هيئة علماء المسلمين في العراق

حكم الحج وأسراره ... د. بدر ناصر
حكم الحج وأسراره ... د. بدر ناصر حكم الحج وأسراره  ... د. بدر ناصر

حكم الحج وأسراره ... د. بدر ناصر

جاء في الكتاب والسنة الأمر بالحج، والترغيب في أدائه، ومتابعة هذا العمل الصالح، وأبانت الأدلة آثاره على أهله في الدنيا والآخرة، إبانة تدفع النفوس المؤمنة إلى المسارعة والمبادرة في طلب ذلك الفضل، بل ويهون أنواع المتاعب والمشاق، وأنواع الإعطاء والإنفاق، قال تعالى:  وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى" كل ضامر يأتين من كل فج عميق ( 27 ) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على" ما رزقهم من بهيمة الأنعام( 28 )  {الحج: 27، 28} الآيات، وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة } قال: سئل رسول الله { أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" (1)، وقال عمر بن الخطاب }: "شدوا الرحال في الحج، فإنه أحد الجهادين" رواه البخاري (2).

ثم إن في شريعة الإسلام وأحكامها الغراء المصالح الشريفة والحكم العظيمة، وقد يظهر لأهل العلم شيء من ذلك، وذكرهم لهذه الحكم من هذه العبادات إنما هو حث على أدائها طاعة لله عز وجل بفعلها، والتزود منها، وهناك من الحكم والأسرار في شرعيتها الشيء الكثير الذي لا نعلمه،  وما أوتيتم من العلم إلا قليلا  85  {الإسراء: 85}.

ومن العبادات التي تكلم أهل العلم في حكمة مشروعيتها، وبيان أسرار فرضيتها: الحج وشعائره، قال ابن القيم رحمه الله: "وأما الحج فشأن آخر، لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم، وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة، وهو خاصة هذا الدين الحنيف... وسائر شعائر الحج مما شهدت بحسنه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وعلمت بأن الذي شرع هذه، لا حكمة فوق حكمته" (3) أ.ه مختصراً.
وممن تحدث في بيان حكم الحج وأسراره ابن قدامة، فمما ذكره: "أن يتذكر بتحصيل الزاد زاد الآخرة من الأعمال، وليحذر أن تكون أعماله فاسدة من الرياء والسمعة، فلا تصحبه ولا تنفعه، كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر، فيبقى صاحبه وقت الحاجة متحيراً.
وإذا فارق وطنه، ودخل البادية، وشهد تلك العقبات والصعاب والشدائد، فليتذكر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة، وما بينهما من الأهوال.
ومن ذلك: أن يتذكر وقت إحرامه وتجرده من ثيابه أنه يلبس كفنه، وأنه سيلقى ربه بزي مخالف لزي أهل الدنيا، وأنه يأتي ربه متجرداً من الدنيا ورفعتها وغرورها، ما معه إلا عمله؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وإذا لبى فليستحضر بتلبيته إجابة الله تعالى إذ قال:  وأذن في الناس بالحج  27  {الحج: 27} ولْيَرج القبول، وليخش عدم الإجابة، وليتذكر خير من لبى وأجاب النداء، محمداً { وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وليعزم على الاقتداء به، واقتفاء سنته، واتباع طريقه.
وإذا وصل إلى الحرم فينبغي أن يرجو الأمن من العقوبة، وأن يخشى أن لا يكون من أهل القرب عند الله، معظماً رجاءه في ربه، محسناً ظنه به، فإذا رأى البيت الحرام استحضر عظمة الله في قلبه وعظمت خشيته منه، وازداد له هيبة وإجلالاً، وشكر الله تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه، وليستشعر عظمة الطواف به فإنه صلاة.
وأما الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ثم في منى فيتذكر بما يرى من ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم موقف القيامة، واجتماع الأولين والآخرين في ذلك الموطن وما فيه من أهوال وشدائد  يقول الإنسان يومئذ أين المفر  10  كلا لا وزر  11  إلى" ربك يومئذ المستقر  12  ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر  13  {القيامة: 10 - 13}.
وإذا جاء رمي الجمار فاقصد بذلك الانقياد للأمر، واظهار الرق والعبودية والحاجة والفاقة، وامتثال السنة واتباع الطريقة، وتقديمها على حظوظ النفس ورغباتها"(4)أ.ه.
لقد جمع الحج بمناسكه عبادتين عظيمتين، مادية بالبذل والنفقة، وبدنية بالقيام بشعائره، وأداء مناسكه، كما حج عليه الصلاة والسلام القائل: "لتأخذوا مناسككم"، ولذلك كان الصالحون من عباد الله يتحسرون على فوات الحج، وعدم تمكنهم منه، على أن المتخلف لعذر شريك السائر، كما قال النبي { لما رجع من غزوة تبوك: "إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر" (5).

يحدوهم قول الشاعر:
يا سائرين إلى البيت العتيق لقد
سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا
ومن أقام على عذر كمن راحا
ولهؤلاء وغيرهم يقال: ليست العبرة بكثرة العمل، إنما العبرة بقبوله مع إخلاص النية، وسلامة القلب، وطهارته من كل ما يشوبه، وقوة التعلق بالله؛ خشية منه ومحبة وإجلالاً وتعظيماً له، ورغبة فيما عنده، وزهداً في الدنيا وما عند الناس.
قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: "أنتم أكثر صلاة وصياماً من أصحاب محمد {، وهم كانوا خيراً منكم، قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة"، وقال أبو بكر المزني: "ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره"، قال بعض أهل العلم: "الذي وقر في صدره حب الله والنصيحة لخلقه"، وقال بعض السلف: "ما بلغ من بلغ عندنا بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاوة النفوس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة".

فعلى المسلم المبادرة إلى الطاعة، والتزود من نوافل القربات، والمسارعة في ميادين الصالحات، وسؤال الله القبول بعد هذا كله، كما هي دعوة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام بعد أن عملا أفضل الأعمال وأشرفها، حيث رفعا الكعبة وبنياها، قالا:  ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم  127  {البقرة: 127}.

@ الهوامش:
1- رواه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل الحج المبرور (381/3) برقم 1519، ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (72/2).
2- رواه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الحج على الرحل (380/3) تعليقاً.
3- مفتاح دار السعادة (4/2) .
4- مختصر منهاج القاصدين ص:42 -43.
5- رواه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد - باب من حبسه العذر عن الغزو 46/6 برقم 2839 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.


د. بدر بن  ناصر البدر

أضف تعليق