدد من كوادر (واع) حاليا على عدد من وسائل الاعلام ومن بينها الوكالة الوطنية العراقية للانباء /نينا/ وصحف واسعة الانتشار ووكالات انباء وقنوات فضائية عراقية وعربية وحتى اجنبية نظرا لخبرتهم الصحفية العالية وكفاءتهم المشهود بها.
اما مَن اتعبتهم السنين واخذ منه المرض مأخذه ، فانه غادر الحياة بامراض شتى ومنهم الراحل (العطو) الذي كان يتذكر تواريخ الاحداث مثل الكومبيوتر يوم كان هذا الجهاز عزيزا حتى على (واع) وامين الخزاعي وصفاء رشيد وصالح وتوت وغيرهم.
ص
50 عاما على تأسيسها .. (واع) الوكالة العتيدة التي الغاها بريمر قبل ان يراها
