لا ريب أن ما يحصل من تفجيرات كبرى في بغداد على وجه الخصوص وفي العراق بشكل عام له من البعد الذي يومئ إلى التصفيات بين الخصوم والمتنافسين تحت مظلة العملية السياسية الأمريكية الشيء الكثير، غَير أن وجهاً آخر تفرزه الأحداث ويفرض نفسه على وقائع المشهد جدير بالاهتمام ويستحق أن تسلط الأضواء عليه .
إن المفصل الرئيس الذي تتمحور عليه مجمل الأحداث الحالية هو قضية الانتخابات، ولم تكن مفصلاً رئيساً إلا بسبب المنهجية البالية التي بُنيت ومن ثم سارت عليها العملية السياسية والتحق بها الذين جعلوا من الطائفية والعرقية و الفئوية والحزبية أساساً ومنطلقاً، ما أدى إلى تكوين نوع من الطبقية بشكل مغاير لما هو متعارف عليه طبقياً، إذ أنها فُرضت على العراقيين من قبل المخطط الذي جاء به الاحتلال على الرغم من أن الفسيفساء العراقية تنكره، فهو غير منسجم معها وليس له من حدود دنيا للتطبيق مع تركيبة المجتمع والبيئة العراقيين، ولذلك فإن شكل العملية السياسية منذ ولادتها وحتى اللحظة مشوه، ومسارها معوج، ولم تأتِ بشيء يرتضيه أبناء العراق وأهله، بل كانت هي السبب الأساس الذي جعل العراقيين لا يعرفون معنى الأمن والحرية والسلام والعيش الرغيد إلا من خلال الذكريات والآمال .. فأخذ شكل الحكم في العراق بعد الاحتلال يُبنى على أسس طبقية تحت مصطلحات مزيفة من الأقلية والأغلبية وما إلى ذلك، وقد وُضع الدستور وفق هذه (المبادئ) أو الأسس التي في حقيقتها لا تحمل معنىً لأساس أو مبدأ .. ومن هنا كانت الطبقية التي تحدد معايير الحكم بعد الاحتلال هي الطائفية..!
ونتيجة للسياسات المتخبطة والمسارات المعوجة التي سارت عليها حكومات الطائفيين وخاصة حكومة المالكي الحالية؛ فقد فقدت هذه الحكومة ثقة أبناء طائفتها أنفسهم قبل أبناء الطوائف الأخرى، ولأجل ذلك فإن عملية محاولة إعادة الثقة لا تتم إلا من خلال إحداث الأزمات وصناعة الضغط الجماهيري والشعبي ومن ثم تشويه الآخر وتلفيق التهم .!!
وحيث تسير المرحلة السياسية على شفا انتخابات جديدة فإن دواعي المحاولة لإعادة الثقة تكون أكبر وبالتالي فإن إحداث الأزمات يكون بصورة أكبر بالمحصلة.. والتفجيرات الكبرى شاهد على ذلك ودليل .!
إن مغزى إحداث التفجيرات الكبرى والمجازر في مؤسسات الدولة هو بمثابة رسالة إلى أبناء الطائفة التي تنتمي لها الحكومة تتلخص في أن (الإرهاب) ـ بالمعنى الذي يقصده الطائفيون ـ ما زال موجوداً ويمثل قوة كفيلة بإبادة أبناء طائفة الحكومة .. يحصل هذا وهم ممسكون بزمام الأمور، فكيف لو تمكن (الإرهابيون) من استلام الحكم ..؟؟ ومعنى الإرهاب الذي يقصده الطائفيون يوزعونه بين مصطلحات ( التكفير) و (البعث) وما إلى ذلك .. كلها تصب في خانة واحدة ضمن إطار الطائفية، بمعنى أنهم يقصدون طائفة أخرى معينة يؤطّرون تسميتها بهذه المصطلحات .. وبالعودة إلى السؤال الذي ورد آنفاً فإن المغزى من في نظر الطائفيين أن على أبناء طائفة الحكومة إيداع ثقتهم بها والتكاتف معها حفاظاً على ديمومة الطائفة والتغطية على التصدعات والانشقاقات التي أحدثها السياسيون والأحزاب المشاركة في الحكم ..!
وعلى ضوء ذلك يكون المغزى من التفجيرات الكبرى مندرجاً تحت أحد احتمالين :
الأول : أن التفجيرات الكبرى التي تطال التجمعات والدوائر والمؤسسات الحكومية وحتى المدنية أو التجمعات والأسواق الشعبية تحمل رسالة ضمنية من الحكومة إلى الشعب العراقي عامة وإلى أبناء الطائفة خاصة ـ الذين تكثر التفجيرات في مناطق هم فيها أغلبية ـ مفادها أن لا مناص من الانتخابات وأنها ضرورة، وواجب على كل فرد أداءها حتى لو لم يقر قانونها وحتى لو كانت القوائم مفتوحة وأنها الباب الوحيد للخلاص من حمامات الدم والمجازر من خلال الانتخاب باصطفاف طائفي لمن يدعي أنه يستطيع توفير الحماية وإحلال الأمن والسلام،..! والسياسيون الراقصون في باحة الطائفية ليسوا بحاجة إلى الجماهير لكي تصوت لهم، فتقاسُمُ الكعكة محتمٌ وموزع من قبل إدارة الاحتلال منذ تشكيل مجلس الحكم في 2003م بنسب معلومة للجميع، وإن لكل منهم نصيبه الذي يعرفه مسبقاً، لا يحصل سوى تبادل الأدوار وتغيير الوجوه، فهم ليسوا سوى موظفين عند إدارة الاحتلال، والأخيرة تستطيع الاستغناء عن هذا الموظف وإبعاد ذاك كما تشاء وتأتي بغيره ليحل محله على وفق الطبقية الطائفية والنسب المعلومة آنفة الذكر.. لكن الغرض من تشجيع الناس على الانتخابات والإلحاح بخروجهم لها والتصويت وهو مطلب أمريكي ألزم موظفيه بتنفيذه؛ من أجل إيهام الرأي العام بنزاهة العملية السياسية واستحصال الشرعية لها وبالتالي تحقيق إنجاز يُحسب للإدارة الأمريكية ..!
الاحتمال الثاني : أن التفجيرات الكبرى غايتها تخويف الناس وترهيبهم من الخروج للانتخابات، لأن الممسكين بالسلطة الآن يدركون وبالجزم أنهم خاسرون لا محالة في الانتخابات وأن أرصدتهم باتت مادون الصفر جماهيرياً، وتلك رسالة أن (الإرهاب) سيستهدفكم أيها الناس إذا ما خرجتم للانتخابات..!! فيتسنى لهم التزوير كيف شاءوا و بحسب ما يريده برنامج الاحتلال، أو تؤجل الانتخابات لتبقى فترة إمساكهم السلطة مدة أطول بحسب المخطط الأمريكي كذلك الذي يجعل من مصلحة الولايات المتحدة فوق كل اعتبار خاصة وأن المؤشرات الحالية بين السياسيين أن لا تفاهم ولا اتفاق حول قانون الانتخابات ..! ويتفرع من هذا الاحتمال مشهد يجمع بين الأهمية والخطورة، أهمية تكون بالنسبة للاحتلال في أنّ الوضع لا زال هشاً وأن القوات الحكومية غير مكتملة الجاهزية وبالتالي فإنه لا بد من تمديد بقاء قوات الاحتلال لمساندة الحكومة وأجهزتها بعيداً عن اتفاقية الإذعان ـ رغم أنها لم تطبق من قبل الجانب الأمريكي الذي توالت خروقاته لها ابتداءً من اليوم الثاني لإبرام الاتفاقية وحتى الآن ـ، ومن ذلك ما أعلنته إدارة الاحتلال على لسان المتحدث باسم وزارة الحرب الأمريكية مؤخراً وبعد أيام قلائل من تفجيرات الصالحية من أن قوات بلاده المحتلة سوف تؤخر انسحابها من العراق إذا تأجلت الانتخابات، بدعوى أن " البنتاجون سيقيم الوضع الأمني في العراق والحاجة إلى إبقاء مستوى الوجود العسكري على حاله إذا ما تم تأجيل العملية الانتخابية " ..!، وكذلك نوّه وزير الخارجية الحالي هوشيار زيباري في مقابلة له مع هيئة الإذاعة البريطانية يوم 29/10/2009 م بأن ظروف الأمن الخطيرة التي يمر بها العراق قد تؤثر على خطة الانسحاب ..! ولعل من المفيد ذكره أن صحيفة التايمز البريطانية أجرت لقاءً خاصاً مع قائد قوات الاحتلال في العراق يوم 20/10/2009م أي قبل تفجيرات الصالحية بخمسة أيام، وأعادت نشره صحيفة الرأي الكويتية تحدث أوديرنو فيه عن "احتمال تأجيل الانسحاب من العراق الذي وعد به أوباما "، وزعم أن "تصاعد العنف" هو سبب ذلك .! أمّا الخطورة فإنها ستكون على الشعب العراقي الذي سوف يتلقى المزيد من هذه التفجيرات والمذابح ويدفع مُرغماً ومستضعفاً من دمائه ثمناً للمكاسب الأمريكية على أرضه، والمتابع يذكر ما يتفوه به عادة قادة قوات الاحتلال من أن الوضع في العراق سيشهد تصعيداً وسوف تكون أياماً عصيبة، ثم ما تلبث الأحداث حتى تلتهب وتفعل التفجيرات بالعراقيين قتلاً وفتكاً ودماراً..! و بحسب ما نقلته وسائل إعلام فقد صرّح نائب قائد القوات المحتلة في العراق يوم 31/10/2009م أن تفجيرات مماثلة سوف تقع في العراق..!!
وعلى هذا فإن أصابع الاتهام تبقى مشيرة إلى حكومة المالكي باعتبارها وسيلة التنفيذ الرئيسة لبرنامج الاحتلال بأنها هي السبب الرئيس وراء التفجيرات الكبرى لما فيها من مصلحة مباشرة له و للائتلاف الذي يقوده المجلس الأعلى، فكلاهما متواطئ على قتل العراقيين وكلاهما يريد تصفية الخصم وكلاهما يريد إرضاء الاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني من أجل أن تبقى مصالح أمريكا وإيران محفوظة في العراق من خلال المالكي و الائتلاف، فالنفوذ الإيراني في العراق هو أحد إفرازات الاحتلال الأمريكي ونتيجة من نتائجه، وإن العلاقة بين إيران وأمريكا من منظور القضية العراقية هي غير ما يُروج له إعلامياً من خلافات وتهجمات هذه على تلك، إذ العلاقات الأمريكية الإيرانية علاقة تبادل منفعة مؤطرة بالمصالح، أي متى من انتهت مصلحة أحدهما فإنه سوف يتخلى عن الآخر .. والدليل على هذا الكلام هو النظام الحاكم في العراق اليوم وما يقوم به من إجراءات وما ينتهج من سياسات، فهو يمثل الأرضية المشتركة التي تجمع أمريكا بإيران وتحقق مصلحتهما معاً .. وإن من المتوقع أنّ المالكي وائتلاف المجلس الأعلى سيتحالفان لاحقاً في بعد الانتخابات حال جرت، أو يبقى حالهما على ما هو عليه من إمداد جسور التعاون وتقاسم المكسب المشروطة بينهما واستمرار محاولات رأب الصدع المقترنة بالمصلحة في حال تم تأجيل الانتخابات، أو سيتطور باتجاه ما بحيث لا يخرج عن المخطط الأمريكي .. ولا ريب أن المالكي والائتلاف يتوقعان المكافئة بالمساندة والدعم وصناعة أرضية تمهد لبقاء المالكي بالسلطة وبالتالي تقاسم المغنم مع الائتلاف ... غير أن هذا الأمل هو حبيس تفكير المالكي ومن معه، فهو لن يحصل على شيء إلا ضمن أطر المصلحة الأمريكية البحتة التي لو اقتضت أن يُزال المالكي ويصبح جزءً من الماضي لحصل ذلك .!
التفجيرات الكبرى .. قراءة من وجه آخر...جهاد بشير
